يتعين على نظام السيسى تلبية مطالب الأطباء - جورج فهمي - بوابة الشروق
الجمعة 19 أغسطس 2022 5:13 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد سلسلة انتصارات الفارس الأبيض.. برأيك من بطل الدوري العام ؟

يتعين على نظام السيسى تلبية مطالب الأطباء

نشر فى : الإثنين 22 فبراير 2016 - 9:00 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 23 فبراير 2016 - 10:40 ص

خلال محاضرة للدكتور أحمد يوسف قبل سنوات فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية حول الحقبة الناصرية، اعترض أحد الطلبة على الحديث حول شعبية ناصر الجارفة فى نفوس المصريين، مؤكدا أن نظام عبدالناصر سجن وعذب العديد من المصريين، فرد أحمد يوسف بهدوئه المعتاد بأن عبدالناصر لم ينكل بالمصريين لكن بمعارضيه.

بهذه العبارة البسيطة شرح أحمد يوسف أحد أركان الاتفاق بين دولة يوليو 1952 وبين المجتمع المصرى القائم على ابتعاد المواطن المصرى عن العمل السياسى المعارض للنظام، فى مقابل الحياة الآمنة له ولأسرته. ظل نظاما السادات ومبارك وفيين لهذا الاتفاق غير المكتوب، وكذا معظم المجتمع المصرى.

فحتى مع تفاقم نشاطات الجماعات الإسلامية المسلحة، اعتمد نظام مبارك ما درج على تسميته «القمع الانتقائى»، والذى يعنى ضبط درجة القمع طبقا لدرجة خطورة الفعل السياسى. فالتعامل مع الجماعات الإسلامية العنيفة يختلف عن التعامل مع جماعة الإخوان المسلمين أو مع المعارضة المدنية. إلا أن المؤسسة الأمنية أصابها خلال عهد مبارك ما أصاب مؤسسات الدولة الأخرى من تدهور فى أدائها. فالجهاز الأمنى الذى بدأ قادرا على القمع بكفاءة، إذا جاز التعبير، بمعنى قيامه فقط بالتنكيل فقط بالمعارضين وليس بعموم المصريين، وبشكل متوازن طبقا لمدى خطورة العمل السياسى المعارض، تراجعت كفاءته. فبدأت زيادة فى حالات استهداف الأبرياء ممن ليسوا بالضرورة معارضين للنظام، أو ممن حتى لا يعملوا فى السياسة أساسا. وتزامن هذا التصاعد فى وتيرة القمع العشوائى مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعى مع قدرتها على نشر أخبار تلك التجاوزات على نطاق واسع، ما ضاعف من تأثيرها على المجتمع.

***
لقد عرفت مصر خلال السنوات القليلة التى سبقت ثورة 25 يناير 2011 حدثين فارقين أدى فيهما تراجع كفاءة القمع إلى ردود فعل واسعة: أحداث مدينة المحلة الكبرى فى 2008 ومقتل خالد سعيد فى 2010. وخلافا لما يعتقده الكثيرون، لم تشتعل أحداث المحلة الكبرى نتيجة لإضراب العمال، بل انطلقت شراراتها الأولى بعد أن قبل العمال بالفعل تعليق إضرابهم وبسبب احتكاك الأعداد الكبيرة لقوات الشرطة بالأهالى، مما دفع أهالى المحلة إلى التظاهر، فكانت انتفاضة المحلة التى أسقطت فيه صورة مبارك للمرة الأولى أمام عدسات المصورين. وجاءت بعدها حادثة خالد سعيد فى العام 2010 الذى فقد فيها شاب سكندرى حياته تحت وطأة التعذيب، لتبعث برسالة واضحة إلى الكثير من الشباب مفادها أن القمع فى مصر بات عشوائيا ولم يعد فقط يستهدف المعارضين السياسيين، بل امتد إلى كل من يلقى به حظه العثر فى طريقه. بعدها بأشهر قليلة خرج هؤلاء الشباب ضد نظام مبارك فى ثورة 25 يناير 2011 آملين فى بناء دولة جديدة توفر لهم الحرية والكرامة. وعقب خمس سنوات شهدت تقلبات سياسية عنيفة، واستقطابا حادا داخل المجتمع بين التيار الإسلامى والقوى المدنية، عادت مؤسسات الدولة المصرية لتتصدر المشهد السياسى فى يوليو 2013 وسط دعم وقبول من قطاعات واسعة من المجتمع المصرى. وقد ناصب هؤلاء جماعة الإخوان المسلمين العداء، ورأوا فى الحفاظ على مؤسسات الدولة المصرية أولوية على الحرية السياسية.

إلا أن المؤسسة الأمنية عادت لتتجاوز فى قمعها معارضى النظام الحالى لتستهدف مواطنين مصريين فى مكان عملهم، كما حدث قبل أسابيع فى مستشفى المطرية من تعرض الطاقم الطبى إلى اعتداء من قبل قوات الأمن. هذا الحادث أطلق رسالة عنيفة إلى الأطباء ومن خلفهم قطاعات واسعة من المجتمع، مفادها أن عشوائية القمع التى عرفتها مصر خلال سنوات مبارك الأخيرة لا تزال على حالها، وأن الابتعاد عن العمل السياسى المعارض، بل وحتى دعم النظام الحالى وسياساته، لا تحمى صاحبها من بطش ماكينة القمع. وفى حالة أطباء المطرية، لا يتعلق الأمر بنشاط سياسى، ولا حتى بالتواجد فى المكان الخطأ بالصدفة، فالطبيبان كانا فى مكان عملهما، وهو ما دفع آلاف الأطباء للاستجابة إلى الجمعية العمومية الطارئة التى دعت إليها النقابة والتى رفعت شعار جمعية الكرامة.

تشكل هبة الاطباء للدفاع عن كرامتهم تحديا جديا للنظام السياسى فى مصر. وتكمن خطورة هذا التحدى أنه يأتى من خارج الفئات المعارضة للنظام السياسى الحالى، بل من دوائر أيد العديد منها ترشح عبدالفتاح السيسى للرئاسة أو على الأقل رأت فى وجوده ضرورة للحفاظ على استقرار الوطن. وعليه فقد قبلت بتأجيل حرياتها السياسية فى مقابل الحياة الآمنة، وهى الآن تطالبه بأن يتدخل لوضع حد لعشوائية العنف وضمان أمنها طبقا للاتفاق غير المكتوب بينهما.

https://twitter.com/GeorgesFahmi

 

جورج فهمي أستاذ مساعد بالجامعة الأوروبية بفلورنسا
التعليقات