اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية: إفريقيا التى نريد - يوسف شاهين - بوابة الشروق
الإثنين 16 ديسمبر 2019 7:08 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية: إفريقيا التى نريد

نشر فى : الثلاثاء 9 يوليه 2019 - 11:35 م | آخر تحديث : الثلاثاء 9 يوليه 2019 - 11:35 م

لا تمثل التجارة بين الدول الإفريقية أكثر من 10% من إجمالى تجارتها الخارجية، وهو أدنى مستوى عالمى بالمقارنة بالمناطق التجارية الأخرى فى آسيا أو أمريكا اللاتينية أو غيرها. وعلى الرغم من محاولات الاندماج فيما بين المناطق الجغرافية داخل القارة وإقامة الأسواق المشتركة والاتحادات الجمركية فى الشمال والشرق والغرب والوسط والجنوب، كان لزاما علينا التوجه إلى الاندماج المتكامل، ضمانا لانسياب التجارة الحرة فيما بين دول القارة جميعها. وبعد مفاوضات متواصلة دامت قرابة العامين، وفى مارس 2018، وقع رؤساء الدول والحكومات الإفريقية فى كيجالى برواندا اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية، التى دخلت حيز التنفيذ فى 30 مايو 2019 بتصديق 22 دولة. وكانت مصر من بين أوائل الدول التى وقعت وصدقت على هذه الاتفاقية. ومما لا شك فيه أن وصول عدد الدول المصدقة اليوم إلى 25 دولة فى فترة تقل عن سنة واحدة يعتبر فى حد ذاته توقيتا قياسيا، إذا ما قورن بما عهدناه بالنسبة للتوقيع والتصديق على الاتفاقيات عامة فى إفريقيا والتى عادة ما تأخذ سنوات طويلة. فعلى سبيل المثال اتفاقية التكتلات الثلاثة بين دول الكوميسا والسادك (الجنوب الإفريقى) وجماعة شرق إفريقيا، التى قامت مصر بالتوقيع والتصديق عليها فى مايو 1917، لم يصدق عليها حتى الآن سوى أربع دول من مجموع 14 دولة، بما يسمح لها أن تدخل حيز التنفيذ.
***
وانعقدت القمة الاستثنائية فى 7 يوليو بنيامى فى النيجر لتدشين تنفيذ اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية، التى ستشمل تحرير التجارة البينية بين دول القارة جميعها، أى الـ55 دولة، وذلك بالتدرج، خمس سنوات بالنسبة للدول الإفريقية النامية وعشر سنوات للدول الإفريقية الأقل نموا. غير أن ما يميز هذه الاتفاقية عن غيرها ليس هو مسارعة الدول على التوقيع والتصديق عليها فقط، إنما ما يميز هذه الاتفاقية عن غيرها هو شموليتها وتعمقها فى التحرير فيما بين الدول الإفريقية فى مجالى التجارة فى السلع والتجارة فى الخدمات وكذلك تضمينها اتفاقيات تحث دول القارة على دفع الاستثمارات فيما بينها وتوفير الحماية اللازمة لها وتتبنى سياسات المنافسة واحترام حقوق الملكية الفكرية. وتعد كل هذه المجالات حديثة نسبيا لدول القارة، التى تخوض للمرة الأولى مفاوضات بشأنها وتتبادل التنازلات حولها.
وعلى الرغم من قوة الدفع والإرادة السياسية لدى السادة رؤساء الدول والحكومات لتحفيز الدول ومفاوضيها بسرعة إنهاء المفاوضات التجارية حول هذه الاتفاقية ومرفقاتها، وعلى الرغم من التقدم الملحوظ، الذى تم إنجازه على نحو ما سنراه ــ فإن الطريق أمامنا ما زال وعرا ومليئا بالصعوبات ونحن على عتبة البدء فى تنفيذ هذه التجربة الفريدة من نوعها. فإن الموضوعات محل التفاوض ليست سهلة، فعلى الدول أن تتفاوض على قواعد المنشأ والتى تشمل آلاف البنود وتسعى إلى التقارب فيما بينها وصولا إلى القاسم المشترك الذى يمكن على أساسه بدء التطبيق. كما بدأت المفاوضات حول خفض التعريفة الجمركية على السلع وصولا إلى الصفر، مع استثناء السلع الحساسة لكل دولة، التى تشكل 7% من مجموع سلعها وتتطلب وقتا أطول للتحرير، بخلاف السلع المستثناة التى لن يتم تحريرها فى الوقت الحالى على الإطلاق، وإن كانت تمثل نسبة ضئيلة للغاية من حجم السلع الكلية المحررة. كما بدأت أيضا المفاوضات حول جداول التزامات التجارة فى الخدمات أسوة بما سبق أن تم فى إطار منظمة التجارة العالمية، وإن كان على أسس أقل شمولا وتشعبا.
