كيف نكسب الرأى العام الغربى؟ - مصطفى كامل السيد - بوابة الشروق
الإثنين 8 مارس 2021 2:34 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد سن قانون يلزم بتحديد النسل لحل مشكلة الزيادة السكانية؟

كيف نكسب الرأى العام الغربى؟

نشر فى : الإثنين 13 أكتوبر 2014 - 8:30 ص | آخر تحديث : الإثنين 13 أكتوبر 2014 - 8:30 ص

انشغلت العديد من صحفنا الأسبوع الماضى بالتعليق على مقال كتبه مجلس تحرير صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، واستدعت بعض قادة الأحزاب السياسية لإبداء آرائهم فيما جاء فى هذا المقال، وكانت كل ردود الأفعال هذه غاضبة ومستنكرة لما جاء فيه من دعوة الإدارة الأمريكية إلى عدم اعتبار المعونة العسكرية الأمريكية حقا مطلقا لحكومة الرئيس السيسى تحصل عليه أيا كانت ممارساتها فى مصر، وخصوصا نحو ما تعتبره الصحيفة قضايا حقوق إنسان. وذكرنى هذا الموقف من إعلامنا بما قوبل به تقرير منظمة مراقبة حقوق الإنسان حول فض اعتصامى رابعة العدوية والنهضة من استنكار بالغ لما جاء فى هذا التقرير.

ومن المألوف أن تقابل مواقف القادة الأوروبيين، خصوصا البرلمان الأوروبى، حول نفس القضايا بهذا الازدراء والرفض. بل وصل الأمر إلى حد قيام رئيسة المجلس القومى للمرأة وهى سفيرة مرموقة ووزيرة سابقة بطرد ممثل لبعثة من الاتحاد الأوروبى من مؤتمر كانت ترأسه رفضا لملاحظات أبداها حول الانتخابات الرئاسية الأخيرة. كل هذه المواقف تشير إلى أن هناك أزمة فى علاقتنا على الأقل بالرأى العام الغربى. أبسط التعبيرات عن هذه الأزمة الاعتقاد بأن الغربيين لا يفهموننا، ولكن تعبيرات أخرى منها القول بأن الغرب كله أو فى معظمه يتآمر علينا ولا يريد لنا خيرا.

ولكن الذين يتخذون هذه المواقف لا يشرحون لنا كيف يمكن أن نعالج هذه المواقف؟ وربما كان أفضل ما خرج منهم هو دعوة الشخصيات المصرية، التى تحظى بالاحترام فى الغرب مثل الأستاذ محمد حسنين هيكل والدكتور أحمد زويل والدكتور مصطفى السيد (عالم الكيمياء الشهير) للكتابة فى الصحف الأمريكية تحديدا لتوضيح واقع الأحوال فى مصر. وبطبيعة الحال لا أعرف ما إذا كانت هذه الشخصيات قبلت هذه الفكرة، كما لا أقلل من براعتها فى عرض الحجج، ولكن مثل هذه الاقتراحات تفترض أن الإعلام والمسئولين الغربيين لا يفهمون واقعنا. وأظن أن الخلاف فى الرؤى لا يعكس فى هذه الحالة نقصا فى المعلومات، فى عصر نسميه بعصر المعلومات، ولكنه انعكاس لبنيات فكرية متناقضة ولأطر من القيم تختلف ليس بيننا والعالم الغربى فى الوقت الحاضر ولكنه يكاد يعكس خلافا بيننا والعالم بأسره مع استثناءات محدودة فى بعض الدول العربية ودول أخرى لم تزحف الديمقراطية بعد على نظمها السياسية البالية. طبعا يمكن أن نقول إن المختلفين معنا فى الرأى لا يهموننا، ونحن سنمضى فى حياتنا كما اخترناها قبلوا ذلك أو أبوا. لا أعرف ما إذا كان يمكننا ذلك، وأظن أنه مستحيل لأننا نعتمد على هذا العالم الخارجى فى الحصول على غذائنا وتكنولوجياتنا ودوائنا وأسلحتنا، ولذلك يجب أن نسعى على الأقل لفهم هذا الخلاف فى البنى الفكرية بيننا وبينه.

•••

لا أظن أن هناك نقصا فى المعلومات لدى الجانب الآخر، فلديه ما يفوق ما نملكه نحن من أدوات جمع المعلومات سواء كانت علنية أو محفوفة بالكتمان، هم يعرفون بما جرى فى مصر منذ 3 يوليو 2013، ويعرفون بما جرى فى رابعة وميدان النهضة، ويعرفون بخارطة المستقبل والانتخابات الرئاسية، ويعرفون بالمواجهة بين من يقولون إنهم إسلاميون وقوات الأمن من شرطة وجيش، ويعرفون أيضا بمن هم فى غياهب السجون من نشطاء وصحفيين وطلاب. نحن أيضا نعرف كل ذلك. الخلاف هو فى تفسير المعلومات وليس فى امتلاك طرف للمعلومات وغيابها عند الطرف الآخر. فهل تفسيرهم مغلوط لأنهم موتورون وحاقدون أو مضللون، أو لأننا بسلوكنا ساعدناهم على أن يتبنوا التفسير الذى لا يروق لنا؟

