للتكامل فى إفريقيا أولوية متقدمة - يوسف شاهين - بوابة الشروق
السبت 14 ديسمبر 2019 6:02 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

للتكامل فى إفريقيا أولوية متقدمة

نشر فى : السبت 16 فبراير 2019 - 11:30 م | آخر تحديث : السبت 16 فبراير 2019 - 11:30 م

بمناسبة تسلمه رئاسة الاتحاد الإفريقى، تطرق السيد رئيس الجمهورية فى خطابه أمام رؤساء الدول والحكومات الإفريقية إلى الخطوط العريضة لمستقبل القارة للاسترشاد بها فى وضع أجندة متكاملة لعام الرئاسة المصرية للاتحاد. وتناول السيد الرئيس موضوعات مهمة ومتشعبة تشمل إقامة علاقة ترابطية بين السلام والتنمية، مكافحة الإرهاب، الهجرة والنزوح القسرى سواء بسبب النزاعات الوطنية أو التصحر بالإضافة إلى مواصلة الإصلاح المؤسسى والهيكلى للاتحاد الإفريقى. وسوف يكتب الكثيرون عن بعض أو كل هذه الموضوعات، أما هذا المقال فسوف يركز على موضوع لم ينل حظه من الاهتمام فى الصحافة ووسائل الإعلام على الرغم من أنه يحتل أولوية فى جدول أعمال القادة الأفارقة وهو الخاص بالتكامل الاقتصادى واتفاقية التجارة الحرة القارية.
كما أكد السيد الرئيس فى أعقاب القمة أن المناقشات التى دارت بين الزعماء الأفارقة أبرزت اهتمامهم بدفع مسيرة الاندماج القارى والإسراع بتفعيل اتفاقية التجارة الحرة بالقارية الإفريقية. ومن بين الأسباب التى قد تؤدى إلى عدم تغطية هذا الموضوع بالقدر المستحق والكافى، هى تعقيداته وتفرعه إلى موضوعات متداخلة وشديدة التخصص. وتولى مصر أهمية خاصة بأن يبدأ تنفيذ هذه الاتفاقية أثناء فترة الرئاسة المصرية للاتحاد.
ويأمل الجميع فى إنجاح التكامل الإفريقى هذه المرة بعد العديد من التجارب التى خاضتها القارة منذ أن تسابقت دولها على الاستقلال فى الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى. وجاءت المحاولة الأولى على يد زعماء ثلاثة للقارة وقتذاك، وهم الرئيس جمال عبدالناصر والرئيس الغانى نكروما والرئيس التنزانى نيريرى. ودعا نكروما إلى التكامل القارى كوسيلة ضرورية لضمان أخذ إفريقيا على محمل الجد على المسرح العالمى. وتم إنشاء منظمة الاتحاد الإفريقى فى أديس أبابا فى عام 1963.
***
وفى 26 مايو 2001، أى بعد ثمانٍ وثلاثين سنة، تم حل منظمة الوحدة الإفريقية ليحل محلها الاتحاد الإفريقى وإعطاء دفعة جديدة للتنمية والاعتماد على الذات فى إفريقيا. وشهدت القارة الإفريقية تجارب متعددة لتحقيق اندماجها، وأقامت التجمعات على المستويات دون الإقليمية، حيث أنشأت 8 تجمعات: مجتمع دول الساحل والصحراء، السوق المشتركة لإفريقيا الشرقية والجنوبية (الكوميسا)، مجتمع شرق إفريقيا، الجماعة الاقتصادية لدول وسط إفريقيا، الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، الاتحاد الجمركى للجنوب الإفريقى وأخيرا اتحاد المغرب العربى. كما سعت بعض التجمعات فيما بينها إلى إقامة منطقة تجارة حرة موحدة فيما عُرف بالتجمع الثلاثى بين الكوميسا والاتحاد الجمركى للجنوب الإفريقى وجماعة شرق إفريقيا فى 2007 فى شرم الشيخ. وكانت مصر أولى الدول المصدقة على هذه الاتفاقية لقناعتها التامة بجدوى وأهمية تحقيق حلم إفريقيا الموحدة.
