الجمعة 24 مايو 2019 4:31 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما مدى رضاك عن الدراما الرمضانية للموسم الجاري؟

من أجل إنجاح رئاسة مصر للاتحاد الإفريقى

نشر فى : السبت 9 فبراير 2019 - 9:50 م | آخر تحديث : السبت 9 فبراير 2019 - 9:50 م

تسلمت مصر رئاسة الاتحاد الإفريقى، الذى يضم فى عضويته 55 دولة إفريقية مستقلة ذات سيادة. ولكل من هذه الدول قيادتها السياسية، تعتز شعوبها بها أو قد ترفضها، وقلما كان للاتحاد الإفريقى شأن بذلك. وأود بهذا المقال المقتضب جذب انتباه الصحافة ووسائل الإعلام المصرية لما تكتبه وتردده لتفادى حساسية الشعوب والقيادات وتقليبها ضد مصر. فإننا جميعنا نرغب ونأمل أن يشهد عام الرئاسة تثبيت مصر لمكانتها المرموقة فى القارة الإفريقية ومساعدة دولها على تحقيق تطلعاتها وطموحاتها، مما قد يجعل رئاسة مصر نموذجا يحتذى به مستقبلا.
وعلى الرغم من أن الكثيرين قد يذهبون إلى الاستخفاف بما سوف أطرحه فى هذا المقال وكأنه من البديهيات التى لا تستدعى الالتفات إليها، فإنى لا أشاطر هؤلاء الرأى، لأن ما سوف نكتبه ونردده سوف ينعكس بالضرورة على مصر ورئاستها هذا العام سواء بالإيجاب أو بالسلب. ولعل نقطة البدء هنا قد تكون فيما يكمن من فارق بين مفهومى القيادة والرئاسة. ويمكننا القول باختصار أن القائد ليس شرطا أن يكون رئيسا والرئيس ليس بالضرورة قائدا. فإن القيادة تتمثل فى القدرة على التأثير والتوجيه والإقناع وحشد تابعيه، ولكن الرئاسة هى منصب يستهدف التنظيم والإدارة والالتزام بما تقره اللوائح والقوانين.
فالدول الإفريقية وشعوبها لا ينظرون إلى مصر كقائد أو معلم وإنما كشريك على قدم المساواة تستفيد كما أنها تفيد شركاءها وأخواتها الأفارقة دون مكابرة أو استغلال. فإذا ما حرصت مصر على ذلك فى معاملاتها مع الدول الإفريقية، فإن ذلك وحده سوف يفتح لها الطريق لمزيد من التعاون والاستثمار بما يحقق المصالح المتبادلة والمشتركة مع الدول الإفريقية ويزيل الحساسية المفرطة التى تكمن لدى الشعوب الإفريقية تجاه الدول الإفريقية الكبرى عموما، بما فى ذلك مصر. وعلى الدول الإفريقية الصغيرة أن توقن أن مخاوفها تجاه مصر هى مخاوف غير مبررة وليست فى محلها. فمصر جزء لا يتجزأ من النسيج الإفريقى ولا يمكن فصلها عن القارة الإفريقية أو النظر إليها على أنها تعمل على تغليب مصالحها على مصالح القارة ودولها.
ويقع على عاتق مصر مسئولية دحض شكوك البعض فى مدى إفريقية مصر واستبعاد ما هو عالق فى أذهان هؤلاء من أن مصر ليست إفريقية تماما. ويجىء ذلك نتيجة لما ابتكرته الدول الغربية فى أروقة الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة للتفرقة بين دول القارة وشعوبها فى الفصل بين إفريقيا جنوب وشمال الصحراء بُغية التفرقة فى حجم ومستويات المنح والمساعدات للقارة، وهو ما طالما تصدت له مصر بالتنسيق والتعاون مع غيرها من الدول الإفريقية ورفضت تعبير إفريقيا جنوب الصحراء وفصلها عن الشمال الإفريقى. ويمكن لنا القول اليوم أن هذه الجهود كللت بالنجاح فيما تتفاوض عليه الدول الإفريقية اليوم لتكاملها وإقامة منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، لا فارق بين شمال القارة وجنوبها. ويتعين على الرئاسة المصرية أن تولى المفاوضات الجارية لهذه الاتفاقية أولوية متقدمة لما تقوم به من تفاوض طموح للغاية لتحرير تجارة السلع والخدمات بين الدول الإفريقية من أجل تحقيق المصلحة المتبادلة ووضع اللبنة الأولى للسوق الإفريقية المشتركة.
