سمات نظام عالمى فى طور التغير - ناصيف حتى - بوابة الشروق
الإثنين 16 فبراير 2026 9:07 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

سمات نظام عالمى فى طور التغير

نشر فى : الإثنين 16 فبراير 2026 - 6:20 م | آخر تحديث : الإثنين 16 فبراير 2026 - 6:20 م

يمكن إدراج الملاحظات التالية حول ما يصفه البعض بنظام عالمى متغير نعيش فيه اليوم، لوصف النظام العالمى الراهن، لم تتبلور بعد كليا قواعده وأنماط علاقاته وهيكل القوة الذى يستند إليه. ويذهب البعض لوصف الوضع «الانتقالى» الحالى بنظام فوضى عالمية.

 


• شهدنا التحول من نظام ثنائى القطبية خلال الحرب الباردة إلى ما عرف «بلحظة الأحادية الأمريكية» ثم ما نشهده اليوم من بروز قواعد وأنماط مختلفة فى العلاقات الدولية ما زالت تتسم بالسيولة ولم تستقر بعد كقواعد وأنماط لنظام جديد. من أهم سمات الوضع الحديد بروز دور ما يعرف بالقوى المتوسطة التى تبحث عن بلورة دورها وتكريس ذلك الدور فى النظام الجديد «القادم».
• التحول من ثنائية شرق غرب التى طبعت الحرب الباردة إلى ثنائية «شمال جنوب» الجديدة. لكن الأخيرة تتسم بالتنوع وعدم الانتظام التى مثلته الأولى التى كانت تستند إلى عنصرى الأيديولوجيا والاستراتيجية. وقد عبر عن تلك الثنائية تحالف منضبط ومنظم فى الجغرافيا الاستراتيجية والجغرافيا الاقتصادية. الثنائية الجديدة تحمل اختلافات وتمايزات عديدة فى الرؤية والمصالح والأولويات ضمن المجموعة الواحدة.
• الغرب بالأمس والشمال اليوم يشهد، كما أشرنا، تزايدا فى الاختلافات حول قضايا أساسية: الموقف من إدارة وتسوية المسألة الأوكرانية وأزمة جرينلاند التى انفجرت مؤخرا يقدما خير مثال على خلافات أساسية فى «البيت الواحد».
• الاتحاد الأوروبى الذى كان يعتبر النموذج الناجح الذى يجب الاقتداء به فى عملية بناء وتطوير التعاون الإقليمى فى مختلف المجالات، يواجه اليوم الكثير من التحديات فى «البيت الأوروبى» وفى علاقات هذا «البيت» مع الخارج أيا كانت أطراف هذا الخارج. نشهد ذلك فى «السياسة الخارجية المشتركة»، وفى قضايا الأمن والدفاع وكذلك فى الاقتصاد وكل المسائل الأخرى. يعود هذا الأمر للاختلاف فى الأولويات الوطنية وفى النظرة إلى ترتيب المخاطر للتعامل معها، ويزداد مع تصاعد قوة اليمين المتشدد الذى تعبر عنه أيديولوجيات متطرفة تعتنق قيما سياسية وأخرى وأولويات تصطدم مع أولويات الآخر فى «البيت الأوروبى» ذاته.
• تمثل التغيرات المناخية على الصعيد العالمى إحدى أهم أو أخطر القضايا، من حيث التداعيات والتحديات المختلفة التى تحملها على مجتمعات واقتصاديات وأمن دول عديدة. ويشكل البحر الأبيض المتوسط الذى تلتقى على ضفافه قارات ثلاث إحدى أهم وأخطر المناطق، من حيث التداعيات، لهذا التحول المناخى بتأثيراته المختلفة خاصة فى ما يتعلق بالاستقرار المجتمعى والخارجى والعابر للحدود الوطنية كما أشرنا.
• إن سرعة التحولات فى الاقتصاد وفى مجالات أخرى والاندماج الاقتصادى التى أنتجته العولمة المتسارعة أدى إلى زيادة تهميش مجتمعات أو أجزاء منها فى «الجنوب العالمى». مجتمعات كانت تعانى أساسا من قضايا غياب النمو أو ضعفه عليها ككل أو على أجزاء أساسية وغير صغيرة فى هذه المجتمعات. الأمر الذى ضاعف من مشاكل التهميش الاقتصادى بتداعياته الاجتماعية والسياسية والوطنية وغيرها. ساهم ذلك أيضا فى انتعاش أيديولوجيات هوياتية متشددة تخاف وتتخوف من الآخر المختلف وترى الحل فى الانغلاق أو الانطواء أو الطلاق مع «الآخر» المختلف فى الخارج أو فى الداخل الوطنى. أيديولوجيات تعبر عن مخاوف وتداعيات أزمات تطالها ولكنها لا تقدم حلولا واقعية أو عملية لتلك الأزمات.
• قد يكون من الأدق الحديث فى وصف عالم اليوم المعولم بالمدينة الكونية وليس بالقرية الكونية كما يسميها البعض توخيا للدقة فى الوصف بسبب الاختلافات التى زاد بعضها وتعمق بعضها الآخر للأسباب التى أشرنا إليها سابقا، ولما للتوصيف من دلالات واستنتاجات. فالاختلافات والتمايزات تعمقت عبر هذا الاندماج شبه القسرى والسريع رغم أن بعض الاختلافات قد تم التغلب عليها. نموذج المدينة أدق فى الوصف بسبب التمايز والاختلافات التى زاد بعضها، فيما تتسم القرية بالتناغم والتماثل على الصعيد الاجتماعى الثقافى خلافا للمدينة.
• التعاون المتعدد الأطراف عبر المنظمات الدولية والإقليمية وفى إطار صيغ أخرى تراجع دوره الفعلى وليس الرمزي، بشكل كبير. يظهر ذلك من عدم قدرته على التعامل الفاعل وليس الشكلى عبر التصريحات والبيانات أو المناشدات، مع تحديات جمة يعيشها العالم تتعدى مجالها الجغرافى أو الموضوعى ولو بأوقات وسرعات مختلفة.
• العودة إلى إحياء تحالفات بالقطعة، كما يقال، أو حول مسألة محددة تعنى أكثر من طرف على حساب ما أشرنا إليه من أزمة التعاون المتعدد الأطراف. ولا بد من التذكير أنه رغم أهمية التعاون الثنائى فى بعض القضايا ذات التداعيات التى تطال أطرافا ومجالات عديدة. فالتعاون الثنائى أمر أكثر من ضرورى وطبيعى فى العلاقات الدولية ولكن لا يمكن الوقوف عند هذا الحد فى مسألة تطال مصالح أطراف عديدة، ومن المصلحة على المستويين الوطنى والدولى وضمنه الإقليمى أن يتم تعزيز التعاون الدولى الفعلى لتوفير ولتحصين حلول لقضايا تطال، ولو بأوقات مختلفة، مصالح الجميع.
جدول غنى بتحديات متزايدة فى ظل تراجع ثقافة ومنطق ودور التعاون الدولى المتعدد الأطراف. التحدى اليوم يُختصر فى كيفية إعادة إحياء التعاون الدولى ذات الهندسة المرنة والمتغيرة وما يعرف بالسرعات المختلفة، الذى هو فى نهاية الأمر لمصلحة الجميع فى «المدينة الكونية» التى نعيش فيها.

 


وزير خارجية لبنان الأسبق

ناصيف حتى وزير خارجية لبنان الأسبق
التعليقات