نشطاء فلسطين الجدد - هديل غنيم - بوابة الشروق
الأربعاء 29 سبتمبر 2021 3:40 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد تبرع المشجعين والمواطنين للأندية الرياضية للخروج من أزماتها المالية؟

نشطاء فلسطين الجدد

نشر فى : الإثنين 21 أبريل 2014 - 8:00 ص | آخر تحديث : الإثنين 21 أبريل 2014 - 8:00 ص

يجد المتابع للأنباء فى الولايات المتحدة مفارقة ملحوظة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. فهى تبدو متراجعة مترنحة على المستوى الدبلوماسى الرسمى، بينما على مستوى المجتمع المدنى تشى الأخبار بأن القضية تتقدم للأمام بخطى جريئة.

فما ورد فى الأسابيع الماضية عن نتائج القمة العربية وزيارة أوباما للسعودية ثم جولة محادثات السلام الأخيرة التى خابت وتعثرت كالعادة، لا يترك أثرا سوى الملل من تكرار نفس التصريحات الجوفاء واليأس من التوصل لتسوية. وجاء تعليق رتشارد هاس عن خلو لقاء الرئيس الأمريكى وملك السعودية من أى ذكر للشأن الفلسطينى متمشيا مع التحليلات التى أصبحت تخلص إلى أن ثورات وكبوات الربيع العربى أفقدت قضية الصراع العربى الإسرائيلى مكانتها المركزية فى أجندة الدول العربية حيث قال إنها أصبحت مجرد قضية «ثانوية ومحلية لا تهم سوى الفلسطينيين والإسرائيليين».

لكن لا يصمد هذا التحليل إلا على مستوى التحركات الرسمية لحكومات هذه الدول، فمن جانب آخر توالت فى نفس هذه الفترة مجموعة أخرى من الأنباء عن إنجازات ونجاحات متفرقة للقضية الفلسطينية يحرزها تحالف مدنى عالمى يضم مجموعات طلابية وجمعيات أكاديمية ومنظمات حقوقية فيما يعرف بالحركة العالمية لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (بى دى إس). هكذا، يأت نبأ صغير كل يومين أو ثلاثة عن قرار شركة أوروبية ما أو بنك أو جامعة أكاديمية أو فريق غنائى شهير أو كنيسة ما بتلبية ذلك النداء الذى وجهته ١٧٠منظمة مدنية فلسطينية فى يوليو ٢٠٠٥ (بعد عام من إقامة إسرائيل لجدارها العازل) باتخاذ إجراءات عقابية غير عنيفة ضد الاحتلال الإسرائيلى. وهكذا أيضا، وفى أقل من عشر سنوات، نمت هذه الحركة السلمية القاعدية وامتدت شبكاتها وتحالفاتها الأهلية فى كل أنحاء العالم، وفرضت نفسها كتحد رئيس وفعال أمام الاحتلال والاستيطان الإسرائيلى، وأصبحت من أعلى الأصوات الداعمة والمطالبة بالحقوق الأساسية للشعب الفلسطينى.

•••

لقد نجح نشطاء هذه الحركة فى إخراج قضية الفلسطينيين من دائرة الصراع المحلى الضيق لتصبح جزءا من حركة الكفاح العالمية ضد العنصرية والتفرقة والتمييز، وضمن التيار العالمى المطالب بديموقراطية سياسية واقتصادية حقيقية وتحرر من جميع أشكال الاستعمار. وهذا النجاح يعود إلى إصرارهم على المنحى الحقوقى كإطار عام للحركة، واعتمادهم مبادئ حقوق الإنسان العالمية كمرجعية رئيسية. وهذا الاختيار لم يكسبهم مساندة عالمية أوسع فحسب، بل مكّنهم من أفق أعلى فى المطالبة بتحقيق العدالة وأعطاهم شرعية التحدث باسم حقوق الشعب الفلسطينى كله أينما كان وبصرف النظر عن التقسيمات السياسية والقانونية لأفراده (سواء كانوا فلسطينيين تحت الاحتلال أو أقلية داخل إسرائيل أو أحرارا فى سجن غزة المفتوح بالإضافة إلى اللاجئين الفلسطينيين المشتتين حول العالم). ولذلك تجد بينهم المؤيدين لحل الدولة الواحدة وكذلك المؤيدون لحل الدولتين، ولكن الحركة لا تقيدها الحدود الاسمية أو الرسمية للدويلة الموعودة بل تقيد نفسها فقط بحق تقرير المصير الذى يختاره الشعب الفلسطينى والذى يضمن له الحرية والعدالة والمساواة الحقيقية.

