غَضَـب - بسمة عبد العزيز - بوابة الشروق
السبت 7 ديسمبر 2019 1:41 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

غَضَـب

نشر فى : الجمعة 11 أكتوبر 2019 - 11:20 م | آخر تحديث : الجمعة 11 أكتوبر 2019 - 11:20 م

ثمَّة غَضَبٌ يظهر على السطحِ فوَّارًا عنيفًا؛ لكنه سرعان ما يزول ويتلاشى كالزَّبَد، وآخر يختمِر وقتًا قبل الظهور؛ فإذا انفجر قَلَبَ الأعماقَ ورجَّ الأسطُحِ ودامت تبعاتُه ردحًا مِن الزمن، وفي الأخير يقولُ المَأثور: اتَّقِ شَرَّ الحليمِ إذا غَضبَ؛ فإذ يغضَب أصحابُ الطِباع الهادئة الوَدود، يكون الأثر مُضاعفًا وتأتي العواقبُ صارمة.
***
الغَضَبُ في مَعاجِم اللُّغة العربية انفعال به ميل للاعتداء، وانتفض غضبًا بمعنى هَاجَ. يُنعَت الرجلُ بأنه غَضِبٌ وغَضُوبٌ، بينما تُنعَت المرأةُ بأنها غَضْبَى، أما الغَضْبانُ فتشير المَعاجمُ إلى أنه الشخصُ سريع الغضَب أو شديده، ويُقال إن كُلَّ سريعٍ في الغضَب طيبُ القلبِ، يعجَز عن إخفاءِ أحاسيسِه ولا يُضمِر سوءًا في دواخِله. الرجُلُ الغُضَابٌ هو غَلِـيظُ الجِلْدِ، أما الغَضْبة فهي الصَّخْرةُ الصُّلْبةُ في الجَبلِ.
***
حين يَصِف الناسُ شخصًا في طلَّته همٌّ بيِّن وعبُوسٌ مُقيم، يقولون: على وِشُّه غَضب ربنا. يشي الوصفُ بخليط من السُخط والحنق والضيق الشديد؛ يظهر جليًا ولا يحتاج إلى كلام. غَضب ربنا يعكس مَبلغَ ما تنطق به الملامحُ مِن جَهامة؛ لا يُصدَّق أن مَبعثها بَشر.
***

عُرِضَ فيلم "أيام الغضب" بنهاية الثمانينيات، وقام ببطولته نور الشريف فيما أخرجه منير راضي. تدور القصةُ حول ابراهيم الذي يتعرض لخديعة تحصل بها زوجتُه السابقة على شقته، وتتزوج بآخر يُدخِله مَصحَّة نفسية؛ حيث يقاسي أنواعًا مِن الاضطهاد وصنوفًا مِن العذاب. الغَضبُ لا ينبُع مِن الخيانةِ وحدِها، ولا مِن فُقدان أموالِه وأملاكِه، بل مما وَصَلَ إليه مُجتَمعٌ بأسرِه، فالفساد لم يعُد شخصيًا بل مَسلكًا عامًا مُستشرِيًا، واستحالت الخسارةُ جامعة.
***
يُوصَفُ الغَضبُ مرات بأنه كاسحٌ؛ يدفع أمامَه كُلَّ ثابتٍ ويخلْخِلُ الرَواسخَ وينتزعها مِن الأرض انتزاعًا. يُوصَف كذلك بأنه هادر، والهَدر صوت الرعد ما تخلَّق في السماء. إذا كشفت الطبيعةُ عن قدرتها الكامنة؛ وصفها الناسُ بأنها غاضبةٌ، وغضبها مِن القسوَةِ بعضَ الأحيان بما لا يصمد أمامَه أحد؛ غُضبة واحدةٌ تحرِم مئات وآلاف أمنَهم وبيوتَهم، وتؤكد ضآلتهم في مواجهتها.
***

