الإرهاب فى القرن الإفريقى - قضايا إفريقية - بوابة الشروق
الإثنين 15 يوليه 2024 2:46 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

الإرهاب فى القرن الإفريقى

نشر فى : السبت 22 يونيو 2024 - 7:20 م | آخر تحديث : السبت 22 يونيو 2024 - 7:20 م

يعانى القرن الإفريقى أزمات هيكلية مركبة متمثلة فى الصراعات السياسية، والخلافات الإثنية والعرقية والنزاعات الحدودية، فضلًا عن الهشاشة الأمنية، وهو ما يخلق بيئة حاضنة لتمدد وانتشار التنظيمات الإرهابية، لا سيما تنظيمى «الشباب الصومالى» و«داعش»، حيث يسعى التنظيمان إلى توسيع مساحات العمل وجغرافيا الانتشار، الأمر الذى يستدعى تحليل هذا المشهد المتشابك عبر استعراض فواعله الأساسية، وسياقه الحالى، وتداعياته المستقبلية.

• • •

يأتى على رأس هذه التنظيمات حركة الشباب الصومالية التى تعد التنظيم الإرهابى المسلح الأكبر والأقوى فى الصومال. ويقودها فى الوقت الحالى أحمد عمر، المعروف أيضًا باسم أبوعبيدة الصومالى، وتدين بالولاء لتنظيم القاعدة منذ عام 2012. تشكلت الحركة فى عام 2002 وتبلور نشاطها فى عام 2006؛ حيث تم الإعلان عنها بصفتها الذراع العسكرية لاتحاد المحاكم الإسلامية، الذى كان يسيطر على العاصمة الصومالية «مقديشيو» آنذاك، غير أنها أعلنت انشقاقها عنه فى عام 2007، بعد تحالفه مع المعارضة الصومالية.

مرت الحركة بمراحل تراجع فى فترات مختلفة، لكنها نجحت فى فرض نفسها كفاعل رئيسى فى الصومال من خلال سيطرتها على مناطق عدة فى الوسط والجنوب، كما امتد نشاطها إلى بعض البلدان المجاورة مثل إثيوبيا وكينيا. وقدّر تقرير أممى صادر فى يناير الماضى عدد عناصرها بنحو 7 آلاف إلى 12 ألف عنصر، ولفت إلى بلوغ حجم إيراداتها نحو 100 مليون دولار سنويًا من الإتاوات، وعمليات القرصنة، فضلًا عن ارتباطها بعصابات الجريمة المنظمة.

أعلن الرئيس الصومالى حسن شيخ محمود فى عام 2022 عن شن حرب شاملة على الحركة تستهدف نفوذها، حيث بدأت الحكومة الصومالية حملة عسكرية ضدها؛ ما أسفر عن تكبدها خسائر فادحة على خلفية الغارات الجوية ضد قياداتها وعناصرها، لكنها لا تزال صامدة وقادرة على تنفيذ هجمات واسعة. فى سياق موازٍ، شهدت الصومال أيضًا صعودًا لتنظيم داعش فى أكتوبر 2015، بقيادة عبدالقادر مؤمن بعد انشقاقه عن حركة الشباب، وتمركز نشاطه فى ولاية بونتلاند شمال شرق الصومال، وعزز التنظيم صفوفه بعد انضمام منشقين آخرين عن حركة الشباب، ولفت تقرير أممى صدر فى يوليو 2023، إلى أن التنظيم يضم ما بين 100و200 عنصر، ووفقًا لتقرير أممى آخر فى فبراير 2023 حقق التنظيم نحو 100 ألف دولار شهريًا من خلال الضرائب غير المشروعة.

فى سياق ثالث، شهدت الساحة الصومالية احتدام الصراع بين كل من حركة «الشباب» وتنظيم «داعش» منذ ظهوره فى الصومال، على خلفية قيامه باستقطاب عناصر من الأولى، معولًا فى ذلك على جاذبية الفكر الداعشى من ناحية، وعلى الانقسامات التى تقع داخل الأولى من ناحية أخرى. إذ تدرك حركة الشباب أن هدف داعش ليس مقتصرًا على الحضور فى الأراضى الصومالية فقط، بل يطمح فى إقامة ولاية داعشية، عبر التمدد فى مناطق سيطرتها، الأمر الذى اعتبرته تهديدًا واضحًا لنفوذها. حيث تتركز الأسباب الرئيسية فى الصراع بينهما حول الهيمنة ومصادر التمويل والدعم المالى واللوجستى.

