مؤتمر الأزهر العالمى لتجديد الفكر الإسلامى.. دين بلا ثقافة! - أحمد عبدربه - بوابة الشروق
الخميس 28 مايو 2020 6:54 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

مؤتمر الأزهر العالمى لتجديد الفكر الإسلامى.. دين بلا ثقافة!

نشر فى : السبت 22 فبراير 2020 - 9:20 م | آخر تحديث : السبت 22 فبراير 2020 - 9:20 م


فى الجلسة الثالثة لمؤتمر الأزهر والتى ترأسها الأستاذ الدكتور محمود الهباش قاضى قضاة فلسطين ومستشار الرئيس الفلسطينى للشئون الدينية، تداخل فيها أربعة متحدثون، الأول هو الدكتور سمير بو دينار رئيس مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بوجده ــ المملكة المغربية، والدكتور مصطفى الفقى رئيس مكتبة الإسكندرية، والشيخ محمد أحمد حسين المفتى العام للقدس، وأخيرا الدكتور سامى بن مشعل الظفيرى من المملكة العربية السعودية وكانت الجلسة تحت عنوان «تصحيح المفاهيم المغلوطة فى الإسلام».
كانت المداخلة الأقوى والأعمق والأهم هى للمتحدث الأول الدكتور بو دينار حيث تحدث فيها عن مفهوم الجهاد والشكل الذى يسوق به فى الفضاء الإلكترونى. كعادة مداخلات علماء شمال إفريقيا ــ وهو الأمر الذى نوهت إليه فى المقالة الافتتاحية لهذه السلسلة ــ جاءت مداخلة د. بو دينار مباشرة ومحددة ومختصرة بعيدة عن لغة السجع المبالغ فيها والتى كانت السمة الأبرز لعدد كبير من جلسات المؤتمر. تحدث الدكتور بو دينار أولا عن لغة عصر العولمة حيث المعلومات السريعة المختصرة سريعة التداول بغض النظر عن دقتها أو عمقها وهو ما ساعد بعض الجماعات المتطرفة فى التسويق لمصطلح الجهاد بعيدا عن معناه وضوابطه.
تحدث د. بو دينار عن أن الخطاب الجهادى المتعولم هو خطاب دينى سطحى متطرف يجد ضالته فى الشباب الباحث عن استعادة الهوية المفقودة وخصوصا فى ظل عصر تم العودة فيه إلى التدين ولكن دون ثقافة ودون عمق بحيث أصبح التدين شكليا مما عزز من الخطاب المتطرف الذى يدعو إلى الجهاد على غير المعنى الحقيقى للمصطلح. أوضحت هذه المداخلة العميقة ضوابط مفهوم الجهاد وعمقه ليشمل مجاهدة النفس والسعى إلى تحقيق العدل والسلام والإخاء وهو بهذا ــ أى الجهاد ــ ليس موقفا عقائديا ضد غير المسلمين ولكنه موقفا مبادئيا لتحقيق قيمة العدل باعتبارها القيمة الأهم التى جاء الإسلام لتحقيقها.
ركزت كذلك تلك المداخلة على الخطب الدينية الشعبوية المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعى والتى لا تركز إلا على قشور القضايا وتبعد عن القضايا الرئيسية التى يجب أن يهتم بها المسلم وتقفز على الحقائق لتقدم صورة مثالية حالمة عن مجتمعات الصفاء الكامل للأولين داعية إلى إقامة الخلافة الإسلامية والترويج لها باعتبارها المخلص لمشاكل الشباب وأزمات هويتهم.
كنت أتمنى أن تستمر مداخلة الدكتور بو دينار الممتعة أكثر من ذلك وخصوصا أننى كنت مهتما أن أسمع منه تصوره لمعالجة هذه القضية المهمة وخصوصا تركيزه على افتقاد موجة العودة إلى الدين العنصر الثقافى فتحول التدين إلى موجة شعبوية دون عمق ولا تأسيس وهى نقطة فى منتهى الخطورة أحييه كثيرا لإثارتها وأحييه بشكل أكبر للغته الحصيفة الأكاديمية التى قدمت العلم والمنهج عن لغة النفاق والرياء والمبالغة فى السجع التى عانى منها البعض الآخر.
