الأقصر بلدنا - نيفين مسعد - بوابة الشروق
السبت 29 فبراير 2020 9:45 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


الأقصر بلدنا

نشر فى : الخميس 9 يناير 2020 - 9:20 م | آخر تحديث : الخميس 9 يناير 2020 - 9:20 م

تهبط الطائرة في مطار الأقصر وأغنية محمد العزبي المبهجة "الاقصر بلدنا بلد سواح " ترن في أذنى، أحتفظ بسري الصغير / الكبير وأنا أسير في ركاب قافلة من الأطفال أكبرهم في الثانية عشرة من عمره يزورون الأقصر للمرة الثانية وربما الثالثة، لم أزر الأقصر في حياتي، لكن لا بأس فأن تأتي متأخراً أفضل من ألا تأتي أبداً، أدس نفسي في الأوتوبيس وأحكم غلق السويتر فبرد الصباح شديد. بمحاذاتنا علي اليمين جبال شاهقة تتفحصنا في فضول وتنثر علينا بعض رمالها مرحبة، وكلُ له طريقته في الترحيب، تطاردني أغنية العزبي مجدداً وأتمثل أعضاء فرقة رضا وهم ينزلون من العربات الحنطور التي تقلهم يرقصون برشاقة ويسابقون الخيل قبل أن يعتلوا عرباتهم مجدداً، أحب كل فرد في هذه الفرقة أما فريدة فهمي فهي الحب الكبير .
***
نصطف في طابور طويل في انتظار التسكين في الغرف علي ظهر السفينة، تتناهي إلي الأذن كلمات من لغات شتي أكثرها شيوعاً اللغة الإيطالية، هذه المُلاحَظة سوف تتعزز لاحقا عندما نصادف في المزارات المختلفة سائحين من كل الجنسيات مع إقبال إيطالي مميز، اللهم موسماً سياحيًا حافلاً بعد كل ما مرت به مصر من صعاب. ينتبه طفل في السابعة إلي أن لوحة الترحيب بالعام الجديد تنطوي علي خطأ لغوي سخيف "haapy new year"، أتحرج من رهط السائحين الأجانب وألفت نظر موظف الاستقبال إلي الخطأ فيدهشني رده "إحنا تعليم مجاني يا افندم "، هل أجادله وأخبره كم من فطاحل في اللغات الأجنبية تلقوا مثل هذا التعليم ؟ لا فائدة، آخذ مفتاحي وأدلف إلي غرفتي. أن ترقد علي فراشك محاطاً بماء النيل فتلك متعة لا مزيد عليها، مريح أن تجد في كهولتك من يحملك بين ذراعيه / أمواجه و يهدهدك كطفل، مريح أن تخترق أشعة الشمس نفسك كمثل أشعة الليزر فتسحب من داخلك التوتر والقلق وتهديك جرعة مكثفة من الوداعة والسكينة، مريح أن تسلم قيادك لربّان لا تراه لكنك تثق في أنه يأخذك إلي الأجمل. هنا يبدو النيل أعلي وأهدأ وأنظف، ينساب ماؤه برومانسية لا شأن لها بحوارات السدود والمخططات والتدخلات الخارجية، النيل لا شأن له بالسياسة.. البشر لهم. يغازلك الهدوء لتخلد إلي النوم ويغريك الجمال بأن تستيقظ إلي الأبد، إلي الأبد؟ ها قد بدأت تتسلل إليّ مفردات مستوحاة من المكان دون تخطيط، فالخلود سيظل واحداً من أعظم أسرار الفراعنة .
