أبدأ بما أراه صادقًا، حين قال الرئيس إن ولايته تنتهى عام ٢٠٣٠، «إن كنت على قيد الحياة»، وإن الدستور لن يُمسّ، فأنا أصدّقه فى عزمه على المغادرة، وأرى فى ذلك موقفًا يُحسب له، لا سيما فى منطقة اعتادت أن يبقى فيها الحاكم حتى آخر العمر.
غير أن السؤال الذى كان يقف خلف الشائعات لم يكن سؤال الرحيل، وإنما سؤال ما بعده، وكيف تُهيَّأ الدولة لانتقال هادئ. وهنا جاءت الخطة التى نُشرت لتأهيل مرشحى الرئاسة، وأقول «إن طُبّقت كما نُشرت»، لأن مشروع القانون لم يُكتب بعد. وخلاصتها أن من يريد الترشح يجتاز اختبارات القبول فى الأكاديمية العسكرية، ثم يقضى فيها برنامجًا مدته ثلاثون شهرًا، فيجد المصريون أمامهم قائمة من «المؤهلين» يختارون من بينهم.
والمشكلة فى نظرى ليست فى الرغبة فى إعداد القيادات، فهى رغبة مشروعة. المشكلة فى المرشّح الذى اختير، فهو مرشّح غريب فى بنيته: إما أن يكون ابنًا لمؤسسة وطنية بعينها، وإما مدنيًا جرى تشكيله داخل تلك المؤسسة. وكأن بقية المصريين، من قضاة وأساتذة جامعات واقتصاديين ودبلوماسيين وسياسيين، غير مؤهلين حتى يثبتوا العكس بالمرور من هذا الباب. والدساتير تقوم على أن الشعب يختار والقانون يضع الشروط. ولا يريد أحد خائنًا أو مجرمًا على ورقة الاقتراع، والقانون يمنع المحكوم عليهم بالفعل، لكن هذه صفات يقررها القضاء، لا جهة تُقرّر من تسمح له ومن تمنعه.
وللدستور فى هذا كلمة واضحة، فالمادة ١٤١ حددت شروط الترشح: أن يكون المرشح مصريًا من أبوين مصريين، لا يحمل جنسية أخرى، متمتعًا بحقوقه المدنية والسياسية، أدى الخدمة العسكرية أو أُعفى منها، ولا تقل سنه عن أربعين عامًا. ولم تضع حدًا أقصى للسن، ولا اشترطت شهادة عليا، ولا مرورًا بمؤسسة بعينها. وحددت المادة ١٤٢ طريق الوصول إلى صندوق الاقتراع: تزكية عشرين نائبًا أو خمسة وعشرين ألف مواطن، بضوابط معينة، أما المادة ٢٠٠ فتجعل من واجب القوات المسلحة صون الدستور والحفاظ على الطابع المدنى للدولة. وإذا كان للقانون أن ينظّم الحق، فإن التنظيم شىء، وإقامة بوابة جديدة لا يمر الترشح إلا عبرها شىء آخر، فهل نحترم هذه النصوص كما هى أم لا؟
وأما إعداد الكوادر للمناصب التنفيذية، فلا يحتاج إلى بوابة واحدة فلنوفد الشباب إلى أفضل الجامعات والمعاهد فى الداخل والخارج، ولنعد الاعتبار إلى المعهد الدبلوماسى الذى خرّج أجيالًا متميزة من الدبلوماسيين، وكان ينظم دورات للكوادر الشابة من دول صديقة عديدة. والمنهج الذى يعرفه العالم فى فترات الانتقال معروف: إحياء السياسة، والمصالحة الوطنية، وإطلاق الأحزاب تحت مظلة القانون والدستور، فهل نمضى على الدرب الذى سلكه الآخرون أم نفضّل أن نعيد اختراع العجلة؟
فإن أردنا مع ذلك إعدادًا داخل الدولة نفسها، لمن سيتحملون أعباء الحكم، فللدستور طريق أقصر وأوضح وأقدر على كسب الثقة، هو منصب نائب رئيس الجمهورية. والمقصود به شخصية يختارها الرئيس بنفسه، ويحدد لها اختصاصاتها، فتعمل إلى جانبه علنًا، وتشاركه جزءًا من الأعباء، وتتراكم لديها الخبرة يومًا بعد يوم، ويتعرف عليها الناس قبل أن يُطلب منهم أى اختيار. وللرئيس أن يعيّن نائبًا واحدًا أو أكثر، حسب ما يرى. وقد قال الرئيس إنه لا يمكن أن نأتى بشخص ليجرّب ويتعلم أثناء العمل، حتى فى الوزارات، ولا خلاف على ذلك. ومصر عرفت هذا الدرس من قبل، فقد حكم الرئيس الأسبق مبارك قرابة ثلاثين عامًا دون أن يعيّن نائبًا، ثم عُيّن عمر سليمان قبل أيام من التنحى، فكان ذلك تعلمًا فى أسوأ لحظة ممكنة. ولو كان بجانبه منذ سنوات نائب بثقل عمرو موسى أو عمر سليمان، لربما مرّت البلاد بالأزمة بأقل اضطراب وكلفة، ولا أزعم أن التاريخ يُكتب بالافتراض، لكن الاعتبار منه واجب. والمفارقة أن الدستور، فى المادة ١٥٠ مكرر، يتيح هذا التعيين دون تعديل حرف واحد، وهو قناة مدنية علنية خاضعة للمساءلة.. فلماذا لا نبدأ بها؟
وأعلم أن فى النفوس هاجسًا من عودة الإخوان إلى المشهد. لكن الحل لا يكون بسياسات تجعلهم البديل الوحيد، بل بفتح الأبواب والنوافذ أمام الكفاءات الوطنية كلها، فى إطار احترام القانون والدستور. عندها يعود الإخوان إلى حجمهم الطبيعى، دون التهويل الذى جعل منهم بعبعًا تخيف به الأمهات أطفالهن.
ويبقى أن الرئيس قال إن مصر قادرة على إنجاب من هم أفضل منه مائة مرة، وأنا أصدّقه، ولهذا بالذات أرى أن هؤلاء لا يُصنعون فى مؤسسة واحدة ولا فى برنامج واحد، وإنما يظهرون حين يكون الميدان مفتوحًا أمام الجميع، ويقرر المصريون وحدهم من يستحق ثقتهم.
• مساعد وزير الخارجية الأسبق
•• سفير مصرى