الشعب والنخبة والبرادعى - ريم سعد - بوابة الشروق
الخميس 9 يوليه 2020 12:16 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

الشعب والنخبة والبرادعى

نشر فى : الأربعاء 21 أبريل 2010 - 10:51 ص | آخر تحديث : الأربعاء 21 أبريل 2010 - 10:51 ص

 منذ سنوات عديدة أثناء إعدادى لرسالة الدكتوراه وعنوانها «رؤية الفلاحين لتاريخ مصر الحديث» دائما ما كنت أواجه بتنويعات على سؤال متعجب من قبل أفراد من النخبة الاجتماعية والسياسية بل والفكرية أيضا: «وهل لدى الفلاحين رؤية للتاريخ؟»، وكان السؤال يأتى أحيانا فى صيغة استنكارية: «وماذا يعرف الفلاحون عن التاريخ حتى تكون لديهم رؤية؟»

وكان هناك من تصور أننى أقوم بقياس مدى وعى الفلاحين بالأحداث التاريخية أو أقوم باختبارهم لأصنع موضوعا لا يخلو من طرائف يهدف إلى استخلاص دروس تفيد النخبة وتوجهها إلى كيفية التعامل مع «الشعب» وتساعدها فى مهمتها، التى أوكلتها إلى نفسها فى رفع وعيه وتعليمه والارتقاء به.

كنت حينئذ أشرح وجهة نظرى أننى لا أختبر الثقافة السياسية والتاريخية للفلاحين وإنما أعتبرهم «فاعلين تاريخيين»، يساهمون فى صنع الأحداث التاريخية والسياسية وأن وعيهم ومشاركتهم لا يقتصر على القضايا الفلاحية أو تلك التى تخص حياتهم اليومية بشكل مباشر. وكون النخبة لا تعرف أو تعترف بمشاركتهم، فهذا لا يعنى أنها لم تحدث وكون أصواتهم قد تم إقصاؤها فهذا لا يعنى أن ليس لديهم ما يقولونه.

أتذكر الآن كل ذلك بمناسبة الاعتراض المتكرر الذى يواجه الجمعية الوطنية للتغيير ورئيسها الدكتور محمد البرادعى بأن مطالب الإصلاح السياسى، التى تتبناها الحركة كأولوية فى المرحلة الحالية إنما هى مطالب لا يقدرها سوى النخبة وإنها لا تعبر عن اهتمامات الغالبية العظمى من الشعب المصرى.

ويصدر هذا الرأى أحيانا من جانب المعارضين لحركة التغيير لصالح النظام، ويستخدم فى الأغلب لإظهار البرادعى كشخص منفصل عن الواقع المصرى وعلى غير دراية بأولويات المواطن العادى بهدف الإيقاع بينه وبين الشعب المصرى بتصويره على أنه بعيد عن همومهم ومطالبهم ولا يشعر بهم ولا بمعاناتهم، الأمر الذى فنده باقتدار عدد من الكتاب المحترمين مثل عزت القمحاوى ومحمد المخزنجى وضياء رشوان.

وقد أشاروا جميعا ــ وإن فى سياقات مختلفة ــ إلى أنه ليس هناك من هم أكثر انفصالا عن الشعب وأقل معرفة بهمومه وأحواله سوى قيادات الحزب الوطنى وأعضاء النخبة الحاكمة ومناصريهم.

إلا أن هذا الرأى يصدر أيضا فى بعض الأحيان عن سياسيين ومفكرين من الداعمين لحركة التغيير ممن يرون أن شعار وبرنامج الإصلاح السياسى لا يصلح لتعبئة الجماهير، التى لن يجذبها سوى برنامج يخاطب همها الأساس وهو أكل العيش.

ورغم أن هذا الرأى يأتى فى إطار تقديم نصائح تكتيكية تهدف إلى إنجاح مشروع التغيير، ومن جهات تحمل احتراما حقيقيا للدكتور البرادعى إلا أنه أيضا يفترض تفوقا عليه فى مسألة المعرفة بالشعب المصرى وهمومه وأولوياته.

والملاحظ أن مسألة «المعرفة بأحوال الجماهير» أخذت فى احتلال حيز متزايد فى السجال السياسى الحالى إلا أن المقصود بذلك لا يخرج عن المعرفة بالاحتياجات المادية للمواطنين والتعاطف مع معاناتهم فى حياتهم اليومية الصعبة ولا يأخذ فى الاعتبار بشكل جدى إحساس الناس بسيادة الفساد والظلم وانعدام الأمل والأمان، كما لا يشمل التعرف على الطريقة، التى تشخص بها القطاعات المختلفة مشاكلها وتصورها لسبل الخروج من مآزقها، وكلها أشياء تنسجم تماما مع مشروع وطنى للإصلاح السياسى.

القول إن الشعب المصرى لا يفهم إلا ما يتعلق بأكل العيش والاحتياجات المادية المباشرة يحط من قدره، ويدلل على أن رؤية النخبة السياسية لتقسيم العمل بينها وبين الشعب يقوم على ثنائية «المخ والعضلات»، وعلى العكس من ذلك فإن البرادعى بإصراره على طرح قضية الإصلاح السياسى كأولوية حالية واعتبارها مطلبا شعبيا ينم عن موقف أكثر احتراما للشعب المصرى، وأكثر اعترافا بأهليته السياسية، وأكثر ثقة فى وعيه بمصالحه من كثير من أفراد النخبة السياسية.. المخلص منهم والمغرض على حد سواء.

التعليقات