وفى جامعات الولايات المتحدة قام نشطاء المقاطعة فى الاتحادات الطلابية بتنظيم حملة موسعة امتدت أسبوعا كاملا للتصويت على قرارات بسحب الاستثمارات الجامعية فى إسرائيل أو مقاطعة الشركات التى تعمل فى الأراضى المحتلة، وقد مرت بالفعل مثل هذه القرارات فى بعض الجامعات وسقطت فى جامعات أخرى. ولكن استطاع هؤلاء النشطاء الشباب (وأكثرهم أمريكيون من أصول فلسطينية ربما لا يستطيع أغلبهم التحدث بالعربية) مع زملائهم وحلفائهم المتنوعين أن يحدثوا بالقضية الفلسطينية جدلا وصخبا فى عدد كبير من الجامعات الأمريكية لم تشهد مثلها منذ أيام حركة الحريات المدنية للسود والنساء، والاحتجاجات على حرب فيتنام، ومناهضة نظام الفصل العنصرى فى جنوب أفريقيا فيما بعد. وقد ساهم فى تعميق هذا الجدل أيضا نشاط الأساتذة والخبراء من خلال دعواتهم للمقاطعة الأكاديمية، وأشهرها قرار المقاطعة الذى صدر من «جمعية الدراسات الأمريكية» فى ديسمبر الماضى ومازالت أصداؤه مستمرة. فالمشهد يتغير بالفعل، ولم تعد إسرائيل فوق النقد.

•••

ومن اللافت أن الشعار الذى تتخذه حركة المقاطعة على موقعها هو «حرية عدالة مساواة»، وكذلك أسماء التجمعات الطلابية فى الجامعات الأمريكية التى تناصر الفلسطينيين مثل «طلاب من أجل العدالة فى فلسطين» و«طلاب متحالفون من أجل المساواة والحرية» لأنها تذكرنا بالشعارات التى رفعها شباب ثورات الربيع العربى فى مصر وتونس والتى خلت من الإشارات الأيديولوجية والهوياتية لرافعيها، سواء عربية أو إسلامية أو ماركسية. الأمر الذى أكسب هذه الثورات فى بداياتها الشرعية الشعبية والوحدة والوضوح قبل أن تتعثر وتضل طريقها فى ضباب حوارات الهوية الضيقة التى لم تخلف سوى الانقسام والضعف والميول العنصرية والفاشية. فالهوية وحدها لا تكفى شعارا أو لواء لحركة سياسية لأنها لا تشمل رؤية واضحة للمبادئ والأخلاق التى تنتهجها أو عن المستقبل الذى تعده. ولعل ذلك الاتساق الأخلاقى لحركة المقاطعة مع توجهها الحقوقى هو الذى يجعلها تصمد أمام الهجمات الشرسة التى تتعرض لها كل يوم على أيدى القوى الصهيونية وحلفاء الحكومة الإسرائيلية الذين يريدون إيقاف نشاطها بادعاء أنها حركة معادية للسامية. بل وعزز موقفها أن لها شركاء ومؤيدين إسرائيليين ويهود أمريكيين ومتدينين من الذين يعارضون سياسات إسرائيل العنصرية المنافية للديموقراطية.

•••

وعلى هذه الأرضية أيضا ربما يلاقى الشعب الفلسطينى مساندة متجددة من الأجيال الجديدة فى العالم العربى التى انصرفت عن قضيته، لا بدافع شعورهم بالانتماء للعروبة أو بسبب غيرتهم على الرموز الإسلامية المقدسة فى فلسطين، ولكن لأنهم يشتركون معا فى كراهية الظلم والقمع والعنصرية ويريدون الحرية والعدالة والمساواة الحقة لأنفسهم ولكل الشعوب المتصلة بهم. فالكبار عندنا يعيبون على الشباب أحيانا أنهم لا يعرفون التاريخ جيدا، وأن حماسهم وغرورهم يجعلهم يبدون مثل الذى تصور أنه اكتشف العجلة من جديد، ولكن ربما تكون هذه الخصائص بالتحديد هى التى تدفع بعضهم لمحاولة تغيير الحاضر، وتحميهم من مشاعر اليأس والملل والانهزامية.

هديل غنيم كاتبة مصرية
التعليقات