• • •

يأتى نشاط التنظيمات الإرهابية فى منطقة القرن الإفريقى مرتبطا بالتحديات التى تواجهها الدولة الصومالية من ناحية، فضلًا عن التحديات التى يشهدها الإقليم من ناحية أخرى، ويمكن استعراض أبرز ملامحه على النحو التالى:

أولا: إشكالية الدولة الصومالية: تتسم الدولة الصومالية بعدد من التحديات الهيكلية التى تنصرف إلى تقويض قدرتها على التعاطى مع الأزمات الأمنية والسياسية التى تواجهها، إذ تشهد حالة من عدم الاستقرار السياسى على خلفية اعتماد صيغة المحاصصة العشائرية كآلية لتقاسم السلطة فى البلاد، التى تمثل حافزًا رئيسًا لتنامى التمييز السياسى والإدارى ضد الأقليات القبلية، ومن ثَمّ تتجدد النزاعات القبلية نتيجة لمطالبة بعض العشائر الفرعية بالمساواة مع العشائر الأخرى فى التمثيل السياسى.

هذا إلى جانب التحديات التى تواجه النظام الفيدرالى الصومالى، نتيجة لعدم انسجام البنية الاجتماعية والثقافية للمجتمع الصومالى مع ديناميكيات النظام الفيدرالى، فضلًا عن غياب الأطر القانونية والدستورية التى ترسم محددات العلاقة بين الحكومة المركزية وبين حكومة الولايات، كذلك تنامى التقارب بين حكومات الأقاليم الصومالية وإثيوبيا. وانعكس ذلك فى توقيع مذكرة التفاهم بين إثيوبيا وحكومة أرض الصومال فى يناير الماضى، بموجبها تتمتع أديس أبابا بالوصول إلى البحر الأحمر تمهيدًا لإقامة قاعدة بحرية تجارية، مقابل اعتراف الحكومة الإثيوبية بـ«أرض الصومال» كدولة مستقلة، وهو ما اعتبرته الحكومة المركزية الصومالية «انتهاكًا» لسيادة الصومال، واستغلته حركة الشباب عبر إطلاق حملة تجنيد واسعة مستفيدة من الغضب الصومالى إزاء هذه المذكرة.

ثانيًا: الصراعات السياسية: يعد أحدث هذه الصراعات الصراع الحالى فى السودان الذى اندلع فى أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع، حيث اتسع نطاقه الجغرافى، وتراجعت فرص تسويته على خلفية تعثر المسار الدبلوماسى.

وفى هذا السياق، حذر تقرير صادر عن وكالات الاستخبارات الأمريكية فى مارس الماضى من أن السودان يخاطر بأن يصبح بيئة مثالية للشبكات الإرهابية. حرى بالذكر تناول مشهد الصراع فى إقليم تيجراى، الذى اندلع فى نوفمبر 2020، على خلفية إعلان كل من الحكومتين الفيدرالية فى أديس أبابا والإقليمية فى تيجراى أن الأخرى غير شرعية، وترتب على ذلك وقوع هجمات وحشية على المدنيين والمدنيات، ونزوح ملايين الأشخاص، وهو ما انصرف إلى ارتدادات متعددة امتدت إلى دول الجوار الجغرافى. وبالرغم من توقيع اتفاق بريتوريا بين الجانبين فى نوفمبر 2022 لوقف الأعمال العدائية، لكنه يظل هذا اتفاق هش نتيجة لوجود فرص ومحفزات لتجدد الصراع فى الإقليم مرة أخرى.

ثالثًا: النزاعات الحدودية: تمثل النزاعات الحدودية بعدًا مهمًا فى تفسير سياق منطقة القرن الإفريقى المضطرب، ويعد أبرزها، النزاع البحرى بين الصومال وكينيا. كذلك النزاع الحدودى بين إثيوبيا والسودان على منطقة الفشقة، والذى شهد مراحل متعاقبة من التصعيد المسلح بين عامى 2020 و2022. كذا الصراع بين السودان وجنوب السودان حول منطقة أبيى، إذ ظلت هذه الأزمة عالقة دون حل بعد انفصال جنوب السودان عن السودان عام 2011؛ مما يترتب عليه تجدد التوترات من حين لآخر.

