هل ستنتقل مصر من المرحلة الانتقالية؟ وما هو الثمـن؟ - مصطفى كامل السيد - بوابة الشروق
السبت 11 يوليه 2020 12:39 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

هل ستنتقل مصر من المرحلة الانتقالية؟ وما هو الثمـن؟

نشر فى : الإثنين 16 أبريل 2012 - 8:00 ص | آخر تحديث : الإثنين 16 أبريل 2012 - 8:00 ص

ليس هناك شك فى أن الثورة المصرية تمر الآن بأخطر مراحلها، فليس التهديد الذى يواجهها فى الوقت الحاضر هو فقط تأجيل وضع الدستور، أو هو إرجاء الانتخابات الرئاسية بضعة أسابيع، ولكن التهديد الحقيقى هو ببساطة عدم استكمال الثورة ذاتها لأن بعض المرشحين للرئاسة إما أنهم يرون مثلهم الأعلى الرئيس السابق حسنى مبارك، ومن ثم فوصولهم للسلطة يعنى استمرار نفس السياسات التى كانت سببا فى قيام الثورة، كما أن البعض الآخر يدعو لإقصاء بعض أبناء الوطن الذين يختلفون معهم دينيا أو سياسيا، وهذا يعنى بدوره أن يبقى فى الوطن فقط من يشاركون هؤلاء المرشحين رؤيتهم لمن هو المصرى الأصيل الذى لن يكون ليبراليا أو يساريا أو يمينيا أو قبطيا، ومع الترحيب بالديمقراطية على لسان معظم المرشحين، إلا أن أحد المرشحين البارزين خرج بفكرة هيئة أهل الحل والعقد التى تكون رقيبا على السلطة التشريعية المنتخبة، وهو ما يعنى ترجمة مصرية لفكرة ولاية الفقيه، وهكذا فالخطر على الثورة لا يأتى فقط من الفلول، ولكنه يأتى أيضا من قادة من نظموا يوم الجمعة الماضى مليونية حملت اسم حماية الثورة.

 

لا يبدو أن الطريق للخروج من هذه التهديدات أمر سهل، فالخلافات هنا خلافات جوهرية، تتعلق بالهدف النهائى الذى يراه كل فريق على الساحة السياسية باعثا أساسيا لانشغاله بالسياسة، واستعداده لخوض السباق على الجائزة الكبرى، وهى تولى منصب رئيس الدولة فى مصر المحروسة، ولكن ربما تتجلى بعض علامات الخروج من هذا المأزق التاريخى لو نجحنا فى تحديد نقاط الخلاف الجوهرية، وحصرنا تلك القضايا التى تستلزم أن يتنازل عنها فريق أو آخر وصولا إلى الحل الوسط الذى بدونه لن يمكن تصفية الاحتقان السياسى الذى مازال فى طوره السلمى حتى الآن، ولكن ليس من المبالغة الخشية أن يتحول هذا الاحتقان إلى صراع سيسعى فيه كل طرف، أو أحد الأطراف على الأقل، إلى إلغاء وجود طرف آخر تنظيميا أو حتى بوضعه وراء غياهب السجون.

 

تطورات الأسبوع الماضى بما فى ذلك حكم محكمة القضاء الإدارى ببطلان تشكيل الجمعية التأسيسية، ومليونية الجمعة، وترشح نائب رئيس الجمهورية السابق لمنصب الرئيس بمساندة خفية حسب اعتقاد الكثيرين من قيادات القوات المسلحة رغم نفى لم ينجح فى تبديد هذه الشكوك، هذه التطورات أكدت أنه لا يمكن لأى من الأطراف الثلاثة التى انتسبت لثورة يناير أن يقصى أيا من الطرفين الآخرين، لكل من هذه الأطراف وهى القوى الإسلامية والقوات المسلحة والقوى المدنية، أوراقها التى تمكنها من إبطال مخططات القوتين الأخريين، ولكن أيا منها لا يستطيع إقصاء أى منهما، القوى الإسلامية تملك الحشد الجماهيرى، والقوات المسلحة تملك سلطة الدولة، والقوى المدنية تملك بعض الحشد وسلاح القانون، وكل من هذه الأوراق اثبت فعاليته، ولكن لا يملك أى من هذه القوى احتكار كل هذه الأوراق.

