على إفريقيا أن تستوعب أهمية التجارة فى الخدمات - يوسف شاهين - بوابة الشروق
السبت 28 مارس 2020 10:31 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

على إفريقيا أن تستوعب أهمية التجارة فى الخدمات

نشر فى : الأحد 8 ديسمبر 2019 - 10:10 م | آخر تحديث : الأحد 8 ديسمبر 2019 - 10:10 م

ما زال اللوم يقع كاملا على الصناعة على أساس أنها غير قادرة على التصدير والنفاذ إلى الأسواق وعاجزة عن المنافسة فى السوق الدولية واختراق الأسواق الإفريقية. غير أن هذا القول ليس دقيقا، فليتنا نعلم أن نصيب الصناعة لا يعدو أن يمثل الثلث فى نطاق السلعة المصدرة، أما الثلثان المتبقيان اللذان يشملان تكاليف النقل واللوجستيات والتسويق والتأمين وغيرها، بما يحدد التكلفة الإجمالية للسلعة ومدى تنافسيتها دوليا، فهذا كله يدخل ضمن القطاعات الخدمية، التى يقع على عاتقنا تحريرها وتطويرها ورفع مستواها على الصعيد الوطنى وعلى صعيد القارة الإفريقية ككل. فكيف يتأتى للقارة الإفريقية تعزيز معدلات التبادل التجارى فيما بينها إن لم تعمل على تطوير وتحرير قطاعاتها الخدمية وتسخيرها للتجارة؟
وللعلم، كانت الولايات المتحدة هى أولى الدول التى أدخلت التجارة فى الخدمات فى إطار جولة أوروجواى لتحرير التجارة الدولية فى ثمانينيات القرن الماضى، والتى استغرق التفاوض بشأنها ما يقرب من ثمانى سنوات وأسفرت عن إنشاء المنظمة العالمية للتجارة لتحل محل الاتفاقية العامة للتعريفة والتجارة والمعروفة باسم الجات. ولم يكن العالم يعرف قبل ذلك ما هى التجارة فى الخدمات، فقد كان التصور فى البداية أن الخدمات غير قابلة للتداول أو الاتجار. وكان الاعتقاد السائد أن توريد الخدمة يستلزم بالضرورة وجودا متزامنا لموردى الخدمة ومستهلكيها معا. فعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن الخدمات الصحية تستلزم وجود الطبيب والمريض سويا، أو خدمات التعليم أو المحاسبة أو غيرها من الخدمات المهنية فكلها تتطلب الوجود المشترك. غير أن اتفاقية التجارة فى الخدمات فى إطار المنظمة العالمية للتجارة جاءت بتصور جديد تماما خارج الصندوق وهو المعمول به اليوم على أساس تعريف توريد الخدمة من خلال أربعة طرق رئيسية، ألا وهى انتقال الخدمة عبر الحدود دون أن يستلزم ذلك الوجود المتزامن، وما أسهل ذلك اليوم من خلال الإنترنت. كما يمكن انتقال مورد الخدمة نفسه إلى دولة أخرى لتقديم الخدمة مثل خدمات السياحة، وهو ما تعارف على تسميته بالاستهلاك فى الخارج. أما الطريقة الثالثة لتوريد الخدمة فهى من خلال الوجود التجارى أى فتح أفرع للشركات والبنوك والمحلات التجارية فى الخارج لتقديم الخدمة. وأخيرا وليس آخرا، ما يعرف بالطريقة الرابعة وهى الأكثر قربا لقلوب الدول النامية واهتماماتها وهى انتقال الأشخاص الطبيعيين من دولة إلى أخرى لأداء الخدمة، وما تعنيه هذه الطريقة من انتقال العمالة ــ وإن كان ذلك لفترات مؤقتة يتم الاتفاق على مداها ــ للعمل بالخارج.