***
هل تركبون المنطاد؟ نعم.. لا.. تجربة لطيفة.. مخاطرة.. العمر لحظة.. قررنا الركوب. من أي صوب نظرت منه إلي هذه المدينة ومن أي ارتفاع طالعتها فأنت محاط بكنوز من الآثار والنقوش والمعابد، تبدو شوارع المدينة كما لو كانت علامات ترقيم بين تاريخ وتاريخ، فهذه فصلة وهذه نقطة وهذه بداية سطر، ولو لم تُنهَب آثار مصر علي مر العصور فلربما اختفت كل علامات الترقيم وتحولت المدينة إلي مُتَصَل واحد، لكنك حيثما تذهب ستجد من يقول لك هنا كان يوجد تابوت أو هنا كان يوجد تمثال أو هنا كان يوجد أثر، يتفاعل في داخلك الشعور بالزهو مع الشعور بالغضب، فسرقة التاريخ هي الإثم الأكبر. أفواج من السائحين تتقاطر علي معابد المدينة بعضهم يستعين بمرشدين وبعضهم لا يستعين، وهذه الفئة الأخيرة تبدو كصيد ثمين لبعض المتطفلين الذين يتطوعون بالشرح دون استئذان في انتظار المقابل، ثم من أدرانا أن هؤلاء علي بينة بتاريخ الأسر والملوك، مطلوب رقابة أكثر من وزارة السياحة حتي لا يمارس الإرشاد إلا فاهم، وهذا علي أية حال ليس المجال الوحيد المطلوب تشديد الرقابة عليه لكن أيضا سلوك الباعة فلا يوجد أحد ضد الربح لكن أظن أننا جميعاً ضد الاستغلال ولا يعقل أن تباع نفس السلعة في مكان بخمسة عشر جنيها وفي مكان آخر بمائة وثمانين جنيهاً، تحسُس الآثار وتسلُقها يحتاج أيضاً رقابة، أما نظافة دورات المياه وتلك مشكلة أزلية فإنها تحتاج حسماً.
***
يخطف نظري اسم إحدى المدارس: مدرسة الملكات، هكذا دفعة واحدة! يحرجنا تاريخنا القديم ففيه ملكات كبار ذوات جاه وصيت وسلطان، بالتأكيد لم يكن الطريق أمامهن مفروشاً بالورود لكن كانت لديهن عزيمة من حديد. ترن في أذني أغنية أخري بديعة من أغاني محمد العزبي في فيلم غرام في الكرنك: يا اولاد بلدنا توت توت إحنا في معبد حتشبسوت، وآه من هذه الملكة الداهية التي صارعت لتقتنص السلطة بعد وفاة زوجها الملك تحتمس الثاني فأنعشت التجارة وعززت الأسطول البحري وخلدت ذكراها وذكري الإله آمون ببناء معبد ومسلتين استقرت إحداهما لاحقاً في قلب باريس. تري هل تعرف طالبات مدرسة الملكات هذا التاريخ المجيد لبنات جنسهن؟ الأرجح أنهن يعرفن بعضه، لكن الأصعب هو سؤال: كيف يتم تدريس تاريخ الملكات لهؤلاء الصغيرات، كمدعاة للفخر، كنوع من المروق، كلعنة من لعنات الفراعنة ؟
***

تتهادي السفينة برفق شديد من شط إلي شط.. فالنهر لا يُمشَي فوقه إلا هوناً. تشق الألوان المبهجة فجأة طريقاً لها بين الصخور المتراكمة بعضها فوق بعض، الأزرق له حضوره القوي في بيوت النوبة، لكن الأزرق لا يأتي وحده علي أي حال ففي ركابه تجيء كل الألوان. يا ربّي ما كل هذا التنوع في أشكال الطبيعة وخلائق البشر وما كل هذا الإبداع؟ فرض الجمال نفسه علي أهلنا الأقدمين فعبدوه وصنعوا له الآلهة وخرّوا لها ساجدين، صعب جداً أن يعيش المرء داخل هذه اللوحة الخلابة ويفلت من سحر الأسطورة. هذا بلد جميل، جميل لأننا نحبه وجميل لأنه كذلك. لكن كما أودعنا الفراعنة الأقدمون كنوزهم ورقدوا في سلام آمنين فإن من حقهم علينا أن نحافظ عليها، ولعل هذا أضعف الإيمان .

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات