التفكير العلمى فى الشأن العام.. لماذا؟ - محمد رءوف حامد - بوابة الشروق
الأربعاء 28 فبراير 2024 1:33 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

التفكير العلمى فى الشأن العام.. لماذا؟

نشر فى : الثلاثاء 15 أغسطس 2023 - 7:25 م | آخر تحديث : الثلاثاء 15 أغسطس 2023 - 7:25 م

عندما يتشارك الناس فى الاهتمام بأمور تهمهم جميعا معا، فإن هذه الأمور فى مجملها تصنع ما يعرف بالشأن العام. لاهتمام الناس بالشأن العام سمتان أساسيتان؛ أولهما تخطى الأفراد لقضاياهم الشخصية، وثانيهما أنه (أى الاهتمام) يأتى من الجميع بصرف النظر عن التباينات فى الرؤى.
الأهمية الكبرى للشأن العام، من منظور كبار الأكاديميين، ومن أشهرهم هابرماس، تكمن فى أن تبادل المواطنات والمواطنين للرؤى، بخصوص القضايا العامة، يمثل «أداة ترشيدية» لتقوية المجتمع وتماسكه، ولتعريف المسئولين، صناع السياسات، بمطالب الناس.
أما عن الكيفية التى تنضج بها هذه الأداة الترشيدية وتتبلور، فتكمن فى «الفعل التواصلى» Communicative action، والذى يعنى ممارسة النقاش وتواصل الجدل بين الناس وبعضهم بخصوص القضايا التى تهمهم.
بممارسة الفعل التواصلى يقترب الناس من بعضهم، ويتحسن تعلمهم، وتتطور رؤاهم، عندها يتألق الشأن العام. وأما فى غياب الفعل التواصلى فلا تحظى السلطات الحاكمة بالوعى وباهتمامات ورؤى الناس، ويغيب الشأن العام، وتتضاءل هيمنة المصالح الوطنية على أدوات ومسارات صنع المستقبليات.
من هكذا اعتبارات تقوم الحاجة إلى تقوية الشأن العام، الأمر الذى يتطلب الاعتناء المجتمعى بالفعل التواصلى، بإتاحته وتشذيبه والحفاظ على صحته. من هنا تأتى حاجة الشأن العام إلى المنهج العلمى فى التفكير.
• • •
لماذا المنهج العلمى فى التفكير، وليس أى منهج آخر؟ لمسألة المنهج الذى نحتاج لاتباعه فى التعامل مع الشأن العام، أهمية محورية. تتجلى هذه الأهمية فيما يمكن ملاحظته، على مدى عقود مضت، من إخفاقات متعددة فى تعاملاتنا، كدولة وكشعب، مع الشأن العام، حيث توجد ظاهرة عامة سلبية تتكرر باضطراد. تتمثل هذه الظاهرة فى الإخفاق فى طرق مقارباتنا للإجابة على الأسئلة، أو لحل المشكلات، أو لاتخاذ القرارات.
ولعل من النماذج التى لا تنسى للخطأ المنهجى، إصدار قرار عام 1988 بإلغاء الصف السادس الابتدائى، ثم بعدها، عام 1999، إصدار قرار معاكس بعودة الصف السادس الابتدائى (؟!). وعلى هكذا نمط من الإخفاقات عانت مصر فى عديد من نواحى الحياة، التعليم والصحة والاقتصاد والرياضة والإعلام.. إلخ.
تراكم الإخفاقات يعنى أن الخطأ المنهجى مزمن، مما أدى (وما زال يؤدى) إلى إهدارات متكررة، للوقت، وللإمكانات، وللحلول.
أما لماذا يعتبر المنهج العلمى فى التفكير هو الأمثل، كمنهج وضعى، فمرجع ذلك إلى أنه قد جرى استخلاصه من خلال تراكم عظيم من الخبرات المعرفية عبر التاريخ.
وعن الخصائص والأبعاد التى تميز المنهج العلمى فى التفكير (أى التفكير العلمى) مقارنة بأى مناهج أخرى فيتجسد أهمها فيما يلى:
أولا: إن له قوة لا تتوفر فى باقى أنواع التفكير: يكمن سر قوة التفكير العلمى فى اعتماده على جدلية بسيطة وعبقرية، تتكون من «التحليل» و«التركيب». بالتحليل يجرى التعرف على تفاصيل المكونات والظروف الخاصة بالمسألة (أو الظاهرة أو المشكلة أو القضية) الخاضعة للتفسير والتقييم، أو لإيجاد الحلول، أو للتنبؤ.
ومن خلال المعرفة المكتسبة من التحليل يكون التركيب (أو البناء) تخطيطا (وإبداعا) للحل (أو للحلول). وهكذا، تضافرية التحليل والتركيب معا، فى عملية التفكير العلمى، تنشئ قوة فعلية أقوى مما يمكن تخيله.
من جانب آخر، يتفرد التفكير العلمى بكونه «وسيلة» و«غاية» فى آن. فهو «وسيلة» للتوصل إلى المعرفة الأكثر صحة، وهو «غاية» فى التثبت من صحة وصلاحية المعارف والأوضاع.
وهكذا، مقارنة بكل أنواع التفكير الأخرى (مثل التفكير بالتمنى أو التفكير السلطوى أو التفكير بالتهيؤات.. إلخ)، يعتبر التفكير العلمى هو الأقدر على إنتاج «معرفة يعتد بها»، أى المعرفة الأنفع فى التعامل مع أى مسائل حياتية.
ثانيا: إن فيه ممارسة ارتقائية لمعانٍ وقيم إنسانية كبرى:
تجدر الإشارة إلى أن عدم الانتباه إلى المعانى والقيم أثناء ممارسة الحياة اليومية يعد سببا رئيسيا لما تعانى منه البشرية، من ازدواجيات وتناقضات فى المعايير وفى السلوكيات.
من هنا تأتى أهمية التفكير العلمى، حيث هو ليس مجرد تطبيق لترتيبات وإجراءات، لكنه المنهج الذى تكمن فى ممارسته معان وقيم إنسانية عليا يكون من شأنها، ليس فقط إنتاج المعرفة الأقرب إلى الصحة، وإنما أيضا أن تكون هذه المعرفة منبعا حاضنا لاستقامة التعاملات الحياتية.
هذا، ويمكن تصنيف المعانى والقيم الناجمة عن الأخذ بالتفكير العلمى إلى ثلاث:
أ) ــ قيم ومعان أساسية: ومن أبرزها:
ــ «التكاملية المعلوماتية»، حيث يؤخذ فى الاعتبار، بشأن الموضوع المراد التعامل معه، جميع المعلومات والظروف والسياقات، كأساس لبناء رؤية لما ينبغى أن يكون.
ــ «الشفافية»، والتى تسطع أهميتها فى جميع مراحل تطبيق التفكير العلمى، سواء فى تحديد السؤال أو المشكلة، أو فى بناء الملاحظات الواجب أخذها فى الاعتبار، أو فى التوصل إلى الرؤية أو (الفرض)، بخصوص الإجابة أو الحل.
ــ «ممارسة الديمقراطية» فى التعامل مع رؤى جميع من لهم علاقة بالسؤال أو المشكلة موضوع العمل، سواء كانوا باحثين أو من عموم المواطنين.
ــ «الالتزام بالنزاهة»، وبالتالى تجنب خضوع مراحل التفكير العلمى لأى اعتبارات سلطوية أو عاطفية.. إلخ.
ب) ــ قيم ومعانٍ تطبيقية:
كلما زاد الحرص على الالتزام بممارسة التفكير العلمى، كلما تبلورت قيمه ومعانيه التطبيقية، وذلك على غرار:
ــ حسن اختيار الأسئلة والمشكلات التى يجرى التعامل معها.
ــ تجنب البدء من الصفر.
ــ التساوى فى أهمية جميع الأشخاص المشاركين (و/أو المساهمين) فى ممارسة التفكير العلمى بشأن القضية التى يجرى التعامل معها، حيث تكون القيادة لصالح متطلبات صحة الحل، وليس لأى اعتبارات تقليدية، مثل الأقدمية والنفوذ والشهرة.
ــ تجنب سلبيات وحيودات طرق التفكير الأخرى.
ــ القدرة على التعامل المنهجى مع الجديد المختلف.
ــ تجنب التعصب، والعشوائية، والانفعالات، والاعتبارات الشخصية.
ــ عدم التأثر بسلبيات الإعلام والإعلانات.
ــ التصحيح المباشر السريع.
ــ الارتباط بالواقع، من حيث نوعية الأسئلة والمشكلات، وعدم التناقض مع المعرفة العلمية.
ــ تعظيم الاستفادة من التعامل الجماعى (أى «الجماعية»).
ج) قيم حياتية مضافة:
تتجسد القيم المضافة فى توجهات عديدة، مثل:
ــ خفض الهدر فى الجهد والزمن والأموال.
ــ ارتقاء قيمة التنظيم (فوق قيمة الذكاء).
ــ تحسين الاستفادة من الخيال الإبداعى.
ــ تطوير الثقافة المؤسسية (و/أو المجتمعية) فى التعامل مع الأسئلة والمشكلات، وفى التفاعل مع الثقافات الأخرى.
ــ حسن استيعاب الآراء المخالفة.
ثالثاــ إن فى غياب التفكير العلمى تتفاقم وتنتشر أنواع المعاناة: ومن أمثلة ذلك يأتى ما يلى:
1ــ انتعاش التوجهات الزائفة، سواء فى العلم، أو فى الفكر، أو فى عموم الأوضاع والعلاقات.
2ــ التحول إلى التبعية، فى الفكر والتفكر.
3ــ تفاقم الاتباعية للإعلام، و/أو الإعلانات، و/أو السلطويات.
3ــ انحسار القدرة على طرح الأسئلة المتعلقة بتحسين الواقع.
4ــ زيادة الانصياع للفكر الشائع، وللتعصب.
5ــ تفشى الجهل والتجهيل.
6ــ التأخر، فى اكتشاف الأخطاء، وفى التصحيح، إلى ما بعد فوات الأوان.
7ــ التطرف فى التعامل مع المختلف.
8ــ تزايد اللا نظام، وانتشار ممارسات العشوأة من أجل تسهيل مصالح خاصة. وقد يصل الخلل إلى حد «المراضة الذهنية»، ومن بينها التأليه للقيادات العليا.
9ــ تضخم ردود الأفعال لأى رؤى أو مواقف نقدية أو مخالفة للعادة، وبصرف النظر عن اتباع القواعد والنظم، مما يؤدى إلى شيوع العنف.
• • •
وهكذا، فى ضوء الخصائص الحيوية الكبرى للمنهج العلمى يجدر التساؤل: «من يخشى المنهج العلمى فى التفكير؟». فى هذا الخصوص يمكن القول بأن تجنب التفكير العلمى يكون ناجما، إما عن جهالة، أو عن تآمر على الشان العام. ويبقى التساؤل (من منصة التفكير العلمى) عن تضاريس الشأن العام.

محمد رءوف حامد خبير صناعة الأدوية ورئيس هيئة الرقابة الدوائية السابق
التعليقات