واليوم نقف على عتبة تحقيق الحُلم الإفريقى من خلال المبادرة الأخيرة فى 2015، التى تختلف عن كل التجارب السابقة وتستهدف تكاملا أكثر شمولا وتعمقا. وفى مارس 2018، وقعت الدول الإفريقية على اتفاقية التجارة الحرة القارية والتى تتطلب تصديق برلمانات 22 دولة لتدخل هذه الاتفاقية حيز التنفيذ، يتم بموجبها إلغاء تجزئة أسواقنا مما أفقدها لسنوات طويلة القدرة التنافسية وتحقيق وفورات الحجم الكبير. وأصحاب المصلحة فى اتفاقية التجارة الحرة هى شعوب وحكومات القارة الإفريقية بأكملها، شاملة النساء والأطفال والقطاع الخاص والمجتمع المدنى والأكاديميين والبرلمانيين.
ومن المثير للإعجاب والتقدير فى آن واحد ازدياد عزم القارة الإفريقية على تحرير أسواقها لإيمانها الراسخ بأن هذا يحقق مصلحتها ويدعم ذاتها فى وقت تتشكك فيه الدول المتقدمة فى جدوى وفوائد التحرير والعولمة. وأن مثل هذه المخاوف ليست بدون سبب. ففى حين ساهمت العولمة وتحرير التجارة فى التوسع الاقتصادى خلال العقود الماضية، وكانتا المحرك الرئيسى للنمو والتنمية، فإن المكاسب كانت غير عادلة وغير متوازنة ولم تجن ثمارها الفئات الدنيا والمهمشة. واتسعت الفجوة فى الدول المتقدمة بشكل حاد فى بدايات هذا القرن، وهو ما أدى إلى ظهور الحركات الشعبوية فى الولايات المتحدة وأوروبا وتفاقم حدتها بتولى الرئيس الأمريكى ترامب الحكم.
وعلى القارة الإفريقية أن تتفادى هذه العيوب فى إطار اتفاقيتها للتجارة الحرة. فلم يعد التكامل الإفريقى ترفا أو رفاهية، بل إنه أصبح أمرا حاسما لتعزيز التجارة بين دول القارة والارتقاء بمستويات التصنيع بها. ويتعين على إفريقيا أن تحقق تكاملها لتوسيع أسواقها وقدراتها الإنتاجية وجذب الاستثمارات وتوفير فرص العمل. أضف إلى ذلك أن اتساع الفجوة بين دول القارة وتنوعها ما بين دول نامية متوسطة الدخل وأخرى أقل نموا، والدول غير الساحلية، والجزرية الصغيرة، فإن القارة تواجه تحديا لتحقيق العدالة فى توزيع المكاسب وأن تجنى جميع شعوب القارة بجميع فئاتها ثمار التحرير والرفاهية. فالاتفاقية يجب أن تترجم إلى مستويات معيشية أفضل للجميع مع عدم ترك أحد فى الخلف.
***
ولم تأتِ مبادرة عام 2015 من فراغ. فإن لدى الدول الإفريقية زخما من التجارب عبر سنين طويلة. وأيقنت الدول الإفريقية أن التحرير السلعى وحده غير كاف ويجب أن يصاحبه خطوات جادة فى مجالات أخرى لتصبح التجارة محركا للنمو فى إفريقيا، وهو ما حدا بالاتحاد الإفريقى إلى رسم خطة متكاملة للتحرير لتشمل لأول مرة بالإضافة إلى تحرير السلع التحرير فى تجارة الخدمات، بما فى ذلك اللوجستيات وتحرير الخدمات فى الموانئ وتيسير التجارة والتفاوض على قواعد متسقة حول الاستثمار وحقوق الملكية الفكرية وسياسة المنافسة والتجارة الإلكترونية. كما تعير هذه الاتفاقية أهمية لمواءمة المعايير، لا سيما تلك الخاصة بالصحة والصحة النباتية.
