المحظورات والأوهام فى السياسة الاقتصادية فى مصر - مصطفى كامل السيد - بوابة الشروق
الجمعة 28 فبراير 2020 7:26 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


المحظورات والأوهام فى السياسة الاقتصادية فى مصر

نشر فى : الأحد 9 يوليه 2017 - 9:35 م | آخر تحديث : الأحد 9 يوليه 2017 - 9:35 م

تثبت تجربة الشهور الماضية منذ بدأت الحكومة المصرية تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادى الذى وقعته مع صندوق النقد الدولى أن هذا البرنامج يلقى أعباء فادحة على كل المصريين، أصحاب العمل والعاملين، الطبقة المتوسطة والعمال والفلاحين، من يزاولون عملا ومن يعانون من البطالة، المنتجون الذين يتحملون ارتفاع نفقة الإنتاج والمستهلكون الذين يدفعون أثر هذا الارتفاع بما يؤدى إليه من تصاعد نفقة المعيشة. ولما كان هؤلاء جميعا هم الذين يمولون أنشطة الحكومة التى تقوم بتنفيذ هذا البرنامج من خلال ما تقتطعه الحكومة من دخلهم كضرائب، ولأن حصيلتها من الموارد الأخرى مثل قناة السويس أو صادرات نفطية هى من أصول عامة هم ملاكها، فإنه من المشروع تماما أن يتأكدوا أن هذه الإصلاحات تستند إلى تصور صحيح لأولويات الإنفاق العام، وأن السياسة الاقتصادية تقوم على افتراضات صحيحة وواقعية لما سيكون عليه مسار الاقتصاد بعد الأخذ بهذه الإصلاحات. هذا حقهم كذلك كمواطنين يفترض أن هذه الحكومة أو أى حكومة هى مجرد نائب عنهم فى التصرف فى المال العام على نحو يحقق مصالحهم المشتركة.
الواقع أن ما يثير القلق أن هناك محظورات يخضع لها صانع السياسة الاقتصادية، كما أن هناك افتراضات يسلم بها ليس من شأنها أن تبعث الطمأنينة بأن هذه التضحيات سوف تثمر النتيجة المرجوة من استئناف نمو الاقتصاد المصرى بمعدلات عالية، وأن بنيته التى تعتمد على أنشطة ريعية فى الوقت الحاضر سوف تصبح أكثر توازنا بانطلاق القطاعات السلعية والخدمات الإنتاجية فيه، وأن ذلك سوف يعود على المواطنين باتساع فرص التشغيل وانخفاض نفقة المعيشة وانحسار الفقر والبطالة تبعا لذلك. والسبب فى ذلك أن هذه المحظورات تحول دون تبنى الأولويات الصحيحة للسياسة الاقتصادية، كما أن الافتراضات التى تقبلها كمسلمات هى افتراضات غير واقعية عفا عليها الزمن، ولم تعد مقبولة حتى فى ظل القراءة الصحيحة للكتابات الاقتصادية النقدية. فما هى هذه المحظورات وما هى تلك الافتراضات غير الواقعية؟
***
هناك محظورات على صانع السياسة الاقتصادية. فدعونا نقبل أن صانع السياسة الاقتصادية فى مصر هو حكومتنا التى يرأسها الدكتور شريف إسماعيل ويساعده فريق المجموعة الاقتصادية، وأنها تخضع لرقابة مجلس النواب الذى أقر الميزانية الجديدة قبل أيام. هل يتمتع هؤلاء بالحرية فى تحديد أولويات الإنفاق العام؟ الإجابة بالنفى. لأن هناك أولا ميزانية القوات المسلحة التى تقدم لهم بحكم الدستور بندا واحدا فى الميزانية لم تجر العادة على أنهم يناقشونه. بل وقد فقد وزير للاقتصاد منصبه فى منتصف ثمانينيات القرن الماضى لأنه تجرأ واقترح على الرئيس الأسبق حسنى مبارك خفض الإنفاق العسكرى. ولا شك لدى كاتب هذه السطور فى ضرورة تمكين القوات المسلحة من الدفاع عن الوطن ولزومية توفير احتياجاتها، ولكن أصبحت ميزانية القوات المسلحة فى مصر شأنا لا يجوز الاقتراب منه على خلاف ما تعرفه كل الدول ذات المؤسسات النيابية وحتى تلك التى تولى أهمية كبرى لأمنها الوطنى، بما فى ذلك ليس دولا مثل الولايات المتحدة وبريطانيا ولكن حتى إسرائيل التى تخضع موازنة الدفاع فيها لمناقشات حادة داخل مجلس وزرائها، وحدث أن طالب وزير المالية فيها بخفض الإنفاق العسكرى خضوعا لاعتبارات اقتصادية. نحن استثناء من ذلك كله، وهذا أحد المحظورات على صانع القرار الاقتصادى ويقبل الرأى العام فى مصر ذلك، أو على الأقل يندر أن يعترض أحد على ذلك من خلال أدوات الإعلام المتاحة.
