«إفلات الأصابع».. رحلة كابوسية مدهشة! - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الإثنين 19 أغسطس 2019 5:15 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد إقالة لاسارتي.. من المدرب المناسب للنادي الأهلي؟





«إفلات الأصابع».. رحلة كابوسية مدهشة!

نشر فى : الخميس 18 يوليه 2019 - 9:55 م | آخر تحديث : الخميس 18 يوليه 2019 - 9:55 م

مثل بطلها وساردها المأزوم العائش بين الواقع والحلم، يتفتت بناء رواية «إفلات الأصابع» لمحمد خير، والصادرة عن الكتب خان، إلى حكايات مدهشة، لا تعرف فيها من أين يبدأ الواقع؟ وأين ينتهى الخيال؟ يبدو لنا هذا النص السردى المتفرد مثل قطع البازل، التى تدعو القارئ إلى إعادة ترتيبها، الروابط موجودة فعلا، ولكن عليك أن تتمعن لكى تكتشفها، أما المكافأة فهى فى صفحات الرواية الأخيرة، حيث يبدو هذا التفكيك ترجمة لتفكك ذات، ولفوضى مجتمع بأكمله.
المعيار الوحيد لاختيار شكل السرد هو قدرته على التعبير عن مضمونها، بل يجب أن يبدو الاثنان كشىء واحد، وهذه الرواية نموذج ممتاز على ذلك. كل العناصر موجودة من شخصيات وصراع وحبكة وبداية ونهاية، ولكن يبدو كما لو أن إعصارا قد اكتسح هذه العناصر، فأصبحت أوراق اللعبة متفرقة، ليس من باب الإلغاز أو الغموض، ولكن للتعبير عن ذات السارد المعلقة بين انغماسه فى الواقع، بحكم عمله كصحفى، وانغماسه فى أحلام تدير حياته، ثم إن الفواصل لا وجود لها لديه بين الموتى والأحياء، تركيبة إنسانية عجيبة، لن نعرف مفاتيحها إلا فى السطور الأخيرة، هو الكاتب والمكتوب، وهو اللغز والحل، الواقع يبدو كابوسا أحيانا، وحلما أحيانا أخرى، والحكايات التى تبدو متفرقة، ستأخذ معناها فى النهاية، الصراع فى داخل السارد، ورحلة الهروب ستصبح رحلة اكتشاف.
سيف صحفى فى مجلة، يلتقى مصريا عائدا إلى وطنه بعد طول اغتراب، يُدعى الرجل «بحر كامل»، يقول إنه يكتب تقريرا عن الوطن سينشره فى الخارج، سيف يرافقه بصفته الصحفية، ليكتب تقريرا عن الرجل والوطن فى مجلته، الرحلة ستعمل فى اتجاهين: اكتشاف ماضى «بحر كامل»، الدليل العائد، واكتشاف ماضى سيف، هذا هو هيكل السرد المفكك، الذى لا يقفز وحسب بين الشخصيات والحكايات، ولكنه يضع القارئ أيضا فى مسافة ملتبسة بين الواقع والخيال، يمكننا القول إننا أمام هاربين من الماضى، فى رحلة غرائبية، جذورها واقعية تماما.
كل حكاية أخذت عنوانا، والرواية نفسها ثلاثة أقسام، لكل منها عنوان، قلق الشخصيات وأسئلتهم، ينتقل إلى القارئ، الذى يجد نفسه شريكا فى الرحلة وفى الحيرة، ولكن محمد خير يجيب عن كل أسئلته فى النهاية، ومثلما يطلب بحر كامل، باسمه الدال واللافت، من سيف أن يبحث بنفسه عن الروابط، فإن الطلب موجه أيضا إلى القارئ نفسه، أما سبب لجوء الروائى إلى هذه اللعبة، فهو أيضا أمر فى صميم معنى الرحلة: لقد صار واقعنا غريبا إلى درجة أن الواقعية لم تعد تكفى للتعبير عنه، بل لعل واقعنا ينافس العجائب والكوابيس، وسيف فوق ذلك ليس شخصية عادية، ما يحدث داخله، وفى عقله وأحلامه، يفوق ما يحدث خارجه، ونحن نسمع الحكايات، ونعرف رحلته مع « بحر كامل» العارف بالوطن، من خلال سرد سيف، هو وحده من يحكى، وهو الذى انفلتت أصابعه، وانفلت خياله وواقعه، فانفلت سرده، وتكسر بناء حكايته.
بحر يقوم بدور المفسر، وسيف يرى الناس والأماكن بصورة أعمق، يظهر عالم عجيب وفريد يكشف عن مجتمع أعجب: قرية مهجورة هاجر أهلها إلى أيطاليا، بناية تهتز على وقع إنشاء بناية مجاورة، أطباء تجمعوا لعلاج رجل واحد، شحاذون بدرجة عازفين، رجل متخصصون فى سرقة الوقت وقتله، باحثون عن الخلاص أمام جدار معبد. تذكرنى هذه الرحلة على نحو ما برحلة كابوسية فى فيلم «ساتيركون» لفيللينى، كانت متاهة تنذر بانهيار، ويحدث ذلك حرفيا أيضا فى رواية «إفلات الأصابع»، حتى ثورة الميدان لا تنجح فى رأب الصدع، ولا فى منع الكارثة.
وسط كل هذه الكوابيس واقعا وخيالا، تلمع دوما شخصيات نسائية تحمل صوت الحياة ونبضها، المرأة فى الرواية مثل نور يضىء الحكايات، الأم والحبيبة والزوجة، كلهن تحاولن تنظيم هذه الفوضى التى استفحلت، وهى مهمة فوق طاقة كل النساء، وفوق حكمة بحر، الهارب من الوطن، والعائد إليه، ليحذر من الانهيار.

التعليقات