 

 

قضايا الخلاف

 

قضايا الخلاف عديدة بين هذه القوى، ولكن بعضها مستتر، لا يريد كل فريق أن يصرح به، ولكنها هى الخط الأحمر الذى يتشبث كل طرف به، ويستعد للدفاع عنه حتى لو استلزم الأمر الدخول فى صراع ممتد مع الطرفين الآخرين مستخدما كل ما لديه من سلاح، بالمعنى الرمزى، بل والحقيقى، للأسف الشديد.

 

أولى هذه القضايا هى استمرار الثورة، وبدون مواربة يريد الإسلاميون والقوى المدنية استمرار الثورة، وإن كان لكل منهما تفسيره لاستمرار الثورة، ولكنهما يريدان معا إسقاط النظام القديم بشخوصه وبسياساته، بينما لا نغالى إذا قلنا أن هذا الهدف يقتصر عند المجلس العسكرى على الإطاحة بحسنى مبارك وعائلته، ولكن مع الحرص على تجنب محاسبتهما حسابا حازما على ما اقترفوه هم وقيادات حكمهم فى حق الوطن من جرائم سياسية هى التى أدت إلى الثورة فى المحل الأول. وثانى هذه القضايا هى من له السيطرة على وضع دستور البلاد، يريد الإسلاميون أن تكون لهم اليد العليا فى وضع الدستور، بحكم أنهم لهم الأغلبية فيما جرى من انتخابات، وتريد القوى المدنية أن يكون الدستور نتاج حوار توافقى، ولا يهم المجلس الأعلى للقوات المسلحة من الدستور أمرا سوى الحفاظ على المصالح الاقتصادية لقادة القوات المسلحة التى نمت وترعرت خارج الإطار الرسمى للقوات المسلحة، وثالث هذه القضايا هى حدود المشاركة فى الانتخابات الرئاسية. المجلس الأعلى للقوات المسلحة يريدها معركة مفتوحة للجميع، بما فى ذلك قادة النظام السابق من العسكريين الذين لم تسبق إدانتهم قضائيا، لأنهم فى رأيه هم الأكثر حرصا على المصالح الاقتصادية لقادة المؤسسة العسكرية، ويريد الإسلاميون والقوى المدنية إقصاء من ارتبط بالنظام القديم المستمر، حتى يمكن لهدف الثورة الأساسى، وهو إسقاط هذا النظام، أن يتحقق.

 

 

قضايا الخط الأحمر

 

ولكن هناك فئة رابعة من قضايا الخلاف هى التى لا يريد أى طرف أن يتزحزح عنها، وهى التى تولد القضايا الأخرى. المجلس العسكرى لا يريد أن يتخلى عن إبقاء الأنشطة الاقتصادية للقوات المسلحة التى لا تتعلق بالأمن القومى، مثل إنتاج المياه المعدنية وتوزيع البنزين وغيرهما من الأنشطة الاقتصادية التى لا تشمل لا إنتاج السلاح ولا ما تقتضيه ضرورات الدفاع عن الوطن، خارج أى مساءلة، فهى بحسب تصريح لأحد قادته «من عرق القوات المسلحة»، وليس هناك فى أعراف أى دولة ديمقراطية ما يسمح ببقاء هذه الأنشطة وما تتيحه من إيرادات، وما يتمخض عنها من نفقات، وما استغلته من موارد عامة ملك هذا الشعب، خارج أى فحص ومساءلة من جانب نواب الشعب، والخط الأحمر بالنسبة للإسلاميين هو فى نهاية المطاف تطبيق الشريعة الإسلامية دون توضيح واتفاق بينهم على ما يقصدونه بتطبيق الشريعة الإسلامية. هل على الأخذ بالحدود؟ هل هى إقامة دولة الخلافة؟ هل هى الفصل بين الذكور والإناث فى الجامعات؟ وما هو الموقف من قضية المواطنة التى بدونها لا تقوم دولة حديثة؟ وهل سنعود إلى الشريعة الإسلامية فى البحث عن حلول لمشاكل المرور والطاقة وسعر العملة والنهوض بالصادرات. أما بالنسبة للقوى المدنية فإن الخط الأحمر بالنسبة لها هو احترام الحقوق المدنية والسياسية كما صدقت عليها مصر فى العهد الدولى لهذه الحقوق.

