دول المنطقة.. «تكون أو لا تكون» - طارق فريد زيدان - بوابة الشروق
الثلاثاء 21 مايو 2024 2:23 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

دول المنطقة.. «تكون أو لا تكون»

نشر فى : الثلاثاء 16 أبريل 2024 - 7:45 م | آخر تحديث : الثلاثاء 16 أبريل 2024 - 7:45 م

 دخل الصراع في غزة مرحلة جديدة مع قيام إيران بتنفيذ رد صاروخي مُركّب على إسرائيل. بهذا العمل العسكري أصبح النقاش عن مصير منطقة الشرق الأوسط كله يدور في فضاء الجيوسياسة، لا القوانين والمنظمات الدولية ولا حقوق الإنسان ولا غيرها من آليات ضبط النزاعات بين الدول. اليوم نحن أمام لحظة شكسبيرية: "نكون أو لا نكون"، كما تردد معظم دول المنطقة، وهذا أخطر أنواع المواقف التي يبلغها صانع القرار.

 •  •  •

 ساعات كاملة احتلت خلالها إيران سماء الشرق الأوسط. بالإضافة إلى سيطرتها على المضائق المائية في هرمز وباب المندب. في الميزان الاستراتيجي، هذا تحول كبير. نحن نعيش مرحلة تطغى فيها السيولة والميوعة الاستراتيجية إلى حين بلوغ مرحلة التوازن. بالتالي، أمام صانع القرار خريطة أمنية وسياسية متحركة جدا.

 في طهران، يبدو أن صانع القرار اختار طريقه. حفظ النظام أولوية ولا بأس بتغيير قواعد اللعبة هنا أو هناك طالما أنها تخدم هذا الهدف المركزي. حفظ النظام يعني تجنب احتمالية خوض حرب مباشرة مع واشنطن كحد أقصى. معادلة جديدة رسمتها العملية العسكرية الإيرانية في انتظار مآلات الرد الإسرائيلي.

 قرار الرد على قصف إسرائيل للقنصلية الإيرانية في دمشق اتُخذ منذ الساعات الأولى، برغم أنه لم يكن موضوعا في حسبان العقل السياسي. هناك نشوة قومية إيرانية كبيرة كانت تطالب بالرد على الضربة الإسرائيلية وبالتالي صارت مصلحة النظام أن يستجيب للبيئة الحاضنة لكن ليس على طريقة بعض الأنظمة الشعبوية. قرار الرد الموضعي المدروس والمحسوب بما يمنع التدحرج نحو خيار الحرب الشاملة.

 الغموض البناء. الصبر الاستراتيجي. النفوذ الإقليمي. قواعد الاشتباك. ربط النزاع. وأخيرا فك الاشتباك. كل هذه المصطلحات/السياسات كانت تتعرض لامتحان صعب تلو امتحان منذ أن بدأت إسرائيل بشن ضربات ضد أهداف إيرانية سواء على أرض سوريا أو في قلب إيران من دون تبنيها رسميا إلى أن تم استهداف القنصلية الإيرانية في دمشق. مع هذه الضربة، كان لا بد من رسم معادلة جديدة. معادلة تعيد الاعتبار إلى الهيبة والقوة الردعية. في نظر معظم الشارع الإيراني، عدم الرد يعني أن الضربة الإسرائيلية القادمة ستكون على وزارة الخارجية بقلب طهران. يرى الرأي العام الإيراني أن حرب غزة هي حرب أمريكية ضد إيران. وأن واشنطن لو أرادت وقف النار في غزة لأجبرت إسرائيل على ذلك بوقف الجسر العسكري الجوي لتل أبيب. ناهينا عن شعار المعارضة الإيرانية المتداول أن البيت أحق بالاهتمام من المسجد. اليوم البيت والمسجد يتعرضان للقصف.