***
المداخلة الثانية كانت من نصيب الدكتور الفقى والتى لابد من الاعتراف أنها فاجأتنى كثيرا، فبعكس مداخلات كثيرة تحدث فيها الدكتور الفقى وكنت حاضرا لبعضها ومتداخلا مع بعضها الآخر، فقد جاءت مداخلته أولا بعيدة عن موضوع الجلسة ــ وربما كان هذا خطأ المنظمين لا أدرى ــ ولكن الأهم أنها جاءت شديدة الارتباك غارقة فى الترويج لنظرية المؤامرة بشكل مثير للدهشة وخصوصا حينما يأتى الأمر من الدكتور الفقى الذى لطالما استمعت إلى مداخلاته وكتاباته الفكرية التى كانت تنتقد الإغراق فى نظرية المؤامرة! تحدث الدكتور الفقى عن مفاهيم متعددة بشكل متشابه مثل «الخلاف»، «الاختلاف»، «الانقسام» غير مفرق بين السياسى منها والتنظيمى والفكرى، معتبرا إياها السبب الأهم فى طمع غير المسلمين وغير العرب وتجرؤهم على المسلمين والعرب مستدعيا بعض الخبرات التاريخية الإسلامية مثل ضياع الأندلس ومحملا إياها لصراع أمراء الطوائف وكذلك فقد استدعى القضية الفلسطينية منوها أن خلاف الفصائل الفلسطينية وحالة الانقسام العربى والفلسطينى هى سبب لظهور البيئة الحاضنة للتنظيمات الإجرامية غير الشرعية، مؤكدا على أنه لو كانت الأمة الإسلامية «على كلمة سواء» ما كان هذا حالها وما تربص بها أعداؤها، وما نال منها خصومها ولكننا أعطيناهم المبرر من خلال ما نحن عليه حتى اللحظة»! ثم أسهب الدكتور الفقى الحديث عن «أهل الشر» وتسربهم إلى المنطقة العربية من خلال خلافاتنا وعدم قدرتنا على التوصل إلى كلمة سواء مما جعلنا «أيتاما على مائدة اللئام»! والحقيقة فالمداخلة ربما أطربت بعض السامعين، ولكنها وبكل أسف وقعت فى أخطاء التعميم وعدم التعمق التى ربما تسعد الكثيرين ممن يطربون لحديث المؤامرات وأهل الشر، ولكن بكل تأكيد فإنها لا تتطرق لأصل مشاكل الحكم والسياسة فى الدول العربية بالأساس وفى بعض الدول الإسلامية وهى مشاكل لا علاقة لها بالخلاف ولا بعدم التمكن من الوصول إلى كلمة «سواء» لأن هذه الكلمة السواء المتخيلة هى مجرد تصور نظرى لا يمكن أبدا تحقيقه فى الواقع المعاصر، ولكن تكمن المشكلة دائما فى عدم التوصل إلى آليات لإدارة الخلافات نتيجة الاستئثار بصنع القرار وهو ما أشار إليه الدكتور الفقى بالفعل ولكن بشكل سريع ومختصر حينما عرج على آلية التحكيم بين على بن أبى طالب ومعاوية والتى لم يتم احترامها مما أدى إلى إحداث ما يسمى بـ«الفتنة الكبرى».
كنت أتمنى لو استفاض الدكتور الفقى وهو المفكر الكبير فى هذه النقطة بدلا من التركيز على أهل الشر وغيرها من أمور فرعية لا تساعد فى تقديم أى أساس لخطاب التجديد. أحسن الدكتور الفقى على الرغم من ذلك بإنهاء حديثه بالتأكيد ــ عكس معظم مداخلته ــ على قبول الاختلاف والتنوع والانفتاح على الآخر باعتباره أساس ومحور عملية التجديد.
