اليابان بعد عام من حكم تاكايتشى - ابتهال أحمد - بوابة الشروق
الأربعاء 14 أكتوبر 2026 11:56 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد اعتراض نادي الزمالك على التحكيم في القمة الـ133 ؟

اليابان بعد عام من حكم تاكايتشى

نشر فى : الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 10:40 م | آخر تحديث : الأربعاء 14 أكتوبر 2026 - 10:40 م

يشهد أكتوبر 2026 مرور عام على تولى ساناى تاكايتشى رئاسة وزراء اليابان، وهى سنة اتسمت بتحولات لافتة فى المشهد السياسى اليابانى؛ إذ حققت تاكايتشى خلالها انتصارًا تاريخيًا فى انتخابات مبكرة، ودفعت بسياسات أكثر جرأة على المستويين الاقتصادى والأمنى.

• • •
بدأت تاكايتشى ولايتها كأول امرأة تتولى رئاسة الوزراء فى اليابان فى ظل تحد سياسى واضح، تمثل فى قيادتها حكومة أقلية، بعد أن تزامن صعودها إلى المنصب مع انتهاء التحالف التاريخى بين الحزب الليبرالى الديمقراطى وحزب كوميتو، والذى استمر لقرابة 26 عامًا. ليتجه الحزب الليبرالى الديمقراطى بعد ذلك إلى التحالف مع حزب الابتكار اليابانى اليمينى، والأقرب إلى توجهات تاكايتشى فى عدد من القضايا، من بينها الدفاع والإصلاح الدستورى.
وفى يناير 2026، اتخذت تاكايتشى قرارًا بالغ الأهمية بحل مجلس النواب والدعوة إلى انتخابات مبكرة فى 8 فبراير من العام نفسه، لتنجح بعدها فى تحقيق فوز انتخابى ساحق عزز موقع حكومتها؛ فقد حصد الحزب الليبرالى 316 مقعدًا، وحصد شريكه، حزب الابتكار اليابانى، 36 مقعدًا، لترتفع حصيلة الائتلاف إلى 351 مقعدًا فى البرلمان المؤلف من 465 مقعدًا، لتحقق تاكايتشى بذلك أغلبية كبيرة تمنحها تفويضًا قويًا للمضى قدمًا فى أجندتها.
وبذلك، استفادت تاكايتشى من شعبيتها المرتفعة فى استطلاعات الرأى، وقادت حزبها إلى تحقيق أكبر انتصار انتخابى له منذ تأسيسه قبل نحو 70 عامًا، فى نتيجة عززت التحول نحو اليمين فى السياسة اليابانية، وقلّصت القيود التى كانت تحد من قدرة الحزب على تمرير أجندته.
• • •
تعد من أبرز المجالات التى شهدت تحولًا واضحًا خلال العام الأول من ولاية تاكايتشى، هما المجالان الأمنى والعسكرى؛ إذ تولت تاكايتشى منصبها فى ظل بيئة إقليمية متوترة، بفعل تصاعد التنافس مع الصين، لا سيما على خلفية ملف تايوان، إلى جانب الضغوط الأمريكية المتزايدة على طوكيو لتحمل قدر أكبر من أعباء الدفاع وتعزيز قدراتها العسكرية. وفى هذا السياق، تبنت حكومة تاكايتشى اتجاهًا واضحًا نحو بناء سياسة أمنية أكثر نشاطًا واستقلالية، تقوم على الجمع بين زيادة القدرات العسكرية، وتطوير الصناعات الدفاعية، وإعادة صياغة العقيدة الأمنية، وتعزيز البنية الاستخباراتية، وإعادة النظر فى القيود التقليدية التى حكمت السياسة الدفاعية للبلاد لعقود.
وقد أتى فى مقدمة هذه التحولات الموافقة على ميزانية دفاع قياسية لعام 2026 بلغت نحو 58 مليار دولار، بزيادة قدرها 9.4% مقارنة بعام 2025، فى إطار برنامج يمتد لخمس سنوات ويستهدف رفع الإنفاق العسكرى إلى نحو 2% من الناتج المحلى الإجمالى. ويمثل الوصول إلى هذا المستوى تحولًا مهمًا فى السياسة اليابانية، إذ يقترب من ضعف السقف الذى ظل يحكم الإنفاق الدفاعى لفترات طويلة خلال حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