***
ويعد قطاع الخدمات حاليا أكثر القطاعات ديناميكية على مستوى العالم. فإن التجارة فى الخدمات ذات أهمية عالية لاقتصاديات كل من الدول المتقدمة والنامية على حد سواء. وبصفة عامة، ساهم قطاع الخدمات بنسبة 40% إلى 60٪ من الناتج المحلى الإجمالى فى الاقتصاديات النامية، و60% إلى 80٪ فى الاقتصاديات الصناعية، ألم يحن الوقت لتسخير هذا القطاع لدعم التجارة فيما بين دولنا ودعم مصدرينا وجعل صادراتنا فى متناول أشقائنا الأفارقة؟
فلم تعد اتفاقيات التجارة الحرة قاصرة اليوم على تحرير التجارة فى السلع، بل تسعى الدول، كبيرها وصغيرها، إلى الدخول فى اتفاقيات أكثر شمولا والمعروفة بالجيل الثانى من الاتفاقيات، حيث تعمل على تضمين التجارة فى الخدمات بغية تطوير وتحديث قطاعاتها الخدمية، بما يمكنها من دعم وتعزيز مستويات التصدير بها. وهناك وفقا لتعريف الاتفاقية اثنا عشر قطاعا خدميا ومائة وعشرون قطاعا فرعيا، تتضمن من بين ما تتضمنه قطاع الأعمال والخدمات المهنية والذى يشتمل وحده على خمسة وخمسين قطاعا فرعيا، قطاع الاتصالات، بما يتضمنه من خدمات الكمبيوتر والإنترنت والتطور الرقمى، قطاع التشييد والبناء، قطاع التوزيع، قطاع التعليم، قطاع الطاقة، قطاع البيئة، الخدمات المصرفية والتأمين، السياحة، الصحة وقطاع النقل. وكل هذه القطاعات قابلة للانفتاح والتجارة تدريجيا، بما يواءم أوضاع الدول وجعلها أكثر تنافسية بما يخدم اقتصادياتنا وتجارتنا.
وفى إطار منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية وفى ظل الإنجازات السريعة والهامة، التى حققتها، لا سيما خلال رئاسة مصر للاتحاد الإفريقى هذا العام، حيث صدقت عليها حتى الآن أكثر من 28 دولة إفريقية من مجموع 55 دولة، وهو ما يعتبر رقما قياسيا فى فترة قصيرة لا تزيد عن سنتين، فقد نبّه رؤساء الدول والحكومات إلى أهمية التجارة فى الخدمات وضرورة التفاوض عليها بالتوازى مع تحرير التجارة فى السلع خلال المرحلة الأولى من المفاوضات، أى منح التجارة فى الخدمات الأولوية أسوة بالتجارة السلعية. ومن المتوقع أن تنتهى مفاوضات المرحلة الأولى فى مستهل العام القادم، وبدء المرحلة الثانية والتى سوف تشمل سياسات المنافسة والاستثمار وحقوق الملكية الفكرية.
وإن أصبحت الدول الإفريقية أكثر وعيا ودراية بأهمية التجارة فى الخدمات ووقعها على اقتصادياتنا، فما زال يعوز دولنا الشجاعة والجرأة للإقدام على فتح قطاعاتها الخدمية للمنافسة فيما بينها. ولعل القيام بذلك بداءة على صعيد القارة وبين دول أكثر تقاربا بالنسبة لمستويات التقدم والانفتاح، سوف يمكن دولنا من الاستفادة مما تطرحه التجارة فى الخدمات من إيجابيات ويتفادى سلبياتها إذا ما دخلت فى منافسات أكثر شراسة مع الدول المتقدمة. فدولنا توقن اليوم بدور التجارة فى الخدمات فى إطار سلاسل القيمة المضافة وسلاسل الإنتاج. وعليه، فإن مشاركة الدول الإفريقية فى سلاسل الإنتاج بين بعضها البعض من شأنه أن يدعم قدرتها على الاندماج فى الأسواق الدولية. فمن المعروف على نطاق واسع أن قطاعات الاتصالات والطاقة والنقل والخدمات المالية تسهم بشكل مباشر وغير مباشر فى النمو الاقتصادى وزيادة الصادرات، بما فى ذلك من خلال خفض تكاليف المعاملات التجارية وانتقال المعرفة من قطاع إلى آخر.