فلنأخذ عدة أمثلة توضح كيف ساعدنا على وجود هذه التفسيرات المتناقضة. هم يقولون إن مصر تعيش فى ظل نظام عسكرى. ونحن نرد عليهم بأن الرئيس السيسى قد انتخبته أغلبية ساحقة من المصريين، وهو ما أوافق عليه. ولكن لماذا جعلنا الانتخابات الرئاسية تجرى كشأنها فى النظم الديكتاتورية؟. هل سمحنا بتعدد المرشحين للرئاسة على نحو يعزز من مصداقيتها؟ لماذا مورست ضغوط من أنصار المرشح السيسى على بعض من كانوا يريدون الترشح حتى انسحبوا. ولعلنا نذكر تلك الصورة لواحد ممن يدعون فى الصحافة والقنوات التليفزيونية أنه يناصر الرئيس السيسى وكيف وقف إلى جانب شخصية عسكرية سابقة وهو يعلن انسحابه من الإنتخابات الرئاسية؟ وهل تركنا لمن كانوا لا يريدون انتخاب السيسى من حزب مصر القوية الفرصة لوضع ملصقات تعبر عن وجهة نظرهم؟ أم قامت الشرطة بسجنهم بتهمة التآمر على نظام حكم لم يكن قد تشكل بعد؟. ثم لماذا يصر من بيدهم الأمر فى بلدنا على المماطلة فى الموافقة على تقسيم الدوائر الانتخابية وتحديد موعد للانتخابات ويتركون الحكومة تمارس السلطة التشريعية إلى جانب السلطة التنفيذية وبمخالفة الدستور فى حالات عديدة؟ هل بعد هذا كله نلوم كتاب الصحف فى الغرب وشخصيات حزبية فى أوروبا والولايات المتحدة تصف نظامنا السياسى فى الوقت الحاضر بأنه غير ديمقراطى. وهل واجهناهم ببناء حقائق على الأرض تنقض هذا الادعاء؟

خذ مثلا آخر وهو قضية حقوق الإنسان فى بلادنا. أعرف أن البعض يستفزهم الحديث عن حقوق الإنسان، وقال كاتب أحترمه أن حقوق الإنسان هى أداة الدول الكبرى فى السيطرة على الدول الضعيفة، قد يكون ذلك صحيحا ولكن لا يمكن اختزال حقوق الإنسان فى ذلك. فى محافل أخرى نتفاخر بأننا عرفنا حقوق الإنسان قبل الغرب بقرون. ويجب أن ندرك أن أعظم منجزات الإنسانية منذ ستينات القرن العشرين هى الإقرار بأن حقوق الإنسان هى ميراث مشترك لكل البشر، وأن حكوماتنا حتى فى أحلك الظروف قد صدقت على مواثيق حقوق الإنسان فى الأمم المتحدة والتزمت بتطبيقها. ولكن ماذا فعلنا أمام الاتهامات المتكررة بأن هناك انتهاكات لحقوق الإنسان فى مصر؟ هل صدر بيان واحد من وزارة الداخلية يقول لنا ما هو عدد من فى السجون فى مصر لأسباب سياسية؟ بل وأمام شهادات عديدة بأن كثيرين فى السجون لم توجه لهم اتهامات ومع ذلك هم مازالوا مسجونين ولا نعرف أعدادهم. وقد دعا ذلك الرئيس المؤقت إلى أن يأمر بزيادة عدد الدوائر القضائية لتصفية حالاتهم. هل حدث ذلك؟ وما هى الأعداد المتبقية فى السجون؟ وتشمل حقوق الإنسان وفقا ليس لمواثيق حقوق الإنسان وحدها ولكن حتى وفقا للدستور المعدل فى 2014 بأن التجمع السلمى حق أساسى للمواطنين يمارس بموجب الإخطار ومع ذلك هناك هذه الحالات المعروفة وغيرها وبعضها مضرب عن الطعام لشهور حكم عليهم بفترات تتراوح من ثلاث سنوات إلى خمس عشرة سنة لانتهاكهم قانونا غير دستورى حول تنظيم التظاهر. ماذا فعلنا لتغيير هذا القانون؟ ولماذا نتجاهل هؤلاء الشباب الذى ضرب أمام العالم مثلا يجب أن نفخر به فى التظاهر السلمى لإسقاط حاكم مستبد؟

•••

كما يسهب هؤلاء المعلقون الأجانب فى الحديث عن غياب محاكمات عادلة فى مصر. لن أفصل كثيرا فى هذا الموضوع لأسباب معروفة لا أظن أن لها مثيلا فى الدول الديمقراطية. ولكن لماذا لا يتمتع رؤساؤنا السابقون بنفس المعاملة أمام القضاء حتى نوقف مثل هذه الادعاءات؟. ولمن لا يعرفنى من القراء لم أكن لا من أنصار محمد حسنى مبارك أو محمد مرسى أيا منهما رئيسا لمصر، ولكن أظن أن قواعد المحاكمة العادلة تنطبق على الجميع رؤساء وغير رؤساء، مواطنين عاديين أو نشطاء سياسيين. والتصوير الشائع للعدالة أنها معصوبة العينين، لا تعرف كيف تميز بين من يقف فى محرابها.

هذه مجرد أمثلة بسيطة توضح كيف يمكن أن نرد على ما نعتبره ادعاءات مغرضة وذلك بانتهاج السلوك الذى يدحض على أرض الواقع هذه الادعاءات. وهو أمر سهل لو خلصت النوايا.

مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
التعليقات