سد النهضة.. ماذا بعد مجلس الأمن - معتمر أمين - بوابة الشروق
السبت 25 سبتمبر 2021 1:19 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد محاسبة الطبيب المتهم في واقعة فيديو «السجود للكلب»؟

سد النهضة.. ماذا بعد مجلس الأمن

نشر فى : الخميس 15 يوليه 2021 - 10:15 م | آخر تحديث : الخميس 15 يوليه 2021 - 10:15 م
غاب التوافق عن المشروع التونسى المقدم لمجلس الأمن لحل أزمة سد النهضة، ولذلك لم يتم التصويت عليه. ولحين كتابة هذه السطور، لم يكن هناك أى إعلان عن عمل تعديلات على المشروع التونسى بغرض طرحه للتصويت لاحقا. مما يرجح أن المجلس لا يريد إقحام نفسه فى مشاكل الأنهار العابرة للحدود، ولم يرَ بعد تهديدا للسلم والأمن الدوليين. مع أن المجلس كان بوسعه، ومن صلاحياته، نقل الموضوع إلى محكمة العدل الدولية للفصل فى المنازعة بين الأطراف، لاسيما فى ظل وجود اتفاقيات 1902، 1929، 1959. وقد يرى البعض أن تركيز مجلس الأمن على إعلان 2015 دون غيره هو حياد إيجابى يأتى لصالح إثيوبيا. ولقد ركزت كلمات الأعضاء على مبدأ «الحلول الأفريقية للمشاكل الأفريقية»، بمعنى العودة لمفاوضات برعاية الاتحاد الأفريقى، مع التأكيد على أهمية عمل اتفاقية قانونية ملزمة تضمن حقوق الدول، وهو ما تريده كل من مصر والسودان، وعدم اتخاذ قرارات أحادية، مما يضع إثيوبيا فى حرج دولى لأنها الطرف الوحيد الذى أخذ قرارا أحاديا بالملء الثانى. هذا وخلت كلمات أعضاء مجلس الأمن من إدانة تصرف إثيوبيا الأحادى باستثناء فرنسا. وهو ما دفع وزير الخارجية المصرى للتعليق لاحقا بالقول، «سنعرب لأعضاء مجلس الأمن عن عدم ارتياحنا لتجاهل إدانة الملء الثانى لسد النهضة».
والآن ماذا بعد مجلس الأمن؟ نعود لما تفعله مصر حيال أزمة سد النهضة منذ إعلان 2015. لقد تبنت مصر استراتيجية لتحييد آثار السد، يمكن الوقوف على بعض ملامحها من متابعة التحركات المصرية المعلنة. أول الملامح هى بناء السدود فى دول حوض النيل. فمصر تبنى سدودا فى تنزانيا، وأوغندا، وجنوب السودان، واتفقت مع بوروندى على الإدارة المتكاملة للموارد المائية. والهدف هو مساعدة هذه الدول الوفيرة بالمياه على إنتاج الكهرباء محليا مما ينفى الحاجة لاستيرادها من مخرجات سد النهضة، وبدون أى تأثير سلبى على تدفقات المياه إلى مصر، بل تأثير إيجابى. وكل تقدم فى بناء تلك السدود يختصم من قدرة إثيوبيا على فتح أسواق لصادرات الكهرباء من سد النهضة. الملمح الثانى هو الخط الملاحى النهرى فيكتوريا المتوسط، الذى ينطلق من بحيرة فيكتوريا ــ أوغندا إلى جنوب السودان، فالسودان، ثم أسوان، فالبحر المتوسط. هذا الخط الملاحى يوفر منفذا للدول الحبيسة التى لا تملك منافذ على البحر لتسهيل ربطها بحركة التجارة الأفريقية البينية، وحركة التجارة العالمية. ويمتد أثر المشروع لدول الجوار التى لا يمر خلالها نهر النيل، ويتيح لتلك الدول الوصول بريا لأقرب ميناء نهرى، والدخول فى المنظومة اللوجستية التجارية التى يوفرها. ومن مكاسب المشروع تعظيم الاستفادة من المياه المهدرة، بعد تحويل المستنقعات التى تكونت بفائض الأمطار إلى قنوات ملاحية ممهدة تنقل مليارات الأمتار المكعبة الإضافية من المياه للعديد من دول حوض النيل بما فيها مصر والسودان. كما يخفض المشروع تكلفة نقل البضائع من وإلى العديد من الدول الأفريقية، وبهذا قد يكسر حالة الاحتكار للخطوط الجوية الإثيوبية، التى تعد أهم ناقل لعموم أفريقيا. وهذه المشروعات قائمة على الحلول الجماعية، وليست مبنية على القرارات الأحادية مثل التى تتخذها إثيوبيا بكل تعنت. لاحظ أن أربعة من الدول الخمس المذكورة فى هذه الفقرة وقعت مع إثيوبيا عام 2010 على اتفاقية عنتيبى لإعادة تقسيم مياه النيل، والتى رفضتها كل من مصر والسودان. أما فى 2021، فلم تستطع إثيوبيا حث هذه الدول على تبنى موقفها وإرسال رسالة تأييد لها فى مجلس الأمن، باستثناء كلمة كينيا.