***
مصر اليوم فى سباق ماراثونى تحقيقا وحفاظا على مصالحها، وإن كان هذا السباق ليس مع دول القارة فحسب، وهو أضعف الإيمان، ولكن مع دول أكثر شراسة ترغب فى استغلال اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية لمصلحتها وتنافس دول استعمار القرنين الماضيين التى بدأت تفقد زخمها فى القارة، دول مثل تركيا والهند والبرازيل وكوريا الجنوبية وعلى رأسها الصين ــ فإن تواجد هذه الدول أصبح على مرمى نظر الجميع ومتشعبا فى كل المجالات السلعية والخدمية مثل الفنادق والطرق والمطارات. وعلى الرغم من أن مصر تسعى إلى الاستفادة من الفرص المتاحة فى إفريقيا، فإنها تقوم بذلك على استحياء مقارنة بدول مثل تركيا والصين. ولعل اتفاقية التجارة الحرة القارية تفتح مجالا واسعا للعودة مرة أخرى إلى مصر الستينيات، حين قامت بتشييد مستشفى فى لوساكا بزامبيا تقف شامخة حتى الآن بأطبائها المصريين، وبناء مبنى النصر فى نيامى لخدمة سيارات نصر، واستثمار المقاولين العرب فى بناء الطرق وغيرها. فإذا ما لم تسرع مصر فى الدخول من جديد وبقوة فى الأسواق الإفريقية من خلال قطاعها الخاص فى مجالات عديدة تتقنها مصر وتتمتع فيها بمزايا تنافسية، مثل مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والخدمات المهنية والسياحة وغيرها، فإنه يخشى صراحة أن يفوتها القطار.
إن ما يقوم به السيد الرئيس وحده وتوجيهاته شبه اليومية وتصريحاته بأن إفريقيا هى الامتداد الطبيعى لنا لن يكفى إذا ما لم يقابله زخم وقوة دفع مماثلة من القطاع الخاص المصرى وإقباله على المغامرة واتخاذ المخاطر المحسوبة. وتبقى المنفعة من هذه الاتفاقية هامشية بالنسبة لمصر. وتعرف الشعوب الإفريقية أن مصر ليس لديها نوايا خفية مثل غيرها من الدول، إنما ترغب فى الدخول فى إفريقيا من أجل المصلحة المتبادلة والرقى للشعوب جميعها.
***
وبالتوازى مع التفاوض على تحرير التجارة فى السلع والخدمات، كان من الضرورى الاهتمام بمعالجة مشاكل التواصل بالقارة، لا سيما فى عصر تكنولوجيا المعلومات الذى نعيش فيه. فكان من المهم بداية الاستثمار فى البنية التحتية وربط دول القارة بالسكك الحديدية والطرق البرية والممرات النهرية تعزيزا للتبادل التجارى فيما بينها. ونذكر على سبيل المثال لا الحصر، طريق سريع يمتد عبر غرب إفريقيا من نواكشوط بموريتانيا إلى لاجوس بنيجيريا. بالإضافة إلى مشروع طريق القاهرة كاب تاون، الذى يبدأ من ميناء الإسكندرية إلى مدينة كاب تاون فى جنوب إفريقيا. ولقد تم بالفعل إنجاز جزء من الطريق الممتد من مصر إلى الحدود مع السودان، وهو جاهز للعمل. كما أن هناك أيضا الطريق الذى يربط القاهرة بداكار فى السنغال فى غرب أفريقيا. فضلا عن مشروع الربط النهرى بين الإسكندرية وبحيرة فيكتوريا، الذى من شأنه أن يجعل البلاد بمثابة بوابة إلى وسط إفريقيا عبر نهر النيل. وإلى غير ذلك من المشروعات الفعلية والتى تهدف إلى ربط الدول الإفريقية بعضها ببعض تعزيزا للتجارة وانتقال العمالة فيما بينها.
بيْد أن ما لا يقل أهمية عن الاستثمار فى البنية التحتية، ما حققته الاتفاقية بالفعل بالنسبة لأدوات التواصل الإلكترونية والتى تدعم إطلاق المرحلة التنفيذية للاتفاقية، وهى آلية إلكترونية للإبلاغ عن الحواجز غير التعريفية ومراقبتها والقضاء عليها، وبوابة إلكترونية لعروض التعريفة الجمركية فيما بين الدول ومحمية بكلمة مرور عبر الإنترنت، وأخيرا مرصد التجارة الإفريقية، الذى يتضمن معلومات وفيرة عن التجارة فى السلع والخدمات والإطار التنظيمى للدول الأعضاء، كما قام البنك الإفريقى للتصدير والاستيراد ببناء نظام المدفوعات والتسوية، بما يسهم فى التجارة بين الدول بضمان من البنك بالعملات المحلية.
ومن المؤكد أن رؤساء الدول والحكومات جادون فى المضى قدما وبسرعة تفوق كثيرا سرعة المفاوض الإفريقى وسرعة هؤلاء الذين يقع على عاتقهم تنفيذ الاتفاقية. لقد نجحت اتفاقية التجارة الحرة القارية بدعم مباشر من رؤساء الدول والحكومات الإفريقية ومشاركة فعلية ومستمرة منهم للانتهاء من المفاوضات التجارية فى موعدها وتعزيز مشاركة القطاع الخاص الإفريقى فى مراحل تنفيذها دعما للتنمية والارتقاء بالشعوب الإفريقية وبما يتماشى مع هدفنا الأسمى: إفريقيا التى نريد.

التعليقات