سيناريوهات مختلفة نسمع بها أو نشهد نقاشات حولها تتعلق بمستقبل الحرب الإسرائيلية على لبنان والعوامل التى تؤدى إلى وقفها. أحد هذه السيناريوهات يقوم على أن هذه الحرب تخضع لمنطق «وحدة الجبهات» مع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران. يقوم هذا السيناريو على تصريحات إيرانية تقول بأن من شروط إنهاء القتال أو ما يمكن تسميته «برزمة الشروط والشروط المضادة لوقف القتال» وولوج باب التسوية أيا كانت طبيعتها تشمل الجبهة اللبنانية.
لكن واقع الأمر أن الطرف الإسرائيلى وجد فى «حرب الاسناد» ضمن منطق «وحدة الساحات» التى أطلقها حزب الله بمثابة فرصة ذهبية لإسرائيل لحرب مفتوحة، فى جغرافيتها وعنفها. حرب تهدف للعمل على إقفال تلك الجبهة بشروط إسرائيلية مختلفة كليا هذه المرة عن سابقاتها. شروط تقوم على تغيير الوضع كليا على الأرض وبالتالى تلغى «المخاطر» المحتملة والمتعددة على إسرائيل على حدودها الشمالية. ولن يكون بقدرة إيران إذا ما توصلت إلى تفاهمات توقف الحرب على أرضها أن تستمر بالتمسك على أرض الواقع «بوحدة الجبهات». الشروط الإسرائيلية لوقف الحرب على لبنان تختلف عن تلك المرتبطة بإيران مع غياب ضغوطات دولية فاعلة أو قادرة على فرض وقف إطلاق النار على إسرائيل. وقد رفضت ذلك الأمر الذى جاء تحت عنوان وقف القتال على الجبهة اللبنانية والذهاب نحو التفاوض برعاية دولية وهو ما دعا إليه لبنان الذى أبدى استعداده للتفاوض ضمن شروط معينة.
سيناريو آخر يتحدث عنه البعض وهو التوصل إلى تفاهم من نوع تفاهم «نيسان ١٩٩٦»، مع تغير العديد من المعطيات، حيث تم التوصل إلى وقف إطلاق النار على أساس التزام بمجموعة من القواعد الجديدة للعمل العسكرى من قبل الطرفين فى ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلى لجنوب لبنان. وللتذكير أيضا فقد شكلت لجنة حينذاك من الدول التى شاركت بشكل أو بآخر فى التفاوض للتوصل إلى هذا الاتفاق. وضمت اللجنة كل من الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وسوريا ولبنان وإسرائيل. لكن الظروف والمعطيات التى أنتجت ذلك التفاهم تغيرت كليا وبالتالى صار من الصعب العودة إليها، ولو أن البعض ما زال يرى أو يتمنى العودة إلى ذلك التفاهم آخذا بعين الاعتبار بالطبع هذه المتغيرات دون إسقاط الأسس التى قام عليها.
سيناريو ثالث يعيده البعض إلى طاولة الحلول الممكنة أو التى يتمناها يكمن فى إحياء تسوية عام ٢٠٠٦ مع صدور قرار مجلس الأمن ١٧٠١ كإطار ومرجعية قانونية دولية رغم وقف التنفيذ الكلى له وتبلور ما يعرف بتفاهمات عملية modus vivendi على أرض الواقع لتثبيت الاستقرار الأمنى تحت عنوان القرار ١٧٠١ والعمل على تنفيذه، والذى أسقطته الحرب القائمة. سيناريو أيضا يتمناه البعض رغم استحالة تنفيذه أمام ما أشرنا إليه من معطيات جديدة.
سيناريو رابع يشكل عنوان الحرب الإسرائيلية وقوامه إحداث تغيير كلى على الجبهة اللبنانية من خلال القضاء على حزب الله عسكريا مهما طال أمد الحرب غير المرتبطة بالحرب الأخرى على الجبهة الإيرانية كما تذكر إسرائيل دائما. بالطبع من يعرف الوضع اللبنانى بتركيبته المجتمعية بسماتها وأبعادها السياسية وغيرها يدرك أن ذلك أمرًا أكثر من مستحيل: هذا السيناريو مشروع حرب مستمرة قد تشهد تصعيدا وتخفيضا فى القتال، فى القوة النارية وفى الجغرافيا وفى الأهداف، ولكنها لن تؤدى إلى النتيجة أو تحقيق الأهداف التى يحملها أصحابها. إنه سيناريو يقوم عمليا على تحويل لبنان إلى «غزة ثانية» مع ما لذلك من تداعيات نتخطى الجغرافيا اللبنانية.
خامس هذه السيناريوهات والذى اعتبره السيناريو القابل للتحقيق وبالتالى الواقعى، مقارنة مع ما سبق، رغم الصعوبات الجمة التى تعترضه وقوامه العودة إلى إحياء فكرة المفاوضات المباشرة، التى أشرنا إليها، برعاية ومواكبة دولية وذلك عبر مسار يخضع لمرجعية تفاوضية واضحة ولجدول زمنى محدد ولو مرنًا. مسار مترابط بين عناصره كافة يبدأ بوقف إطلاق النار. الأمر الذى يستدعى بداية احترام إسرائيل لاتفاق ٢٦ نوفمبر ٢٠٢٤ الذى يفترض أنه دخل حيز التنفيذ فى ٢٧ من الشهر ذاته، ولم تلتزم به إسرائيل منذ اليوم الأول.. يشكل هذا السيناريو رغم العوائق المختلفة أمامه كما أشرنا المبادرة الشاملة والواقعية الوحيدة للتوصل إلى وقف إطلاق النار كليا والعودة إلى إحياء اتفاقية الهدنة اللبنانية الإسرائيلية للعام ١٩٤٩. الاتفاقية التى رغم الصعاب العديدة أمام إعادة تفعيلها تبقى المرجعية القانونية الوحيدة لتثبيت وقف إطلاق النار كليا، مع إمكانية تعزيزها إذا ما استدعى الأمر بشكل متوازن ومتزامن. يواكب ذلك بالطبع ويساهم بشكل كبير فى تعزيز سلطات الدولة العمل على تنفيذ قرار حصرية السلاح فى يد السلطات اللبنانية المعنية والأهم حصرية قرار الحرب والسلم فى يد الدولة اللبنانية.
مسار ليس من السهل تحقيقه ولكنه الوحيد الذى يسمح بعودة الدولة إلى الامساك كليا بما هو من مسئولياتها وقراراتها بشكل حصرى وبالتالى باستعادة كلية وليس نسبية أو انتقائية لدورها على الصعيد الوطنى سواء الداخلى أو الخارجى كما هى الحال مع كل دولة «طبيعية».
وزير خارجية لبنان الأسبق