صمت اللحظة - خولة مطر - بوابة الشروق
الخميس 5 أغسطس 2021 11:44 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد الأداء المتميز.. هل يحقق منتخب اليد المصري ميدالية أوليمبية في طوكيو؟

صمت اللحظة

نشر فى : الأحد 17 مارس 2019 - 9:45 م | آخر تحديث : الأحد 17 مارس 2019 - 9:45 م

تمايلت هى التى لا تعرف سوى الجرى كما كل سكان هذا الكوكب الذى رددوا عليه أن الزمن المقبل هو «عصر السرعة»، فصدق أنها وسيلتنا جميعا إلى التطور والتقدم ونسى مثلنا المكرر «فى التأنى السلامة وفى العجلة الندامة».
كلهم يجرون جرى الوحوش حتى وجبات الطعام أصبحت سريعة حتى أطلق عليها «الوجبات السريعة» اختراعات تزامنت مع الحياة المدنية أو بعضنا يطلق عليها العصرية.. أن تكون عصريا إذن هو أن تستعجل.
***
تذكرت تلك الساعة التى اشترتها منذ سنين طويلة من معهد العالم العربى فى باريس والتى لفتت نظرها بتلك العبارة «تعجل ببطء».. أعجبتها جدا.. صارت هى شعارها لمرحلة طويلة أن تتعجل ولكن ببطء، كل يفسرها على هواه أو على ما يناسبه أو يتماشى مع رغباته.
يسرعون وكأنها نهاية العالم، يعملون فى تسابق مع الزمن وكأنهم سينقذون البشرية من الفقر والعوز والأمراض المستعصية.. كلما كدسوا أموالا قالوا هل من مزيد فيعملون ليلا نهارا يجرون خلف الأصفار المتتالية يزيدونها وكأنها ستجلب معها سعادة وراحة لا مثيل لهما.. ثم عندما تحل كارثة ما يعودون إلى ربهم ويطلبون أن يأخذ كل أموالهم مقابل أن تنتهى الأزمة.. وما هى إلا لحظات ليعودوا إلى الجرى سريعا.
***
تتعدى الأيام سريعا، تنتقل الأرقام على صفحات الأجندات، ما إن يحتفل العالم بنهاية عام حتى تبدأ الاستعدادات لعام قادم، ما إن يحل رمضان بمسلسلاته حتى يكرر الإعلام عاد الممثلون فى معظمهم هم أنفسهم أو أنفسهن إلى الاستوديوهات استعدادا لموسم رمضان المقبل حيث أصبح مصاحبا أو رديفا للمسلسلات، ولا أحد قادر على معرفة السببب «فما علاقة الصيام والعبادة بالدراما؟».
***
تصل مدينة ما تلتقى بكثير من الأصدقاء بالمصادفة تتواعدون على اللقاء على وجبة من العشاء، تمضى الأشهر بأيامها ولياليها وتلك الوجبة لم تحضر.. تلتقى بهم فى وسط شارع يعج بالراكضين خلف المواعيد المكتظة، فتتحول الرغبة الحقيقية فى الكثير من الأحيان إلى لقاء على كوب من القهوة تفاديا للإحراج.. تنتهى الزيارة ولا تحضر القهوة فى صحبة الأصدقاء والمعارف.. يرددون جميعا «آه كم تمضى الأيام سريعا». وتردد أنت «كم نحن لا ندرك قيمة اللحظة تلك التى قد لا تعود أبدا.. لحظة من الصفاء، من التسامر فى أمور الحياة، من تبادل الذكريات الجميلة، من الضحكة التى لا خلفها هدف أو مجاملة.. من المحبة التى أصبحت نادرة جدا».
***
يتواعد بعضهم، يقول أحدهم سأزورك فلم نلتق منذ مدة طويلة والسنين مضت والشعر شاب كثيرا وحل السكرى والضغط لينهش فى اللحم الحى.. سقطت المواعيد فى بحر الأيام المتلاطمة والأولويات التى فى مجملها مرتبطة بنفس ذاك الشعار «عصر السرعة» وزمن التكنولوجيا التى حلت مكان جلسات السمر وتجمعات الاسترخاء فى حضن المودة الصافية..
يكتفى بعضهم بـ «الفيس تايم» أو يتابع أخبار أصدقائه بفضول أحيانا على «السنابشات».. وإذا كان ولابد فأفضل وسيلة وأسهلها هى «الواتس آب»، أما أضعف الإيمان فهو أن تتابع أخبار أصدقائك على الفيس بوك.. هذه حلت مكان المجالس والنوادى الثقافية والاجتماعية وجلوس الأصدقاء حول مائدة فى مقهى شعبى يحتسون الشاى المسكر «السنجين» حيث هم من يقبضون على الزمن وهم ملوك اللحظة وسلاطينها.. لا شىء يعكر صفو تلك اللحظة حتى ولو كانت صامته فدفء القلوب ليس بحاجة إلى الكلمات والحديث.. تتذكر ذاك الفيلم بالأسود والأبيض وحسين رياض يتحايل على زوجته المتسلطة فى تلك المدينة الساحرة أى بورسعيد كل ذلك من أجل التسلل إلى المقهى القريب حيث يتحلق الأصدقاء حول مائدة متواضعة وأمامها لعبة «الطاولة» يتنافسون على من سينتصر ويعلو صراخهم وكأنهم مراهقون فى لحظة نشوة..
***
تعرف أن اللحظة لا تعود، يدركهم ذلك أيضا ومع ذلك يمكثون فى جريهم، يسابقون بعضهم بعضا، يتعلقون بقشور الحياة على حساب المشاعر الحقيقية.. تتحول الحياة إلى مظهر وتنتفى منها حتى تسميتها، فمن لا يعيش اللحظة كمن فقد الحياة.

كاتبة بحرينية

خولة مطر  كاتبة صحفية من البحرين
التعليقات