الخميس 21 يونيو 2018 9:02 ص القاهرة القاهرة 30.7°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد الإعلان عن أسعار الكهرباء الجديدة.. كيف تراها؟

ما بين الصحفى والسلطة (٢) روائح السوفييت القديمة

نشر فى : الأحد 13 يناير 2013 - 8:55 ص | آخر تحديث : الأحد 13 يناير 2013 - 8:55 ص

لم أكن أظن أن إشكالية العلاقة ما بين الصحافة والسلطة، فى عصر ما بعد ثورة شعبية، وضعت «الحرية» بين مطالبها الثلاثة، يحتاج أكثر من مقال واحد. إلا أن نقاشا وتعليقات على مواقع التواصل الاجتماعى حول مقال الأحد الماضى، فضلا عما بدا «ضجرا» واستقواء بقوانين تحتاج مراجعة، جعلتنى أعود الى الملف لأضع على هامشه عددا من الملحوظات:

 

1ــ إن الاتهامات بالتجاوز أو بعدم دقة المعلومات أو باستخدام لغة غير لائقة، هى صحيحة فى كثير من الأحيان. ولكن صحيح أيضا أن الاتهامات تطال الجميع، بما فيها من وسائل إعلام وصحف محسوبة على النظام الحاكم وجماعته ومؤيديه. وذلك أن الأسباب واحدة هنا وهناك. وأن الأدواء أيضا واحدة هنا وهناك.

 

2ــ إن كل من شاء حظه أن يعمل فى هذه المهنة، فى هذه الظروف، يدرك مشكلة توافر المعلومات والبيانات الصحيحة، فى مجتمع لا يعرف مسئولوه أن «الشفافية هى عنوان المجتمعات الحديثة». وفى مناخ تغيب فيه «عمدا أو درءا للمشاكل» المعلومة الصحيحة، تنتشر بالضرورة التكهنات والشائعات، وما تقود اليه من أخبار تعوزها الدقة والتوثيق. وربما آخر مثال واضح على هذا، ما جرى بشأن استبعاد لوزير الداخلية السابق من التشكيل الوزارى الأخير. فرغم كل ماقيل «على الجانبين» من أسباب «متباينة ومتناقضة»، لم نسمع توضيحا رسميا للأمر «نفيا أو إثباتا» لأى من تلك الروايات. وما يقتضيه طبعا من إحالة الأمر الى التحقيق إن كان هناك ما يستوجب ذلك. ويتصل بذلك ما قيل من «روايات» عن واقعة الاتحادية؛ من اجتماعات تم رصدها.. إلى مخططات للاقتحام أو «الاختطاف». وكلها «رسميا» لم تتجاوز مرحلة «الروايات المرسلة» كما يقول التعبير القانونى الى مرحلة تحقيق مستقل يستند الى أدلة معلنة وإثباتات موثقة. فهل من العدل أن نوجه أصابع الاتهام الى «الصحافة» التى تتناول مثل تلك «الروايات» مسايرة، أو معارضة.

 

3ــ إن بعض الأخبار التى يتم رسميا «تكذيبها»، تثبت الأيام بعد ذلك صحتها. (راجع مثلا ما نشرته «الشروق» قبل أسابيع عن استقالة نائب الرئيس).

 

4ــ إن الإعلام هو فى نهاية المطاف «ابن لمجتمعه». وأن الإعلاميين هم خريجو هذه المدارس، وأبناء هذه الثقافة. وهى ثقافة للأسف لا تحترم الأرقام، ولا تجد غضاضة فى التهويل والمبالغة. يتساوى فى ذلك المسئول الذى يدلى بتصريحات تعتمد على أرقام تعوزها الدقة، والصحفى الذى لا يكلف نفسه جهد البحث والتنقيب تدقيقا لخبر أو توثيقا لرقم فى قصته الصحفية.

 

5ــ إن الإعلام «جديده وقديمه» والذى يعتبره البعض اليوم «المتهم الأوحد»، كان هو الذى مهد الطريق لسنوات لثورة الشباب فى ٢٥ يناير ٢٠١١، فالصحافة هى التى نشرت شهادة المستشارة نهى الزينى عن التزوير الفاضح للانتخابات (٢٠٠٥). وهى التى كشفت عن تجاوزات أجهزة الأمن والتعذيب داخل الأقسام (حادثة عماد الكبير / جريدة «الفجر»)، وهى التى أطلعتنا على جريمة المبيدات المسرطنة (جريدة «الشعب»)، كما ليس من العدل أن ننسى الدور الذى لعبته جريدة «العربى الناصرى» أيام عبد الحليم قنديل وعبد الله السناوى فى الكشف بإلحاح عن مخططات التوريث المباركية. ثم وبعد ذلك كله دور الإعلام الجديد ومواقع التواصل الاجتماعى (كلنا خالد سعيد) فى إشعال الفتيل، والحشد وتنظيم الصفوف، فى تجربة أخذت مكانها فى مناهج التدريس فى أقسام الإعلام فى أكثر من جامعة.