اهتم الكاتبُ أنيس منصور بالغَضب؛ فأصدر كتابَ "مُذكّرات شاب غاضب"، وكذلك "مُذكّرات شابة غاضبة". الغضبُ مُلازِم لمَرحلة الشباب، فإذا شاخَ المَرءُ تهافَت غَضبُه وخَفَّ، وصار أكثرَ قُبولًا لمُنغّصات الحياة، وأقلَّ مَيلًا للاعتراض عليها ومناطحتِها.
***
ثمَّة رواية شهيرة للكاتب الأمريكي جون شتاينبك كُتِبَت في نهاية الثلاثينيات تقريبًا، تحكي حياةَ عائلةٍ ينتمي أفرادُها للطبقة العاملة. العائلة غارقة في الفقر، مَطرودة إلى الهامش، تعاني شظفَ العَيْشِ والهَوان، واسم الرواية: "عناقيد الغضب". بعد مرور أكثر مِن نصف قرن؛ اعتدى جيشُ الاحتلال الإسرائيليّ ضمن اعتداءاته على العنوان؛ فأطلقه على عمليةٍ عسكريةٍ وحشية، استهدفت أرض لبنان؛ وبذا صارت للغضب وعناقيده في الذاكرة علامتان؛ تحملان بؤسًا ومرارة.
***
يقول قائلٌ يوشك على فقدان هدوء أعصابه: "اللهم طوِّلك يا روح"، والقصد طلب الصَّبر، والاستعانة بسِعة الصدر، على ما يستفزُّ الغَضبَ ويُحرِّكه؛ فإذا لم تَطُل الروحُ وضاق الصدر، قيل: "نفدَ الصَّبر"، وبنفاده تتكسر القيود وتتحرَّر المشاعر. كثير الناس يرتكبون في غَضبِهم حماقات؛ يتمنون لو لم تحدث بعد زوال الانفعال، وقلَّة تُمسِك عن الوقوع في الخطأ وتكظِم الغَضب، وفي بيت الشعر القديم: ولم أرَ فضلًا تمَّ إلا بشيمةٍ .. ولم أرَ عقلًا صحَّ إلا على الأدبِ .. ولـم أرَ في الأعـداءِ حين اختبرتـهـم .. عدوًّا لعقلِ المرءِ أعدَى مِن الغَضَبِ. قد يكون الغَضبُ عدوًا لكنه بعض الأحيان يغدو المَنجى؛ فرُبَّ غاضبٍ شَحَذَ الغَضبُ هِمَّتَه، وأورثه جرأةً على إنجاز ما استعصى.
***
إذا حُبِسَ الغَضبُ في الأحشاء أَكَلَها، وإذا لم يجد له مُتنفسًا ألحَقَ بالغاضبِ ضَررًا بالغًا. عزا المَوروثُ الشعبيّ القديم كثيرَ الأعراضِ والأمراضِ إلى نوم الشخصِ غاضبًا مُستاءً؛ جلطات الأوعية الدموية بالدماغ والشلل التالي لها، وأمراض الضغط والسكر، قد يُسهِم في ظهورِها أو مُفاقَمتِها غَضبٌ مُزمِن؛ يعيش به المَرءُ فترات مِن عمره. يُقال في تبرير وَعكةٍ مُفاجئة "أصله نام زعلان"؛ أثبت العِلمُ صِدقَ الاعتقاد، فمواد كيميائية ذات طبيعة خاصة؛ يفرزها الجسدُ الغاضبُ، تدور في شرايينه وأوردته وتفعل أفاعيلَها بأعضائه، وتتسبَّب ما تَوَاصَل إفرازُها في أزماتٍ صحية.
***
لا أنفك أسترجع مشاهدَ مِن فيلم "التعامل مع الغضب" للعبقريّ جاك نيكلسون. يقدم الفيلم رجلًا مُتحفزًا طيلة الوقت، يقف على شفا الغضب؛ لكنه لا يدري بغضبِه ولا يستَبصِر سبَبَه، ينفعل بحِدَّة لأبسط المَوَاقف، ويأتي بردودِ أفعالٍ عنيفةٍ مُفاجئة ومُبَالَغ فيها. حين تنكشف جُذور غَضَبِه الدائم؛ يدرك أنه عانى الاضطهادَ في الصغر، فيسعى للعثور على مَن اضطهده ويُخرج غَضَبَه المُدَّخر ليتغيَّر مَسارَ حياته رويدًا.
***
عادة ما يُسألُ الغاضبُ عن أسبابِ غَضبِه، أما في الشِعرِ فيُسألُ المَرءُ عن سِرّ اختفاءِ غَضبِه. يقول محمود درويش:
الصوتُ في شفتيكَ لا يُطربْ
والنار في رئتيكَ لا تُغلبْ
وأبو أبيك على حذاء مُهاجرٍ يُصلبْ
وشفاهُها تعطي سواكَ، ونهدُها يُحلبْ
فعلام لا تغضبْ ؟

بسمة عبد العزيز طبيبة وكاتبة
التعليقات