وبالتوازى مع زيادة الإنفاق الدفاعى، اتجهت حكومة تاكايتشى إلى تخفيف القيود على صادرات السلاح، ورفع عدد من القيود المفروضة على تصدير المعدات الدفاعية، بما سمح بتوسيع نطاق تصدير الأسلحة إلى 17 دولة من بينها الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا والهند. وهو قرار بررته الحكومة بتصاعد التحديات الأمنية فى الإقليم، لا سيما مع تنامى القدرات العسكرية الصينية واستمرار التهديدات الصاروخية من كوريا الشمالية، ورغبتها فى تعزيز اندماجها فى سلاسل التوريد الدفاعية وتوسيع الشراكات العسكرية. ويعكس القرار رغبة حكومة تاكايتشى فى جعل اليابان شريكاً أمنيًا أكثر نشاطًا، بدلًا من الاعتماد بصورة أساسية على الحماية الأمريكية.
وفى السياق ذاته، شرعت حكومة تاكايتشى فى مراجعة الوثائق الثلاث الرئيسية التى تحدد الإطار الاستراتيجى للسياسة الأمنية والدفاعية للبلاد؛ وهى استراتيجية الأمن القومى، واستراتيجية الدفاع الوطنى، وبرنامج بناء القدرات الدفاعية. ومن المقرر استكمال هذه المراجعة بنهاية عام 2026، وسط توقعات بأن تتجه إلى توسيع قدرات الضربات بعيدة المدى، وتعزيز القاعدة البشرية والصناعية والتكنولوجية لقطاع الدفاع، فضلًا عن تعميق التكامل العملياتى مع الولايات المتحدة وغيرها من الشركاء، ما يعكس محاولة تاكايتشى الانتقال من نموذج يركز على حماية الأراضى اليابانية إلى بناء قدرة أوسع على الردع والتعامل مع الصراعات الممتدة والتهديدات الجديدة.
ولم يقتصر هذا التحول على القدرات العسكرية، وإنما امتد إلى إعادة هيكلة منظومة الاستخبارات اليابانية؛ حيث أنشأت حكومة تاكايتشى مجلس الاستخبارات الوطنى بهدف الحد من تشتت العمل الاستخباراتى بين المؤسسات المختلفة، وتحسين تدفق المعلومات إلى مكتب رئيس الوزراء، بما يدعم اتخاذ القرارات الأمنية بصورة أسرع وأكثر مركزية، فضلًا عن تعزيز التعاون الاستخباراتى مع الحلفاء ورفع مستوى الثقة فى قدرة اليابان على حماية المعلومات الحساسة وتبادلها. ومع ذلك، لا تزال عملية إصلاح المنظومة الاستخباراتية فى مراحلها الأولى، إذ لا تزال اليابان فى حاجة إلى تطوير قدرات أكثر تكاملًا فى مجال الاستخبارات، إلى جانب إقرار إطار قانونى أكثر صرامة لمواجهة التجسس وتسريب المعلومات الحساسة.
• • •
وبينما جاءت تاكايتشى إلى الحكومة حاملة أجندة طموحة، فإن أبرز ما واجهته من تحديات تمثل فى الجانب الاقتصادي؛ إذ تولت تاكايتشى رئاسة الحكومة فى وقت كان فيه الاقتصاد اليابانى يواجه ضغوطات، أبرزها ارتفاع تكلفة المعيشة، والتضخم، وضعف نمو الأجور، وتراجع قيمة الين، إلى جانب عبء الدين العام الكبير. ومن ثم، هدفت تاكايتشى إلى إنعاش الاقتصاد وتحسين القوة الشرائية للأسر، وتبنت سياسة تقوم على زيادة الإنفاق والاستثمار الحكومى، وخفض الضرائب، ودعم أسعار الوقود، إلى جانب توجيه استثمارات إلى 17 قطاعًا استراتيجيًا، من بينها الذكاء الاصطناعى وأشباه الموصلات وبناء السفن والتكنولوجيا الحيوية والدفاع، بهدف تعزيز قدرة الاقتصاد اليابانى على النمو والمنافسة وتقليل اعتماده على الخارج فى القطاعات الحيوية.