 

6ــ إن المعنيين بالإعلام «تنظيما وتقنينا» عليهم أن يدركوا أولا أن حقائق العصر لم تعد تسمح بالتفكير فى «حجب أو منع». فسحب ترخيص قناة ما، لن يمنعها من أن تبث فى اليوم التالى من قبرص أو غيرها. كما أن محاولة حجب مواقع على الانترنت، هى محاولة «مع تكلفتها العالية» يعلم المتخصصون كم هى فاشلة.

 

7ــ إن من يصنع السلاح، ويضعه على الطاولة، لا يضمن من سيستخدمه فعليا اليوم أو غدا. ولعلنا نتذكر أن التنكيل بجريدة «الشعب» / عادل أحمد حسين، وحزب «العمل الاشتراكى» / المجاهد إبراهيم شكرى، جرى تحت اللافتة نفسها التى يجرى الترويج لها اليوم: «التحريض، وإثارة الفتنة، وتهديد السلم الاجتماعى». رغم أن السبب الحقيقى ويا للمفارقة أن الجريدة يومها كانت قد فتحت صفحاتها لرموز من «الإخوان المسلمين».. ولكن «آفة حارتنا النسيان» كما يقول راحلنا، الذى لا نعرف ماذا كان سيقول عنا اليوم: نجيب محفوظ.

 

•••

 

وبعد… يعرف الدارسون أن تاريخ الإعلام فى النصف الثانى من القرن العشرين يعرف مدرستين ــ اتجاهين ــ متباينتين لدور الإعلام فى مجتمعات ماب عد الحرب. كان هناك من اعتقد أن الإعلام الوطنى ينبغى أن يكون «تربويا وتعبويا» وأن دوره يتلخص فى خدمة الدولة / الحزب ومساعدتها فى تحقيق أهدافها «السامية». وكان هذا فى حينه خيار الاتحاد السوفييتى ومن نهج نهجه «بغض النظر عن الأيديولوجيا». ووقتها كان بناء الأسوار الحديدية متاحا، وانتعشت تقنيات «التشويش» على الإذاعات الوافدة، وزادت فى المطارات أعداد موظفى «الرقابة» المتخصصين فى قراءة «ما بين سطور» الكتب والمنشورات والصحف المختبئة بين طيات ملابس المسافرين. ويعرف مثقفو هذا الزمان كيف كانت دول عربية عدة، تعادى ومازالت «روائح السوفييت القديمة» قد أثبتت تفوقها فى هذا المضمار.

 

على الناحية الأخرى، كانت هناك مدرسة مغايرة، ترسخت مفاهيمها تحديدا بعد أن نفضت عن كاهلها «الثقافى» غبار «المكارثية» الكريه. واتجهت هذه المدرسة الى اعتبار الإعلام «مراقِبا» للدولة ومؤسساتها. ومحاسبِا لرموزها. ومحقِقا «بمعارضته» التوازن المطلوب فى المجتمع.

 

مدرستان ومفهومان فصل بينهما «جدار برلين».. والنتيجة فى نهاية المطاف معروفة. سقط الجدار؛ بكل ما يعنيه ذلك «رمزا» من هزيمة لإحدى المدرستين. ودخل العالم قرنا جديدا، تحكمه قواعد جديدة، لا علاقة لها بعالم نابليون أو مونتجمرى أو ستالين وبالتأكيد بعالم «محمد الفاتح». قواعد جديدة أهمها على الإطلاق ما عرف «بثورة الاتصالات» والانترنت والفضاء المفتوح. وأصبحت «الرقابة.. والتشويش» من ذكريات الماضى، وكان طبيعيا عندما يجرى استدعاؤها فى غير زمانها ألا تفلح فى الحيلولة دون أن يلاقى معمر القذافى مصيره. كما كان طبيعيا ألا تفلح فى أن تمنع الملايين من مشاهدة لحظة اعدام صدام حسين (رغم عدم علانية تنفيذ الحكم) أو حتى متابعة خطب بن لادن، قبل أن يرحل عن عالمنا.

 

•••

 

الخلاصة بلا تنقيح ولا مواربة لمن يريدون أن يشهروا فى وجه الصحافة سيوفا قديمة «صدئة» تحمل عناوين لا يليق بنا أن نستعيدها فى زمن نبنى فيه دولة حديثة من قبيل «التحريض.. وإثارة الجماهير.. وتكدير السلم العام.. وإهانة مؤسسات الدولة...إلخ»، أرجوكم لا تُذكرونا بما شاركتم معنا فى تسميته أيام السادات «بالقوانين سيئة السمعة».

 

يا سادة.. نحن إن كنتم قد نسيتم فى العقد الثانى من القرن الواحد والعشرين. وإن كنتم لا تعرفون، فهذا هو زمن google Earth فأرجوكم انزعوا لافتات «ممنوع الاقتراب أو التصوير»

أيمن الصياد  كاتب صحفى
التعليقات