***
رفض رئيس الجلسة كلمة الدكتور الفقى بخصوص القضية الفلسطينية محملا إياها لمواقف بعض الدول العربية من القضية وليس إلى الخلافات الفلسطينية كما قال الدكتور الفقى وهو الأمر نفسه الذى فعله المتحدث الثالث الشيخ محمد أحمد حسين مفتى القدس. أكد الشيخ حسين فى مداخلته على مبادئ هامة واستفاض شرحا وبشكل موفق وعميق ومبسط فى الوقت نفسه إلى مبدأ المواطنة باعتباره أحد أهم أركان التجديد فى الفكر الإسلامى والحصن الأول ضد التطرف والإرهاب والانسلاخ من الانتماء الوطنى، مؤكدا بدوره على التنوع والقبول بالاختلاف مفرقا بين اليهودية وبين الصهيونية ومنبها أن المسلم لا يعادى اليهودى ولكنه يعادى المغتصبين للأوطان المحتلين للبلاد.
ثم تحدث أخيرا الدكتور سامى الظفيرى ليضع ضوابط هامة فى قضية التكفير وشروطها والمتمثلة فى البلوغ والرشادة والعزم والأهم من كل ذلك تأكيده أن التكفير هو فعل قاصر على العلماء والسلطات المخول لها الحكم الشرعى وليس من حق أحاد الناس أو سفهائهم. والحقيقة أنه ورغم أهمية كلمة الدكتور الظفيرى المختصرة إلا أن الحديث عن التكفير يحتاج إلى مداخلات أوسع وأعمق، فرغم أهمية عدم التوسع فى إعطاء السلطة التكفير لعوام الناس، إلا أن هذا التقييد فى حد ذاته لا يضع حدا للأزمة ولن يسلب الجماعات المتطرفة قدرتها على التكفير، فمن ناحية لن تعدم الجماعات المتطرفة الحجج لتثبت لأتباعها أنها صاحبة سلطة شرعية فى الحكم بالكفر على الآخرين، ومن ناحية أخرى وهو الأهم فى تقديرى أن مشكلة فعل التكفير ليس الوصف فى حد ذاته، ذلك أنه ومن الناحية المنطقية الفلسفية البحتة فإننا كلنا نؤمن بما يكفر به آخرون، ونكفر بما يؤمن به آخرون، الأزمة هى فى العواقب المادية والمعنوية التى يؤدى إليها التكفير، فمعنويا فإن التكفير يؤدى إلى الاستبعاد المجتمعى والتقليل من شأن الآخر وضرب قيم المواطنة فى مقتل، ومن الناحية المادية فإن التكفير يترتب عليه عقوبة القتل والمعاداة وهو أهم سلاح فى يد الجماعات الإرهابية، وبالتالى فمداخلة الدكتور الظفيرى على أهميتها فهى تظل تقليدية لا تجديدية لأنها تتعامل مع قضية التكفير من منطلق تحديد سلطة صنع قراره، لا من حيث معالجة آثاره المادية والمعنوية وهو الجهد المطلوب بشدة من علمائنا فى ظل عملية تجديد الفكر الإسلامى فى المرحلة الحالية.
انتهت الجلسة الهامة، وأكمل باقى الجلسات فى المقالات القادمة.
تصحيح: ورد فى مقال الأسبوع الماضى أن الدكتور أكمل الدين إحسان أوغلو الذى ترأس الجلسة الأولى هو الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامى، وفى الحقيقة لقد اعتمدت فى هذا الوصف على ما ورد فى قناة الأزهر حيث تم تعريفه بهذه الصفة، ولكن الصحيح أنه الأمين العام السابق للمنظمة والعضو الحالى للبرلمان التركى، لذا لزم التصحيح.
أستاذ مساعد زائر للعلاقات الدولية بجامعة دنفر.

أحمد عبدربه مدرس النظم السياسية المقارنة بجامعة القاهرة وأستاذ مساعد زائرللعلاقات الدولية بجامعة دنفر