إلا أن تحقيق تلك الأهداف واجه العديد من القيود، فقد أدى ارتفاع عوائد السندات وأسعار الفائدة إلى زيادة تكلفة الاقتراض، وأثار مخاوف بشأن قدرة الحكومة على مواصلة الإنفاق فى ظل الدين العام المرتفع أصلًا. وفى الوقت نفسه، ظهرت تحديات لم تكن ضمن الحسابات عند وضع البرنامج الاقتصادى. فقد أدت أزمة الشرق الأوسط واضطراب حركة الملاحة فى مضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار الطاقة، وهو ما مثل ضغطًا على اليابان مع اعتمادها بدرجة كبيرة على واردات الطاقة.
وبذلك، وجدت حكومة تاكايتشى نفسها بعد عام أمام معادلة أصعب من تلك التى بدأت بها، وهى الاستمرار فى دعم الأسر والاستثمار فى القطاعات الاستراتيجية من دون زيادة التضخم أو إضعاف المالية العامة. ومن ثم، انتقلت سياستها الاقتصادية تدريجيًا من التركيز على تحفيز النمو إلى محاولة تحقيق توازن أكثر صعوبة بين النمو، والسيطرة على الأسعار، والحفاظ على استدامة الدين العام.
وإلى جانب التضخم، واجهت حكومة تاكايتشى تحديًا هيكليًا آخر تمثل فى نقص العمالة الناتج عن شيخوخة السكان. وفى محاولة للتعامل مع هذه المشكلة، أطلقت الحكومة "الخطة الأساسية للذكاء الاصطناعى"، التى تستهدف تسريع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعى فى سوق العمل والقطاعات الإنتاجية، بما يساعد فى تعويض جزء من نقص العمالة ورفع الإنتاجية، إلا أن هذا التوجه يطرح بدوره تحديات جديدة، لا سيما مع تركز معظم قوة العمل اليابانية فى قطاع الخدمات، بما فى ذلك مجالات الصحة والرعاية والاتصالات والخدمات المهنية، وهى قطاعات لا يزال من الصعب إحلال الذكاء الاصطناعى محل العمال فيها على نطاق واسع فى الأجل القصير.
• • •
بعد عام من ولاية تاكايتشى، تشير بعض الاستطلاعات إلى تراجع نسب التأييد لها من نحو 65% عند تشكيلها الحكومة إلى حوالى 45%. وبالرغم من أن نسبة التأييد لا تزال مرتفعة، إلا أن تعرض اليابان إلى صدمات اقتصادية أو أى أزمات أخرى قد تؤدى إلى تراجع التأييد الشعبى للحكومة.
وتجدر الإشارة إلى أن عام تاكايتشى الثانى من المرجح أن يمثل اختبارًا لمدى قدرة حكومتها على الانتقال من مرحلة طرح السياسات والوعود إلى مرحلة التنفيذ الفعلى. فعلى الصعيد الاقتصادى، سيكون أحد أبرز الاختبارات مدى قدرتها على توفير مصادر التمويل اللازمة لتنفيذ تعهداتها. وتجدر الإشارة إلى قيام الحكومة بالإعلان بالفعل عن إعادة مراجعة بنود الإنفاق بهدف البحث عن مصادر تمويل لتنفيذ الوعود السياسية التى طرحتها تاكايتشى. كما سيختبر العام الثانى قدرة الحكومة على تحويل الاستراتيجيات الأمنية والدفاعية التى أطلقتها إلى قدرات فعلية على الأرض، سواء فيما يتعلق بتعزيز التصنيع، وزيادة التصدير، وتطوير القدرات الاستخباراتية. وعلى الصعيد الخارجى، ستواجه تاكايتشى كذلك تحديًا يتمثل فى إدارة الخلافات المتصاعدة مع الصين، وإدارة العلاقات مع واشنطن فى ظل الطبيعة المتقلبة لترامب.
وبالتالى، فإن العام الثانى لتاكايشى سيعد أكثر أهمية، إذ سيكشف مدى قدرة حكومتها على تحويل الطموحات السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية إلى نتائج ملموسة، وذلك فى ظل بيئية إقليمية ودولية غير مستقرة.

 

باحثة فى السياسة الدولية

 

ابتهال أحمد باحثة في السياسة الدولية
التعليقات