سد النهضة أم سد الحرب؟! - محمد عصمت - بوابة الشروق
الإثنين 6 يوليه 2020 11:20 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

سد النهضة أم سد الحرب؟!

نشر فى : الإثنين 9 مارس 2020 - 10:30 م | آخر تحديث : الإثنين 9 مارس 2020 - 10:30 م

إذا استمرت عقلية الخبث والخداع تحرك الحكومات الإثيوبية المتعاقبة فى التفاوض حول سد النهضة، فسوف يأتى اليوم الذى لا يمكن فيه لمصر أن تتجنب الحلول العسكرية لضمان حقوقها الشرعية فى مياه النيل التى توفرها لها جميع القوانين الدولية.
هذه الحقيقة تدركها إثيوبيا جيدا، ولكنها تغامر بالتهديد بملء خزان السد رغم أنف مصر، وفى استهانة بالغة بالمفاوضات معها، لأنها تعرف أن أى قرار بتدمير السد آنذاك سيهدد صعيد مصر وقبله مدن عديدة بالسودان وعلى رأسها الخرطوم نفسها بالغرق، بل وربما يهدد بانهيار السد العالى، وهى تكلفة باهظة تراهن عليها إثيوبيا فى استبعاد أى عمل عسكرى قد تفكر مصر فى اللجوء إليه.
كل الخبراء يؤكدون أن إقدام إثيوبيا على ملء خزان السد فى فترة زمنية أقل من 7 إلى 9 سنوات بحسب قوة الفيضان، سوف يكون له عواقب كارثية مدمرة على مصر، على رأسها نقص المساحة المزروعة بأكثر من 2 مليون فدان وخروج كل المشاريع الزراعية الجديدة من الخدمة، وانهيار الصناعات التحويلية المرتبطة بالزراعة وتربية الأسماك، وتدهور نوعية المياه فى الترع والمصارف والبحيرات، وتناقص كهرباء السد العالى، وهى أوضاع سيترتب عليها تشريد أكثر من 5 ملايين فلاح يوفرون قوت يومهم من الزراعة، وتناقص فى المواد الغذائية وارتفاع فلكى فى أسعارها، وارتفاع أسعار الكهرباء وإغلاق مئات المصانع وتشريد عمالها، وكل ذلك بالقطع سيؤدى إلى اضطرابات سياسية واجتماعية تهدد بمزيد من الاحتقان فى البلاد، ففى ظل هذه الأوضاع لن تستطيع أى سلطة فى مصر كبح جماح فوضى مؤكدة ومجاعات تدق أبوابنا بعنف، إلا بتوفير مليارات الدولارات ــ لا أحد يعرف كيف؟ــ لاستيراد المواد الغذائية وبيعها بأسعار فى متناول ملايين الفقراء ومحدودى الدخل فى مصر.
هذا السيناريو الكارثى الذى يهدد حياتنا بل ووجودنا نفسه لن تستطيع أى سلطة فى مصر احتماله، ومع ذلك فإن إثيوبيا تضغط على أعصاب القاهرة بتصريحات عدائية بأنها ستبدأ بملء الخزان بعد 4 أشهر، وأن لا أحد سيمنعها من ذلك، وأن المياه مياهها وأن مطالبتها بزيادة عدد سنوات الملء هو اعتداء على سيادتها على أراضيها وعلى قرارها الوطنى، فى استخفاف واضح بكل المعاهدات الدولية واتفاقيات الأمم المتحدة المتعلقة بالأنهار، حتى فجرت مفاجأتها المتوقعة بهروبها المخزى من التوقيع على الاتفاقية التى تم التوصل إليها فى واشنطن الأسبوع الماضى بحجج واهية!
كل هذه التصريحات الاستفزازية الإثيوبية وإصرارها على إطالة أمد المفاوضات بلا طائل وتكتيكاتها الخبيثة والمكشوفة لتمييع أى اتفاقية محتملة، لا يجعل أحدا فى مصر يثق فى سلوكياتها معنا فى المستقبل عندما ينتهى بناء السد، والواضح أنها تخطط مع دوائر غربية وصهيونية لكى نصبح رهينة فى يدهم، تمدنا بالماء إذا رضوا عنا وتمنعه إذا غضبوا علينا، ليبقى النيل سلاحا فتاكا فى يدهم يشهرونه فى وجوهنا متى أرادوا، خاصة أن فكرة بناء سدود على النيل الأزرق هى فى الأساس فكرة استعمارية أوروبية قديمة تعود لمئات السنين للتحكم فى مصر والسيطرة عليها!.
ما فعله قادة إثيوبيا المتعاقبون ــ رغم اختلاف عرقياتهم ونظم حكمهم ــ طيلة السنوات الخمس الماضية يكشف بوضوح ما سيفعلونه معنا وبنا خلال السنوات الخمسين أو الخمسمائة المقبلة، ربما سيطالبون بثمن الماء الذى يحمله إلينا النيل، وربما سيضغطون علينا فى الغرف المغلقة بضرورة توصيله لإسرائيل، ربما سيطالبون بما هو أكثر من ذلك لكى نتخذ سياسات ومواقف لا تحقق مصالحنا طبقا لأوامر من يحركهم فى تل أبيب أو غيرها من الدوائر الغربية!.
ما يجب أن تدركه إثيوبيا جيدا هو أن عليها أن توقف فورا مسلسل الهراء والعبث الذى تمارسه معنا منذ 5 سنوات، وأن تعرف أن عدم احترامها للاتفاقيات الأممية ولحقوقنا المشروعة فى مياه النيل أو رفضها للاتفاق على سنوات الملء وقواعد تشغيل السد، سيجعل كل الخيارت متاحة أمامنا بما فيها الخيار العسكرى رغم مرارته وتكلفته الباهظة!.

محمد عصمت كاتب صحفي