***
وأن من أفضل ما قرأت عن الرئاسة المصرية لإفريقيا حتى الآن هو مقال للسفير عبدالرءوف الريدى والمعنون «مصر وإفريقيا: عطاء ووفاء» فى مجلة الدبلوماسى فى عددها الصادر فى يناير 2019. وإذ أهنئه على هذا السرد التاريخى القيم واستعراضه دون تعالى واقع مصر وعلاقتها الأزلية مع إفريقيا، فإنه بذلك أكد أن مصر برئاستها هذا العام للاتحاد الإفريقى لا تقود إفريقيا، إنما دورها هى دور المنظم وإيجاد التوافق بين المواقف الإفريقية لمضيها قدما لتحقيق أهدافها دون تراخى أو تباطؤ. كما أن القيادة المصرية بطبيعة دورها كرئيس للاتحاد الإفريقى مخولة بالتحدث باسم إفريقيا فى المحافل والمؤتمرات الدولية، على أن يتم ذلك بالتنسيق المستمر مع رؤساء دولها وحكوماتها. فالرئاسة المصرية تعنى التزاما بالمواقف الإفريقية والدفاع عنها، وفى ذلك لا تعبر عن نفسها ولكن عن دول القارة وشعوبها وتحمى مصالحها وتدافع عنها.
والرئاسة المصرية هذا العام بمثابة اختبار تخوضه مصر مع أشقائها الأفارقة، إما أن تنجح فى تأكيد انتمائها المطلق ضمن النسيج الإفريقى واكتساب ثقة الأفارقة تثبيتا لدورها وقدرتها على العطاء ومشاركتهم عمليات التنمية فى إفريقيا، أو أنها ستضاعف من مخاوف البعض تجاه مصر والتى تعيب عليها تغليب مصالحها على مصالح القارة ككل. وبدأت بعض المقالات بالفعل فى الصحف الأجنبية تقارن بين نجاح الرئاسة الرواندية للاتحاد الأفريقى فى العام المنصرم، التى أعطى رئيسها بسخاء من وقته وتركيزه لتطوير المؤسسات الإفريقية والعمل الإفريقى المشترك ولم يبخل فى حضوره شخصيا كل اجتماعات القمة، وقارن هؤلاء ذلك بتوقعاتهم بالنسبة لرئاسة مصر، التى بحكم قدراتها مقارنة بغيرها من الدول الإفريقية وكونها من أكبر دول القارة وانفتاحها على الأسواق الدولية والإقليمية الأخرى، فإن ذلك يملى عليها اهتمامات ومصالح أكثر تشعبا مما يجعل الدول الصغرى تخشى استغلال مصر لها.
***
وفى تخطيطنا بالتعاون مع الاتحاد الإفريقى لأجندة عمل القارة لمدة العام القادم، علينا أن نسترشد بأولويات القارة ونلتزم بها. وتحتل اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية مكانة متقدمة ضمن هذه الأولويات والانتهاء من التفاوض عليها ودخولها حيز التنفيذ يعتبر من التحديات التى يجب أن تتعامل معها مصر تحريرا للتجارة بين دول القارة. بل إن هذه الاتفاقية لا تقتصر على تحرير التجارة البينية وإنما دون شك تغامر وبجرأة فى التفاوض حول مجالات جديدة لم تخضها إفريقيا فيما بينها من قبل، مثل التحرير فى قطاع الخدمات والتجارة الإلكترونية والتفاوض حول أسس المنافسة فيما بينها ودعم الاستثمارات والالتزام بالمعايير. فعلى مصر أن تحتضن هذه المفاوضات وتسعى إلى الدفع بها، لأنها المجال الوحيد أمام التكامل الإفريقى وإنشاء هدفها الأسمى وهو تكوين سوق إفريقية موحدة.
ويفرض إنجاح إنفاذ هذه الاتفاقية على الرئاسة المصرية أن تولى اهتماما خاصا بتطوير البنية التحتية وإدماج القطاع الخاص وتهيئة البيئة المناسبة له للمشاركة فى تنفيذ هذه الاتفاقية عن اقتناع ثابت بأن مصلحته تكمن فيما سيتمخض عنها من نتائج عملية لتطوير الصناعة والتجارة الإفريقية وربط دولها بسلاسل الإنتاج وسلاسل القيمة المضافة الإقليمية وخلق فرص عمل للشباب الإفريقى.
وأخيرا وليس آخرا، فإن علينا أن نعى أن رئاسة مصر للاتحاد الإفريقى ليس ترفا أو رفاهية، إنما التزام وعمل جاد ودءوب لمدة عام كامل. ولا يقتصر هذا العمل والالتزام على المستوى الحكومى فحسب بل يمتد ليشمل القطاع الخاص والمجتمع المدنى، الذى لا يقل دور أيهما أهمية عن الدور الحكومى فى إنجاح الرئاسة المصرية. وإن كان العبء الأكبر يقع على عاتق وسائل الإعلام والصحافة التى لها أن تعكس هذا النشاط والجهد الصادق على جميع المستويات بتعقل وإنصاف دون مغالاة أو تضخيم حتى لا يأتى بنتائج عكسية نحن فى غنى عنها.

مهندس
الاقتباس
الرئاسة المصرية هذا العام بمثابة اختبار تخوضه مصر مع أشقائها الأفارقة، إما أن تنجح فى تأكيد انتمائها المطلق ضمن النسيج الإفريقى واكتساب ثقة الأفارقة تثبيتا لدورها وقدرتها على العطاء ومشاركتهم عمليات التنمية فى إفريقيا، أو أنها ستضاعف من مخاوف البعض تجاه مصر والتى تعيب عليها تغليب مصالحها على مصالح القارة ككل.

التعليقات