 •  •  •

 الصورة في واشنطن مختلفة تماما. ليس لأن قادتها يعيشون على كوكب آخر. بل لأن العم سام يجد نفسه محرجا بخوض حرب اضطرار وليس حرب اختيار. هذا النوع من الحروب يوقظ الذاكرة الجماعية الأمريكية مذكرا بحرب كوريا وفيتنام. فالكابوس الفيتنامي لا يزال يسكن أروقة البنتاجون. وبالرغم من أن الرأي العام الأمريكي غير معني مباشرة بأحوال العالم. غير أن صانع القرار في أمريكا يجد في الرد الإيراني على القصف الإسرائيلي ما يمكن احتماله. الموقف الاستراتيجي بعدم الذهاب إلى حرب شاملة لا ينبع من الناحية الأيدولوجية ولكن من الناحية الجيوسياسية البحتة. ينسحب هذا الكلام على جميع دول حلف الناتو. أساسا الغرب لم يتحمل عملية عسكرية من قبل ميليشيا في السابع من أكتوبر الفائت فكيف له أن يقبل بعملية عسكرية من دولة حافة نووية تملك صواريخ باليستية؟

 أيضا القول أن الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن مشغول بالانتخابات الرئاسية القادمة لا يعني انشغال المؤسسة الأمريكية العميقة عن العالم. للتذكير أُجريت انتخابات أمريكية في ظل الحروب العالمية الاثنتين. ما يهم هنا هو أن الرد الإيراني على القصف الإسرائيلي كان يمكن أن يستجلب عملا عسكريا أمريكيا لو قرر الرئيس بايدن ذلك، لكن الموضوع في يد المؤسسة وليس الرئيس، بعد الرد الإيراني، وهذه المؤسسة لا تريد الحرب نهائيا.

 •  •  •

 لكن ماذا لو تدحرج الصراع المستمر في غزة خارج حدود الشرق الأوسط؟ في العلوم العسكرية، أن اليوم الأول للحرب يغير الخطط كلها. فما بالك بحرب غزة التي بدأت شهرها السابع. بكل تأكيد اتساع رقعة الصراع في الشرق الأوسط يستجلب لاعبين دوليين مثل روسيا والصين. والمنطقة العربية تحولت إلى ملعب لتصفية الصراعات الدولية وإثبات النفوذ. لربما يكون هذا العامل عنصر حسم عند صناع القرار في طهران وواشنطن وتل أبيب. على أساس أن تكلفة تدحرج الصراع خارج المنطقة أكبر بكثير من حصر الصراع داخلها. عليه نكون أمام ضربة إيرانية موضعية ومدروسة. تعيد قواعد الاشتباك ولا تخرج الصراع عن السيطرة. وعلى الأرجح تنتج وقفا لإطلاق النار في غزة وتمنع الحرب عن لبنان.

 أصبح أكيدا أن العالم لا يستجيب إلا لمنطق القوة. موازين القوى هي من تحرك الدول. والدول تتكلم بلغة المصالح. وبالرغم من هول الدمار والدم المسال، فإن اللحظة التي تعيشها المنطقة ـ ولربما العالم ـ تتطلب عقلا سياسيا باردا جدا لتفكيك تداعيات هذه الحرب على مستقبل المنطقة. لم يعد البحث يقتصر على السؤال عن اليوم التالي، بل البحث اتسع ليصبح السؤال عن العصر التالي.

 بالنظر إلى خريطة القوة في الشرق الأوسط. الأرض تحكمها معادلات توازن رعب ممتدة من شواطئ البحر الأبيض المتوسط الشرقية (غزة وحيفا وبيروت وطرطوس) وصولا الى شواطئ الخليج العربي. والسماء تعج بالمسيرات المنتشرة القادرة على الاغتيال والتدمير ناهينا عن آلاف الصواريخ الباليستية المملوكة من طرفي معادلات الرعب ذاتها. والفضاءات الإعلامية والثقافية تحكمها جيوش إلكترونية فعالة كأنها ميليشيات مسلحة.

 على هذا العقل تحديد هوية القوة المتعددة الموجودة اليوم في الشرق الأوسط. ثم تحديد المعادلات التي تحكم هذه القوة. بعدها يتم إسقاط مراكز القوى ومعادلاتها على الخريطة لقراءة أحكام التاريخ وقواعد الجغرافيا. ويتم تحديد الأدوار والأحجام لكل اللاعبين. عند هذه النقطة لربما نستشرف مستقبل المنطقة القابعة على فوهة بركان حرب غزة.

 لدى منطقتنا مقدرة عجيبة في استقطاب القوى الدولية إليها. هي منطقة ولادة للأزمات مما يعكس مركزيتها في النظام الدولي. نحن نعيش على الأزمات وحل الأزمات بأزمات جديدة. هي شعرة تفصل بين اللعنة والنعمة. نحن نعيش لعنة الجغرافيا في ظل غياب التوازن الاستراتيجي الدولي. ومعه القرار العربي.

طارق فريد زيدان كاتب سعودي
التعليقات