البحث العلمي ما بين الشركات والجامعات - محمد زهران - بوابة الشروق
الخميس 20 فبراير 2020 1:20 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


البحث العلمي ما بين الشركات والجامعات

نشر فى : السبت 11 مارس 2017 - 10:40 م | آخر تحديث : السبت 11 مارس 2017 - 10:40 م

 

يوجد بحث علمي في الجامعات كما يوجد بحث علمي في الشركات ولكل أهدافه، في هذا المقال نطرح سؤالين ونناقشهما، السؤال الأول: ما نوعية الأبحاث التي من الأفضل أن تقوم بها الجامعات؟ السؤال الثاني: ماهى طبيعة العلاقة بين الجامعات والشركات؟

 

هناك عدة مدارس لنوعية البحوث العلمية التي من الأفضل أن تجرى في الجامعات وتلك التي تجرى في الشركات.

المدرسة الأولى تقول بأن الباحثين في الجامعات عندهم حرية أكبر من  الباحثين في الشركات حيث يجب عليهم إتباع سياسة الشركة وتُقيدهم الكثير من قوانين السرية (نتيجة للمنافسة الشرسة بين الشركات) بالإضافة إلى جدول صارم للحصول على نتائج للوصول بالمنتج إلى السوق في مواعيد محددة، هذه الحرية النسبية في الجامعات يجب أن تجعل الباحثين يفكرون في أفكار جريئة قد لا تنتهى إلى منتج ما أو تكون موجهة للمستقبل البعيد في حين أن الباحثين في الشركات يعملون للمستقب القريب والعلم يحتاج لكلا الفكرتين.

 

المدرسة الثانية تقول بأن الأبحاث تخدم المجتمع لذلك يجب أن تكون المشكلات البحثية التي يعمل الباحثون على حلها في الجامعات وفي الشركات تخدم المجتمع بشكل مباشر وسريع.

 

هناك مدرسة ثالثة تتبنى المبدأ المتوازن تقول بأن على الشركات والتي بطبيعة الحال لديها إمكانيات ومعامل أفضل من الجامعات أن تجعل جزئاً من برنامجها البحثي للأفكار المستقبلية (نرى ذلك في بعض المشروعات البحثية لشركة جوجلوشركة SpaceX والكثير من الشركات الكبرى) وفي المقابل الباحثون في الجامعات أيضاً يحتاجون إلى نشر أبحاث سريعاً من أجل بناء إسم والترقيات والتمويل فلابد لهم من العمل في مشروعات بحثية للمستقبل القريب (حيث نسبة النجاح أعلى) بالإضافة إلى الأفكار الجريئة المستقبلية (حيث نسبة النجاح أقل).

 

كل مدرسة لها وجاهتها وعلى كل باحث أن يختار طريقه إرتكازاً على نقطتين: خطته للتقدم في عمله وشخصيته التي تتلائم مع الموضوع البحثي (تكلمنا من قبل عن شخصية الباحثين).

 

حديثنا حتى الآن يعطي إنطباعاً أن كل من الجامعات والشركات تعمل في معزل عن الأخرى وهذا ليس صحيحاً ...هذا يقودنا إلى السؤال الثانى الذي نناقشه في هذا المقال وهو عن العلاقة بين الشركات والجامعات.

 

أما عن طبيعة العلاقة بين الجامعات والشركات فلها هي الأخرى عدة أشكال.

الشكل الأول وهو الأكثر شيوعاً أن تمول الشركات بعض الأبحاث العلمية في الجامعات وهذا التمويل يكون مالياً أو إهداء أجهزة أو تدريب بعض الطلبة التي تعمل في هذا المشروع، هذا التمويل يحقق للشركة الممولة فائدتين: أولاً تحقق هدف تنموي عن طريق تمويل مؤسسة تعليمية وعن طريقة الحصول على نتائج أبحاث بطريقة أرخص مادياً من القيام بالبحث في معامل الشركة.

 

الشكل الثاني هو تعاون أكبر حيث يستخدم الباحثون في الجامعة الإمكانيات المتاحة في معامل الشركات وهى بالتأكيد أفضل من تلك المتاحة في الجامعات، ولكن هنا ستكون هناك قيوداً أكثر على نوعية الأبحاث وعلى المسموح بنشره في المجلات والمؤتمرات العلمية!

 

الشكل الثالث هو أن تنشئ الجامعة (أو مركز أبحاث داخل الجامعة) شركة (startup) ونجد ذلك منتشراً في الجامعات البحثية الكبيرة ولكن هذا يحتاج مقدرة إدارية كبيرة بالإضافة إلى المقدرة العلمية، أفضل مثال على هذا الشكل الثالث هو بوب لانجر (Robert Langer) من أعظم الأساتذة في معهد ماساشوستس للتقنية (MIT)... هذا الأستاذ والذى يبلغ من العمر حالياً 68 عاماً يدير أفضل مركز أبحاث لأمراض السرطان في التاريخ الحديث ... هو أستاذ كيمياء في الأصل ولكن قدرته على إختيار الأبحاث التي تفيد البشرية وعلى قيادة فريق بحثي من تخصصات عدة أدت إلى الآتى: حاصل على 1100 براءة إختراع حتى الآن (نعم ألف ومائة) ... معمله أنشأ 40 شركة قيمتها الآن حوالي 23 مليار دولار ... له من الأبحاث ما يتعدى 1300 ... تخرج على يديه ما يربو على 900 باحث ما بين ماجستير ودكتوراه وباحثين ما بعد الدكتوراه بل وطلبة بكالوريوس تعلموا البحث العلمي في مركزه ... هذا الفيديو يرينا محاضرة ألقاها  بوب لانجر على الطلبة يشرح فيها المعاناة والفشل الذي واجهه حتى وصل إلى ما وصل إليه ... وفي العدد مارس-أبريل 2017 من مجلة (Harvard Business Review) حديث معه يشرح فيه أفكاره وكيف يصل البحث العلمي من المعمل إلى الشركات ثم إلى الناس ... تقول المجلة أن نتائج أبحاثه أثرت على 2 مليار شخص على هذا الكوكب ... فلا عجب أن عنون هذا الحديث في المجلة "إديسون الطب" أو (The Edison of Medecine).

 

الآن سؤالي موجه لباحثينا الذين يبدأون حياتهم العملية: ماذا ستختار وأي طريق ستسلك؟ نصيحة: ضع في إعتبارك كيف ستفيد البشرية ولا تضع المنصب أو المال في الإعتبار ... هذه نصيحة بوب لانجر ...

محمد زهران عضو هيئة التدريس بجامعة نيويورك فى تخصص هندسة وعلوم الحاسبات، حاصل على الدكتوراه فى نفس التخصص من جامعة ميريلاند الأمريكية، له العديد من الأبحاث العلمية المنشورة فى الدوريات والمؤتمرات الدولية، بالإضافة إلى الأبحاث والتدريس.. له اهتمامات عديدة بتاريخ وفلسفة العلوم ويرى أنها من دعائم البحث العلمى، يستمتع جداً بوجوده وسط طلابه فى قاعات المحاضرات ومعامل الأبحاث والمؤتمرات، أمله أن يرى الثقافة والمعرفة من أساسيات الحياة فى مصر.
التعليقات