مشكلات الهوية ومصائر الحضارة - صحافة عربية - بوابة الشروق
الجمعة 22 نوفمبر 2019 2:34 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

مشكلات الهوية ومصائر الحضارة

نشر فى : الأحد 21 أبريل 2019 - 10:10 م | آخر تحديث : الأحد 21 أبريل 2019 - 10:10 م

نشرت جريدة الاتحاد الإماراتية مقالا للكاتب «رضوان السيد» تحدث فيه عن كتاب عن «سقوط الحضارة» لأمين معلوف وتحليل ظهور مشكلة الهوية فى أوروبا والولايات المتحدة.

ما كدنا نفرغ من قراءة كتاب فرنسيس فوكوياما عن «الهوية» (2018) باعتبارها مظهرا من مظاهر التأزم فى ثقافات العالم المعاصر، حتى ظهر كتاب الكاتب الفرنسى اللبنانى الأصل أمين معلوف عن «سقوط الحضارة». فوكوياما، وهو كاتب سياسى واستراتيجى، ينصرف لدراسة المشكلة أسبابا ونتائج ليحاول اقتراح حلول لها فى الغرب. وفى نظره أن الهجرة هى بين مثيرات المشكلة لكنها ليست كل شىء فيها. وبالنسبة للولايات المتحدة فإن مشكلات الهجرة المعنى بها الهجرة من المكسيك. وهو يقدِّر عدد المهاجرين غير الشرعيين بما يقارب الأحد عشر مليونا، معظمهم موجودون فى الولايات المتحدة من أكثر من عشر سنوات. ومعظم الأمريكيين يميلون لأمرين:

تسوية مشكلة من دخلوا الولايات المتحدة بالفعل، وتشديد قوانين الهجرة، بحيث لا تتراكم المشكلة أو تتفاقم من جديد. لكنّ قلة قوية فى الولايات المتحدة ترفض هذا الحل، وهذه القلة تلقت دفعة تأييد من كلام وإجراءات الرئيس ترامب، مع أن الجدال قائم قبله.

هل ظهرت مشكلة الهوية فى أوروبا والولايات المتحدة بسبب الهجرة؟ يرى فوكوياما أنّ المسألة مسألة وعى أكثر منها مسألة واقع. بمعنى أن تجمعات اليمين الرافضة للهجرة تملك أجندة طويلة أحد بنودها الهجرة. إنه إحساس لدى فئات العامة والفئات الاجتماعية الصغرى بأنّ العولمة الجارفة نحّت خصوصيات الناس. وفيما كانت المسيحية الوسيطة فى أوروبا شديدة الضيق بالآخر، بل وانقسمت على نفسها فى ديانتين كبيرتين، تبدو اليوم أكثر رحابةً بكثير. ووجهة نظره أنه ربما يعود ذلك إلى أنّ نظام العالم صنعته أوروبا وأفادت منه فى راحتها المادية والثقافية، بينما المسلمون على العكس من ذلك؛ فقدوا الميزات التى تمتع بها أسلافهم، وصاروا متسولين على أبواب العالم المتقدم.

وأمين معلوف عربى أصيل، لذلك يعود فى كتابه الأخير عن «سقوط الحضارة» إلى الموضوع العربى أيضا. والده لبنانى كان مستقرا فى مصر، لذلك فوالدته مسيحية مصرية. ولأنه كان تاجرا متمولا، فقد تأثرت أحواله بتأميمات جمال عبدالناصر، فعاد مثل كثيرين إلى لبنان أواخر الخمسينيات. وبالطبع ما كان يهوى عبدالناصر، وصار يمينيا مسيحيا بعكس ابنه أمين الذى نشأ يساريا وأحبّ جمال عبدالناصر وعروبته، ثم انتمى للمقاومة الفلسطينية، مثل سائر شبان اليسار، إلى أن كسرت ذلك كله هزيمة 1967. إنّ التفكك الذى يحدث فى الاتحاد الأوروبى (وبخاصة البريكست البريطانى) لا علاقة مباشرة له بالهجرة (فى بريطانيا بالذات) رغم كثرة الحديث عنها. الاتحاد الأوروبى يوزع على أعضائه ميزات لا حصر لها، ومع ذلك فالإجماع الوحيد داخل الاتحاد اليوم هو ضرورة الانفصال، فالهوية وعى ظهر وما عاد يمكن رده بأى وسيلة. وقد تفاقمت الشعبويات، والطريف أنها ناشرة للكراهية تجاه الآخر (وهو المسلم الآن)، لكنّ الانفصال المُراد هو عن دول أوروبية أخرى وليس عن المطلب التركى السابق بالانضمام للاتحاد الأوروبى مثلا. إنه تأزمٌ صنعته الشعبويات، ومنها الشعبوية الترامبية، لكنْ مَنْ صنع الشعبويات؟ هذا الأمر الظاهر فى العالم الغربى كله وفى الهند وأماكن أخرى كثيرة يظل صعب التعليل، وإنما على المرء أن يكتفى مؤقتا بوصف المظاهر النافرة لتلك العصبيات المتصاعدة.

لقد سبق لأمين معلوف أن أصدر فى السنوات العشر الأخيرة كتابين نظريين يعالجان مسائل الاختلال هما «الهويات القاتلة»، و«اختلال العالم». لقد اشتهر معلوف برواياته التاريخية عن العالم الإسلامى الوسيط، والتى تطرح دائما مشكلات إنسانية عامة. لكنه فى «الهويات القاتلة» مضى نحو تحليل حضارى: لماذا هذا الضيق الهوياتى فى العالمين العربى والإسلامى؟ وهو ضيق لا يبدو فى الانقسامات الداخلية وحسب، بل فى ممارسة العدوان ضد العالم أيضا. الحضارة الإسلامية الوسيطة كما عرفها عن كثب فى البحوث التى يؤسس عليها رواياته كانت شديدة الرحابة وهى ليست كذلك اليوم.

وفى «سقوط الحضارة» يرى معلوف أنّ النظام العالمى الذى تصدع فى الحرب الباردة، وكان من مظاهر تصدعه هزيمة عام 1967، ما عاد إليه الالتئام والانتظام بعد سقوط الاتحاد السوفييتى، وحلول زمن الهيمنة الأمريكية، ثم موجات العولمة المتزايدة، والاضطراب فى كل مكان. لذا فهو يرى فى هذا التطور، والذى منه الهويات والشعبويات، سقوطا للحضارة راقبه هو وأبناء جيله عندما كان يحدث فى مصر والعالم العربى، ثم جرى مثله فى يوغوسلافيا، وهو الآن يضم العالم كله بدون ضوابط. والأمر بالنسبة له مدعاةٌ للحزن والخوف، لكنه واقعٌ لا مخرج منه، لا باتجاه الصين والهند، ولا باتجاه العالم العربى الذى صارت شعوبه مثل القطة على سطح من الصفيح الساخن، كما فى عنوان رواية «تنيسى وليامز!».

التعليقات