ما لا يمكن فصله - ريم عبد الحليم - بوابة الشروق
السبت 14 ديسمبر 2019 5:58 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

ما لا يمكن فصله

نشر فى : الأربعاء 16 سبتمبر 2015 - 4:50 ص | آخر تحديث : الأربعاء 16 سبتمبر 2015 - 4:50 ص

صدرت الموازنة العامة للدولة متأخرة عن موعدها، وحصلت مصر على ترتيب متدنى للغاية فى مؤشرات الشفافية الدولية، مضمونه أنه لا توجد معلومات متاحة فى وقت مناسب حول الموازنة العامة للدولة من الأساس.

بأى حال لم تعد حتى معايير إصدار الكتيبات ومجلدات الأرقام كافية، للحكم على شفافية الموازنة وقدرة الدولة على مقاومة الفساد وإحداث التنمية.

جاء البيان الأولى للموازنة العامة للدولة بقيمة أجور 228 مليار جنيه، انتهت فى البيان المالى الذى تم إصداره بعدها بسويعات قليلة إلى 218 مليار جنيه بفارق 10 مليارات جنيه، أين كانت؟، لماذا وضعت فى البداية؟، لماذا تم حذفها؟، لا يمكن لأحد أن يعرف.

بعد صدور قانون الخدمة المدنية فى مارس الماضى، صدر فى مطلع الشهر الحالى القرار الجمهورى رقم 99 لسنة 2015 بعلاوة 10% لا تضاف للأجر الأساسى لغير المخاطبين بقانون الخدمة المدنية الجديد؛ كيف يمكن تحقيق انضباط إدارى ومالى فى ظل تفتت بهذا الشكل، لا يمكن لأحد أن يعرف؟

فى وقت شبه متزامن صدر القانون رقم 96 لسنة 2015، ليخفض السعر الأعلى للضريبة على الدخل لتكون 22.5%، تبدأ للدخل الذى يزيد عن 200 ألف جنيه سنويا، بعد أن كان السعر الأعلى هى 25% للدخل أعلى من 250 ألف جنيه فى السنة، ليعوض الجزء المحتمل من تراجع فى حصيلة الضريبة، وذلك بالزيادة الـ 2.5% على من يكون دخله من 200 إلى 250 ألف جنيه، هذا على الرغم من تصريح وزير المالية، أن العام الماضى شهد أعلى معدل للتحصيل الضريبى منذ 2011.

***
خطاب رسمى صدر على صفحة وزارة المالية فى نهاية أغسطس الماضى، عن خطر زيادة الأجور عن معدل زيادة الإيرادات الضريبية، والتى وإن كنت أرى أهمية مراجعة هيكلها والحد من التوزيع غير الواضح فيها، إلا أن الصورة الكاملة تستدعى الرد على الخطاب الرسمى بشأن تفاقم الأجور، بأن نذكر الدولة أنه لم يتم توجيه وفر دعم الطاقة لقطاعات التعليم والصحة كما كان وعد الحكومة آنذاك.

ودعنا لا ننسى كذلك، حين تم اتخاذ قرار رفع أسعار الطاقة فى يوليو 2014 تم الإعلان فى موازنة 2014/ 2015 عن بدء برنامج لمعاشات غير القادرين بمبلغ 10.7 مليار جنيه، ووفقا لما ورد فى التوقعات حول موازنة 2014/ 2015، أن ما تم انفاقه لم يتعد 6.6 مليار جنيه فقط، وكان الإنفاق الفعلى عليه فى عام 2013/ 2014 «قبل رفع الدعم عن منتجات البترول» نحو 5 مليارات جنيه، أى أن الزيادة طفيفة للغاية، فكيف يكون الهدف هو إعادة توزيع للدعم نحو الأفقر؟، ثم عاد الكلام فى موازنة 2015/ 2016 عن رصد مبلغ 11.2 مليار جنيه، مع تطبيق برامج تكافل وكرامة، مبلغ ضئيل بالنظر لخط الفقر الرسمى وأعداد الفقراء، ولكن نتمنى.