 

 

هل ثمة إمكانية لاتفاق؟

 

لا يصرح أى من الأطراف الثلاثة بأن هذه القضايا هى التى تحول دون وصوله إلى اتفاق مع الطرفين الأخرين، وهذا ما يجعل أى مصالحة أمرا مؤقتا، وما يؤدى إلى تجدد الخلاف عندما تعترض الأطراف الثلاثة مواقف يبدو أنها تؤثر على قدرتهم على الدفاع عن هذا الخط الأحمر. فهل يعنى ذلك أن نستسلم لاحتمال تفجر هذه الخلافات فى صورة صراع دموى، أو نقبل بتأجيل انهاء المرحلة الانتقالية لتفادى تصاعد هذا الخلاف؟

 

هناك احتمال آخر، وهو أن تترك هذه القوى بعض قضايا الخلاف الجوهرية التى لا يسهل حسمها الآن وتتفق على خطوات إجرائية فتقبل القوى المدنية مثلا بدور الدين فى تحديد الهوية الوطنية للمسلمين والمسيحيين فى مقابل اقتصار القوى الإسلامية على الحفاظ على المادة الثانية من دستور 1971 بصيغتها الأصلية، وربما بإضافة تسمح لغير المسلمين بالعودة إلى شرائعهم فى أحوالهم الشخصية وينطلقان معا للاتفاق على خطوات تشكيل الجمعية التأسيسية ووضع الدستور كوثيقة ديمقراطية يفخر بها جميع المصريين. وإذا ما اتحدت إرادة هاتين القوتين فسيكون بوسعهما وبأساليب الحشد الجماهيرى التى برعا فيها ايام الثورة الثمانية عشرة «إقناع» قيادة القوات المسلحة بأن إسقاط النظام يعنى التخلى عن تأييد شخوصه كرؤساء محتملين لمصر وقبول خضوع القوات المسلحة للقيادة المدنية المنتخبة، فبدون ذلك لا يكون النظام قد سقط ولا تكون هناك ديمقراطية.

 

هذا هو الاحتمال الوحيد الذى يمكن أن يجنب البلاد خطر حرب أهلية، ولكنه يقتضى تحمل المجلس الأعلى للقوات المسلحة لمسئوليته التاريخية بقيادة البلاد نحو حكم مدنى وديمقراطى، وفضلا على أن التأييد المستتر لقيادات عسكرية سابقة هو التفاف على هذا الهدف، فإن نجاح هذه القيادات مع استمرار عداء كل من القوى الإسلامية والمدنية لها ينذر بأن وصولها للسلطة هو بداية تحول ثورة يناير عن مسارها السلمى، فلن تقبل هذه القوى التعامل مع هذه القيادات بعد ثورة أطاحت بمن جاء بهذه القيادات العسكرية السابقة إلى صدارة المسرح السياسى. فهل سيرتفع المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى مستوى مسئوليته التاريخية وينأى بمصر عن هذا الخطر. هذا ما ستجيب عنه الأيام القادمة.

مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
التعليقات