ثانى المحظورات هو ما يسمى بالمشروعات القومية الكبرى، والتى لم يتعرض أيها لنقاش جاد لا داخل مجلس الوزراء ولا داخل مجلس النواب. حسب علمى لم يناقش مجلس الوزراء مشروع توسيع قناة السويس بشق تفريعة جديدة لها، ولم يناقشا ما يسمى بالعاصمة الإدارية الجديدة، ولا المقر الصيفى الذى تحدث عنه الرئيس السيسى فى لقائه مع رؤساء تحرير الصحف الثلاث المسماة بالقومية، ولا الأسس الاقتصادية لمشروع استصلاح مليون ونصف المليون فدان، ولا خريطة شبكة الطرق الجديدة، ولا أثر تشييد الطريق الإقليمى الدائرى على الأراضى الزراعية. لقد صرح الدكتور شريف إسماعيل عندما كلف بتولى مهمة رئيس الحكومة بأن واجبه الأول هو تنفيذ برنامج الرئيس السيسى والذى تندرج فيه معظم هذه المشروعات، ولكن هذا البرنامج لم يعلن تماما قبل الانتخابات الرئاسية فى يونيو 2014 بدعوى أن المرشح السيسى ليس بحاجة لبرنامج، ولم يخضع لأى مناقشة بعد هذه الانتخابات، ومن ثم فالحكومة مطالبة فقط بتنفيذ برنامج لم تناقشه، ومع أنه من المشروع تماما أن تبحث الحكومة مدى أولوية هذه المشروعات، وما هى أعباؤها على الاقتصاد الوطنى، وما هى أسسها الاقتصادية، بل وما مدى جدواها فى الوقت الحاضر، إلا أن ذلك هو محظور بحكم الأمر الواقع.
***
هناك أيضا افتراضات غير واقعية حيث تقوم السياسة الاقتصادية على عدد من الأوهام أو ما يمكن تسميته بقصور الرمال. قصر الرمال الأول هو التعويل بناء على الفكر الليبرالى الجديد الذى يستند إليه برنامج الإصلاح الاقتصادى أن تنفيذ البرنامج سوف يطلق قوى السوق التى ستدفع الاقتصاد الوطنى نحو النمو. طبعا كما لو أن قوى السوق هذه هى كائن ينتظر إجراءات الحكومة لكى يخرج من قمقمه نحو فضاء الرخاء لاحقا باقتصادات النمور الأسيوية، بينما سياسات الحكومة نفسها تلزمه بعدم الخروج من هذا القمقم إذا صح وجود مثل هذا الكائن. كيف ستنبعث قوى السوق هذه أمام ارتفاع تكلفة الإنتاج بحكم تصاعد نفقة المستلزمات مع السعر الجديد للدولار ومعدل الفائدة الجديد؟ وكيف ستنطلق قوى السوق مع انكماش السوق الداخلية بحكم انخفاض مستوى معيشة المواطنين؟ لا ترى الحكومة تناقض سياساتها مع آمالها الليبرالية المعلقة على انطلاق قوى السوق.