الصورة الاقتصادية على ما هى عليه، وسوف تبقى على ما هى عليه طالما لم تتغير قواعد إدارتها. فالحقيقة أن أقساط القروض تلتهم نصيبا متزايدا من الموازنة، ومحاولات الحد من زيادتها لا تأتى ثمارها، ولازالت محاولات الحد من عجز الموازنة غير فعالة؛ وشهدت موازنة 2015/ 2016 تراجعا فى أنصبة الإنفاق على التعليم والصحة للناتج المحلى الإجمالى، فكيف يكون الهدف هو تحسين جودة الخدمة والعدالة الاجتماعية، وفق ما أتت تصريحات الوزارة حين إصدار «النسخة الأخيرة» من الموازنة؟!

وأخيرا، طالعتنا الصحف أن مصر تكافح الفساد، فى الوقت نفسه كثر الحديث عن الاتجاه نحو التصالح مع المفسدين السابقين، وكأن الفساد هو القبض على قضية رشوة واحدة أو حتى مائة قضية هو مكافحة الفساد.

***
تحدث الاقتصادى الحاصل على جائزة نوبل، جوزيف استجلتز، فى كتابه «ثمن عدم العدالة» عن تأثير تكرار منطق محدد فى إدارة الاقتصاد أو الدولة وكأنه مسلم به، فى حين كون المشهد يحوى تعقيدات وأزمات أكبر من تسبيطها فى كلمات توحى بأنه ليس فى الإمكان أحسن مما كان، لأن هناك قواعد ثابتة لا يمكن تغييرها!

يبدو أن الحكومة تختار معارك منتقاه لتحقيق أهداف ضيقة، وحتى ولو لم تقصد ذلك، فهى تقدم صورة خطوات متضاربة، لا تحوى إصلاح شامل، لأن حسابات الإصلاح الشامل أعقد من قدراتها.

نتج عن ذلك تحويل دفة الخلاف لقضايا غير حقيقية، فالنقاش حول دور الجهاز الإدارى ليس نقاشا بأى حال حول نصيب الأجور من الموازنة العامة، بل هو نقاش حول تعريف الجهاز الإدارى وما يدخل فى نطاقه والخدمات التى يؤديها وكيفية تقييم خدماته، النقاش حول الأجور ينقل الخلاف من مربع مكافحة الفساد وفعالية الخدمات العامة، لمربع الخلاف على الموارد بين الموظف والمواطن غير الموظف بالدولة، وهذا خلل كبير فى التأسيس لأى إصلاح حقيقى.

الواقع يتكرر فى طرح فكرة مكافحة الفساد على أنها القبض بيد من حديد على بعض القضايا، وكأنها مرض فرعى ليس متجذرا فى هيكل تكوين الدولة والنظام الاقتصادى.

فلن يؤدى قانون الخدمة المدنية لجهاز إدارى أفضل وأكثر فعالية حتى لو وضعت لإدارته أفضل قواعد الإدارة فى الشركات الكبرى.

ومكافحة الفساد تتطلب منظومة متكاملة لا يمكن قيامها فى إطار غياب شفافية تخصيص الأراضى، وقبول التصالح مع المفسدين، وثغرات قانون المناقصات والمزايدات.

هناك أمور لم يعد من المقبول تناولها كقضايا منفصلة عن بعضها البعض، والخطاب الحكومى المتناقض يستدعى مواجهة الحكومة بأسئلة واضحة عن قانون حرية تداول المعلومات، وقانون العمل العادل، وقانون الحريات النقابية وقانون التأمين الصحى الشامل، وتحسين نظام المحاسبة الحكومية.

***
فالإصلاح يتطلب نظرة شاملة تؤسس لعلاقات متوازنة بين العامل والمنتج، ولامركزية تسمح بتوزيع جغرافى عادل لموارد الدولة، وأطر محاسبة تقوم على الديمقراطية والشفافية. دون ذلك، تبقى أى خطوة تتخذها الدولة رهينة حسابات المصالح ومن ثم الصراعات بأشكالها المختلفة. فهناك من القضايا ما لا يمكن فصله عن بعضه البعض. ولو طرح فى شكل متجزئ، لا يجب علينا أن نسلم لمنطق هذا الطرح.

ريم عبد الحليم أستاذة الاقتصاد بجامعة القاهرة باحثة متخصصة في شؤون الفقر
التعليقات