وبدأت الدول الإفريقية تفتح أسواقها فيما بينها للتجارة فى الخدمات، فنجد أن سوق شرق إفريقيا، التى تشمل كينيا، أوغندا، تنزانيا، رواندا، بوروندى وجنوب السودان قام بتحرير انتقال الخدمات التعليمية والصحية فيما بين دوله ويسعى إلى إزالة المعوقات التجارية لانتقال تلك الخدمات ومستخدميها ومورديها. كذلك الحال بالنسبة لتجمع جنوب إفريقيا وتحرير انتقال الأفراد للتعليم والتدريب، وفى الاتحاد الجمركى بغرب إفريقيا أصبحت الخدمات المهنية على رأس قائمة التحرير فيما بين أسواق هذه الدول بعضها البعض.
***
ولا شك أن مصر لديها قطاعات خدمية أكثر تطورا وحداثة يمكنها من تحقيق أقصى استفادة ممكنة من عمليات التحرير بالقارة. فهى يمكن أن تستورد الدارسين، بما يعنى فى الواقع تصدير خدمة التعليم، لا سيما التعليم العالى إلى إفريقيا، كما أنه يمكنها تصدير أكفأ الأطباء والمحاسبين والمحامين وأفضل المستشارين وغيرها من المهن. ومن المعروف أن مصر كانت متشددة فى إطار تحرير قطاع الأعمال والخدمات المهنية فى إطار المنظمة العالمية للتجارة، حرصا منها على عدم الخوض فى تحرير هذا القطاع إلا فى أضيق النطاقات وعدم فتحه للمنافسة من قبل الخدمات المهنية الأوروبية والآسيوية والأمريكية، مؤكدة على أن النفاذ إلى السوق المصرية يتم من خلال المشروعات المشتركة مع مكاتب مصرية لا تزيد نسبة الشريك الأجنبى فيها عن 49% حتى تظل الكلمة الأخيرة للشريك المصرى. غير أن الأمر قد يختلف بالنسبة لتحرير التجارة فى الخدمات مع الدول الإفريقية والتى يجب أن ننظر لها من منظور مختلف للاستفادة منها. فلدى مصر ميزة تنافسية بالنسبة للقطاعات المختلفة فى الخدمات المهنية ويتعين علينا أن ندرس بعمق حاجة الأسواق الإفريقية وتشجيع الدول الإفريقية على تحرير هذه القطاعات الفرعية على صعيد القارة ككل والتفاوض معها على قواعد تنظيمية تحمى قطاعاتنا وفى نفس الوقت تمكننا من النفاذ إلى الأسواق الإفريقية. هذا، فضلا عما تتمتع به مصر من ميزة تنافسية فى قطاعات الاتصالات والسياحة والصحة والتعليم مما يمكنها من الدخول بنجاح للأسواق الإفريقية.
غير أنه على الرغم من التقدم المحرز فى السنوات الأخيرة، تظل كثير من أسواق الخدمات مجزأة بسبب السياسات التقييدية التى تنتهجها الدول الإفريقية والمغالاة فى متطلبات وإجراءات التراخيص، تعقيدات متطلبات التأهيل وعدم تطبيق نظم الاعتراف المتبادل، متطلبات الجنسية وعدم التجانس التنظيمى للمؤهلات، المتطلبات التعليمية، تأشيرات الدخول، القيود على التحويلات المالية، كل هذا يعد بمثابة معوقات تجارية تحول دون انتقال الخدمات عبر الحدود وإلى الأسواق الإفريقية، وهو ما يجب التفاوض عليه وإزالته حتى نستطيع إقامة سوق موحدة ومتجانسة ومفتوحة على مستوى القارة الإفريقية ككل.

التعليقات