ثانى الأوهام الكبرى هو التعويل على تدفق الاستثمارات الأجنبية كحل يعوض عن الإضراب غير المعلن للقطاع الخاص المصرى. يفوت الحكومة أن المستثمر الأجنبى يحكم على السوق المحلية بحسب كيفية تعامل الحكومة مع رأس المال المحلى، وأظن أن لدى المستثمرين المحليين الكثير من الشكوى من أسلوب تعامل الحكومة معهم. وثانيا أن العنصر الأساسى فى اجتذاب رءوس الأموال الأجنبية هو مستوى تعليم ومهارة القوى العاملة المحلية. ولاشك أن بلدنا للأسف الشديد يحتل ذيل القائمة بالنسبة لمستوى التعليم والتأهيل فيه، كما لا تدرك الحكومة أيضا أنه كما للاستثمار الأجنبى من مزايا فى تعويض انخفاض مستوى الإدخار المحلى، إلا أن له أيضا آثاره السلبية فى السيطرة على قطاعات أساسية فى الاقتصاد الوطنى مثل البنوك وشركات التأمين، بل والأخطر من ذلك فى ميزان المدفوعات، فمثلما تتدفق الاستثمارات الأجنبية، تتدفق أيضا الأرباح والفوائد والرسوم والعوائد المستحقة لأصحاب رءوس الأموال الأجنبية، ونحن ما زلنا نسوى مديوناتنا لشركات النفط الأجنبية التى عملت فى مصر وجمدت أنشطتها لأننا لم نقدر على تحويل مستحقاتها عن السنوات الماضية. وأظن أن وزراء المجموعة الاقتصادية لدينا ولا أشك فى كفاءتهم يعرفون جيدا أن كبرى الدول المدينة فى أواخر العقد الماضى كانت من أكثر الدول اعتمادا على الاستثمارات الأجنبية وعلى قروض من البنوك الدولية. وهكذا يمكن للتعويل على الاستثمار الأجنبى أن يكون أيضا مصدرا مزمنا لأزمة حادة فى ميزان المدفوعات لا يوجد حل سهل لها سوى باللجوء مرة أخرى للمؤسسات المالية الدولية لطلب معونتها التى لن تأت إلا بمقابل مشروطية قاسية عرفت الأرجنتين سابقا واليونان حاليا طعمها المر. وهنا لابد من التذكير بأن مديونيتنا الخارجية قد وصلت لحدود لم يعرفها اقتصاد مصر منذ حصلت على استقلالها فى عشرينيات القرن الماضى. نحن مدينون بالفعل للعالم الخارجى وخصوصا للدول المتقدمة بنحو اثنين وسبعين مليار دولار. من اين سنأتى بما نسدد به هذه المديونية قبل أن تتصاعد مديونيات جديدة تولدها الاستثمارات الأجنبية التى تسعى حكومتنا لاجتذابها؟
الوهم الأخير فى هذا السياق هو أن هناك لدينا الحل السحرى وهو أن تتولى القوات المسلحة قيادة الاقتصاد، فتحل محل القطاعين العام والخاص، مثلما رأينا فى ممارسات عديدة خلال السنوات الثلاث الماضية. ليس هذا بالحل الواقعى، فليست هذه مهمة القوات المسلحة ولا أولوياتها. الأخطار المحيطة بالوطن فى الداخل والخارج تتطلب تفرغ القوات المسلحة لمهمتها الأساسية فى الدفاع عن الوطن، ولا يمكن تعبئة موارد مصر إلا باستئناف القطاع الخاص لدوره فى تحقيق التنمية المتوازنة للاقتصاد المصرى، ولا بدون رفع كفاءة القطاع العام وقيامه بالدور الرائد فى هذه التنمية.
ليس القصد من هذا الحديث تثبيط الهمم، ولكن دعوة حكومتنا السنية والقطاعات المستنيرة من الرأى العام لرفض هذه الأوهام والبحث عن منطلقات واقعية لوضع التنمية فى مصر على أسس سليمة ومستدامة.

مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
التعليقات