للصحفى قصتان - محمد موسى - بوابة الشروق
الثلاثاء 17 سبتمبر 2019 11:54 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعدما أعلن الاتحاد المصري لكرة القدم عن ترشيح 5 أسماء لتدريب المنتخب .. من تختار؟



للصحفى قصتان

نشر فى : الأربعاء 15 ديسمبر 2010 - 10:28 ص | آخر تحديث : الأربعاء 15 ديسمبر 2010 - 10:29 ص

 
هل يمكن أن يتحول الناس فى البلد بالكامل إلى «عكاريت»؟.

سؤال دفع الكاتبة اللبنانية هدى بركات لكتابة رواية كاملة، هى «حجر الضحك»، الصادرة عام 1990.

تعيش هدى فى باريس منذ 1985، عندما أخرجها جحيم الحرب الأهلية فى بلدها، لكن سؤالها اللبنانى كان يطاردها عندما التقيت بها بداية التسعينيات، فى مقهى باريسى دافئ، رغم صقيع يناير فى الخارج.

ابتعدت أحداث الرواية فى ذاكرتى كثيرا، وبقى لى من ذلك الشتاء صورتان: وجه الكاتبة الطفولى وهى تكاد تقترب من البكاء عندما تتذكر الحرب الأهلية وجرائمها التى لوثت الناس فى لبنان، وسؤالها الجريح: هل يمكن أن يتحول الشعب كله إلى عكاريت؟.

العكروت باللبنانى هو الشخص الذى يرتكب أى مخالفة دون أن تطرف له عين، وليس بمعناها المصرى، «مدردح يلعب بالبيضة والحجر». والمعنى المخيف الذى شغل الكاتبة اللبنانية عاد لى فى صورة كوابيس مع مشاهد الانتخابات الأخيرة.

شاهدت بعينى ماراثون الحزب الوطنى الطويل لاختيار ناخبيه فى انتخابات داخلية، ورأيت كيف أن كل شىء كان صوريا، وكانت النتائج معروفة سلفا. تابعت حملته الانتخابية التى انتهت بفوز «ساحق»، أى أنه سحق فى طريق الأخضر واليابس. الدينى والمدنى. الشرعى وغير الشرعى.

حضرت كواليس الانتخابات مرة بصفتى صحفيا يتابع، ومرة بصفتى مواطنا أستمع لما يجرى هنا وهناك. وفى كل مكان رأيت كيف يتحول الإنسان إلى عكروت دون أن يسأل نفسه أحيانا إلى أين تذهب «العكرتة» به وبوطنه وبخصومه الذى لا يعرف عنهم سوى أنهم «أعداء الوطن»، كما قال له من يدفع راتبه الرسمى ومكافأته
.
شاهدت ما لا يمكن كتابته: مندوب المرشح يدخل كل لجنة، ويعطى رئيسها ظرفا به 3 آلاف جنيه، وفوقها «صباح الفل». لم يرفض أحد الهدية، ولم يتردد أحد. سجلت مع مسئولين حوارات «عظيمة» للنشر، وبعد إغلاق الكاسيت ضحكوا، وقالوا: إسمع دى، بس مش للنشر.

جلست مع فريق الدعاية الذى يساعد المرشح. أمام الميكروفون قالوا كلاما «عظيما»، وبعد التسجيل تحدثوا بما لا يمكن أن يقال ولا ينشر. شاهدت مطاردات الأمن للإعلام المصرى والأجنبى فى مشاهد بامتداد البلاد، ورأيت تأشيرة مسئول كبير لمنع تصوير أحد البرامج التليفزيونية، مع طلب واضح بعدم النشر. «للعلم فقط». سألت نفسى: ما فائدة علم الصحفى بأى شىء، إذا كان «علمه لا ينفع».

للصحفى دائما قصتان، يكتب الأولى للصحيفة كما تقتضى قوانين النشر وتوازنات الحياة الدنيا، ويحكى الأخرى لأصحابه على القهوة، أو لنفسه فى مرآة الهلوسة الليلية.
نعم، يمكن أن يتحول شعب بالكامل إلى «عكاريت».

محمد موسى  صحفي مصري