• • •

ثمة تداعيات متعددة قد تنصرف إلى نشاط التنظيمات الإرهابية فى سياق إقليم القرن الإفريقى المضطرب، منها: أولًا: اتساق نطاق التهديد وتمددها فى المنطقة، لا سيما فى ظل الوضع الأمنى المضطرب الذى تعانيه القارة الإفريقية على وجه العموم، والقرن الإفريقى على وجه الخصوص، إذ يؤدى توسع العمليات الإرهابية إلى زيادة مستويات العنف الموجهة للسكان المدنيين. ثانيا: تدفق المقاتلين الأجانب: قد يؤدى توسع النشاط الإرهابى فى منطقة القرن الإفريقى إلى تدفق المقاتلين الأجانب بشكل متزايد، لا سيما فى ضوء ما لفتت إليه تقارير عدة بشأن تدفق العديد من المقاتلين إلى القرن الإفريقى. وتكمن خطورة هؤلاء فى جملة من العوامل الرئيسية؛ يتعلق أولها: بتعزيز قدرة التنظيمات الإرهابية على الصمود أمام الضغط الأمنى.

وينصرف ثانيها: إلى تطوير استراتيجيات قتال تلك التنظيمات على المستويين العملياتى والتكتيكى، على خلفية الخبرات التى اكتسبها هؤلاء من مناطق الصراع المختلفة. ويتصل ثالثها: إلى تحول هؤلاء إلى حلقات وصل بين التنظيمات الإرهابية الداخلية والخارجية. ويدور رابعها: حول التوسع فى استهداف المدنيين والمدنيات، إذ وجدت الدراسات الحديثة أن وجود مقاتلين أجانب فى مناطق الصراعات قد يزيد من مستويات العنف ضد العزل بما فى ذلك العنف الجنسى.

ثالثًا: تهديد الأمن الإقليمى: لفتت العديد من التقارير إلى التنسيق الجارى بين إيران ووكلائها وحركة «الشباب»، إذ أفاد مسئولون كبار فى الحكومة الصومالية، أن اهتمامات طهران بالقرن الإفريقى تتضمن إقامة علاقات سرية مع حركة «الشباب»، وذلك من أجل استخدام الصومال لنقل الأسلحة إلى الحوثيين فى اليمن ونقل الأسلحة إلى دول أخرى مثل كينيا وتنزانيا وموزمبيق. وفى السياق ذاته، كشفت المخابرات الأمريكية، فى يونيو الجارى، عن مساعٍ لتسليح الحوثى فى اليمن حركة الشباب لا سيما فى ضوء استراتيجية التقارب مع إيران التى تنتهجها القيادة المركزية لتنظيم القاعدة، ومن ثَمّ يحمل هذا المشهد ارتدادات كبرى على الأمن الإقليمى، إذ إن التنسيق بينهما ينصرف إلى تصاعد التهديد فى البحر الأحمر وخليج عدن.

رابعًا: تعاظم الارتباط بين الفواعل العنيفة: ظهرت أعمال القرصنة مرة أخرى قبيل السواحل الصومالية بعد تراجعها لسنوات، حيث هاجم قراصنة صوماليون فى ديسمبر الماضى أربع سفن مستغلين نقل السفن الحربية الأمريكية من المحيط الهندى إلى البحر الأحمر، على خلفية سلسلة الهجمات التى شنها الحوثيون. وقد لفتت التقارير إلى تشكيل تحالف بين حركة الشباب والقراصنة، حيث توفر الأولى الحماية للثانية مقابل الحصول على نسبة كبيرة من عائدات الفدية. ويتجلى هذا التعاون أيضًا فى استخدام القراصنة لأسلحة متقدمة، التى ربما تم الحصول عليها من خلال شبكة تهريب الأسلحة التابعة للأولى. وعلى الرغم من أن هذا التحالف ليس بالجديد فإن إعادة إحيائه يشكل تهديدات كبرى فى ظل الوضع الأمنى شديد الاضطراب.

• • •

مجمل القول، يشهد القرن الإفريقى تحديات كبرى تنصرف إلى حالة الاضطراب السياسى التى تتيح مساحات واسعة لنشاط التنظيمات الإرهابية، وتظل التسويات السياسية للصراعات بجانب تحقيق معدلات تنمية مرتفعة للحد من الفقر وتجفيف منابع التجنيد، عوامل رئيسية فى تقويض نفوذ التنظيمات الإرهابية، ومنعها من التمدد، على أن يأتى ذلك بالتوازى مع الجهود الأمنية والعسكرية التى تلعب دورًا بارزًا فى تفكيك البنية التحتية للتنظيمات الإرهابية ومحاصرة نشاطها.

 

 

التعليقات