كما أيقنت الدول الإفريقية أنه بدون بناء البنية التحتية واللوجستيات لنقل البضائع، لن تقوم للتجارة بين الدول الإفريقية قائمة. وتشكل تكاليف النقل والتأمين المرتفعة فى إفريقيا عائقا أمام نمو التجارة. فإن لديها أعلى تكاليف للنقل البرى فى العالم. ففى وسط إفريقيا، على سبيل المثال، يكلف نقل طن واحد من البضائع على طول الطريق من الكاميرون إلى نجامينا فى تشاد 0.11 دولار لكل كيلومتر، وهو أكثر من ضعف التكلفة فى أوروبا، التى تبلغ 0.05 دولار. فأسعار النقل المرتفعة فى إفريقيا تضر بالتوسع فى التجارة أكثر من القيود التجارية والتعريفات غير الجمركية.
ووافق وزراء التجارة الأفارقة فى مؤتمرهم المنعقد فى ديسمبر 2018 بالقاهرة على هدف طموح للتحرير السلعى بنسبة 90٪. وتقوم الدول النامية بتحرير هذه النسبة فى غضون خمس سنوات، بينما للدول الأقل نموا فترة انتقالية تمتد إلى 10 سنوات. أما بالنسبة للـ10% المتبقية، فهى تنقسم إلى 7% منتجات حساسة و3% سلعا مستثناة من التحرير. ومن المرجح أن تبدأ عملية تحرير المنتجات الحساسة بعد إتمام تحرير قائمة السلع غير الحساسة.
وبالنسبة لتحرير التجارة فى الخدمات، طالبت الدول الإفريقية منذ المراحل الأولى بتحريرها بالتوازى مع تحرير التجارة فى السلع وتعاملت معها كجزء لا يتجزأ من تحرير التجارة الكلية. واتفق بداءة على تحرير ــ وبمستويات طموحة ــ خمسة قطاعات خدمية، وهى: قطاع الأعمال، الاتصالات، التمويل، السياحة والنقل. ويقع على عاتق مصر وهى فى رئاسة الاتحاد مجاراة طموحات القارة وتعزيزها.
وكان إهمال القطاع الخاص طوال المحاولات السابقة للتكامل جزءا من مشكلة ضعف التبادل التجارى. وعلى الحكومات الإفريقية تدارك ذلك وإدماج القطاع الخاص وتوفير مساحة أكبر له لكى يقوم بدور نشط فى عمليات التكامل إذا أرادت تحقيق هدفها فى تعزيز التجارة فيما بين دولها.
ويجرى الآن العمل التحضيرى بشأن قضايا المرحلة الثانية لاتفاقية التجارة الحرة القارية، التى تشمل الاتفاق على دعم وحماية الاستثمار وحقوق الملكية الفكرية وحماية المؤشرات الجغرافية وسياسات المنافسة. وهناك مشاكل يتعين علينا أن نستعد لها منذ الآن، وقد يكون ذلك موضوع مقال آخر.
***
وأخيرا وليس آخرا، وعلى الرغم من أن القيادة السياسية تدفع بكل قوة إلى تحديث الاقتصاد القومى ورقمنته والاستفادة من تحرير القطاعات الخدمية لتصبح قطاعات تنافسية قادرة على النفاذ إلى الأسواق الإفريقية، فإن البيروقراطية ما زالت تسحبنا إلى أسفل عازمة على عدم التحرك. فمازالت الأيدى المرتعشة على جميع المستويات تضع غمامة على أعينها رافضة الرؤى الجديد ورافضة الاعتراف بالتحرك الشجاع للقيادة السياسية التى تؤمن بأن مصر تمتلك القدرات والخبرات التى من شأنها أن تدفعها إلى الأمام بكل قوة ونجاح.

التعليقات