***
أحيانا التعاون هو الأداة المثمرة فى المواجهات، وإليك مثال آخر يبرهن على ما نجحت فيه مصر بالتعاون أمام أعين الناس جميع. لقد تقاربت مصر مع كل من قبرص واليونان لخلق محور يوازى التدخل التركى السافر فى الشئون الداخلية المصرية، وللحيلولة دون أى أوهام تركية بالاستحواذ على جزء ولو بسيط من حقوق مصر فى البحر المتوسط. وتحملت مصر منذ 2013 سياسات تركية عدائية، وفى نفس الوقت تقدمت خطوة بخطوة فى ملف بناء القدرات البحرية والعسكرية، وملف ترسيم الحدود البحرية، وملف حقول غاز المتوسط، حتى استطاعت حماية حقول الطاقة. وعقدت العديد من الاتفاقيات التى حولتها من دولة مستوردة للغاز بغرض الاستهلاك إلى محطة تجميع وتسييل وتصدير للغاز الطبيعى، بالإضافة لتحقيق الاكتفاء الذاتى. ولما اتضح لتركيا نجاح سياسة مصر، اتسمت تصرفات تركيا بالعدوانية الإقليمية، وزاد الاحتكاك بينها وبين قبرص، فاليونان، فإيطاليا. جرى هذا فى الوقت الذى كانت مصر تدشن منتدى تعاون غاز المتوسط والذى جمع دول عدة من المنطقة بغرض التعاون المثمر فى تصدير وإنتاج الغاز الطبيعى والاستفادة من البنية التحتية للدول المشاركة فى المنتدى. صحيح أن المنتدى هو أول منظمة إقليمية للتعاون تجمع إسرائيل والسلطة الفلسطينية، مما يعنى زيادة التطبيع بدون الحصول على ثمن سياسى لصالح فلسطين. لكن هذا موضوع آخر نتناوله لاحقا. ولما وجدت تركيا نفسها شبه معزولة، فجرت مفاجأة بترسيم الحدود البحرية مع حكومة السراج ــ طرابلس، ولكن معظم دول المتوسط عارضت الاتفاق ولم تعتد به، باستثناء إيطاليا التى حضرت فى المشهد ولم تفصح، وباستثناء إسرائيل التى آثرت الصمت وكأن الأمر لا يعنيها. هذا ولم تسفر المغامرة التركية فى ليبيا عن مكاسب، فلا أبقت على الحكومة التى تدعمها، ولا جرجرت مصر لمعركة تستنزف مقدراتها للحفاظ على ليبيا ومنع تقسيمها. بل تحرك الموقف التركى من خانة العداء إلى خانة التقارب مع مصر، وشهدت السياسات التركية المعلنة تحولا ملموسا لازال فى طى التطور.
***
هل يعنى هذا أن مصر ستكتفى بحصة مياه أوفر من فيكتوريا على حساب الحصة التاريخية من النيل الأزرق؟ أم ترك إثيوبيا تعبث بالنيل الأزرق وتتصرف وكأنه ملكيتها المحلية؟ أم أن تحركات مصر السياسية ستقتصر على مواجهة حرب الموارد بالموارد، والسياسية بالسياسة والإعلام بالإعلام؟ بالقطع لا. ولكن يعنى نجاح مصر فى تصعيد القضية دوليا بالتحرك تجاه مجلس الأمن للسنة الثانية على التوالى، وكشف تصرفات إثيوبيا أمام العالم، واستمرار المواجهة السياسية والدبلوماسية معها لحين حل الأزمة، التى بينت وقوف الصف العربى خلف مصر، وعدم وقوف الاتحاد الأفريقى خلف إثيوبيا (بلد المقر). كما يعنى تحديا جديدا يتمثل فى العمل على تغيير مواقف أعضاء مجلس الأمن، فحتى لو تحولت المواجهة مع إثيوبيا للغة القوة، لا نريد مجلس أمن متربصا بنا. وبالتالى مصر تعطى فرصة للتعاون لكى يؤتى ثماره، وللتفاوض لكى تنكشف حقيقته أمام العالم، وتسقط الحجج الواهية التى تتذرع بها إثيوبيا، كفرصة أخيرة لها قبل السقوط فى هاوية التفكك. وهذا المسار يرسخ العلاقات السودانية المصرية التى شهدت تحولا سودانيا إيجابيا لصالح مصر وضد سد النهضة منذ ثورة 2019 فى السودان.
معتمر أمين باحث في مجال السياسة والعلاقات الدولية
التعليقات