أمل الفلاح الفصيح - داليا شمس - بوابة الشروق
الأحد 8 ديسمبر 2019 5:54 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

أمل الفلاح الفصيح

نشر فى : الأحد 23 فبراير 2014 - 8:35 ص | آخر تحديث : الأحد 23 فبراير 2014 - 8:35 ص

دعونا نتخيل منظر الرسام الفذ حامد عبدالله ــ كما وصفه أبناؤه ــ وهو جالس أمام لوحته يعمل بإيقاعه المتدفق، مرددا عبارات الفلاح الفصيح كما وردت فى كتابات الفراعنة، وقد حفظها عن ظهر قلب.. كان يرسم بالفعل الفلاح الفصيح، وظل يرسمه قبل وبعد ثورة يوليو، وفى مراحل مختلفة من حياته وتاريخ البلاد.. الفلاح نفسه رافعا ذراعيه مهللا، وكأنه يستدعى الأمل، هو ذات الفلاح الذى يقاوم الظلم منذ فرعون وإلى يومنا هذا.. يثور ويصمد ويتحلى بالأمل، وهكذا دواليك.. ومرات، كان يرسم فلاحا آخر، وهو يدخن سيجارة أو أرجيلة، ويطلق على اللوحة «الكيف» أو «الحشاش»، للتعبير عن أشخاص من عامة الشعب يدخنون التبغ بحثا عن لحظات نسيان. حتى عندما توجه إلى فرنسا فى منتصف الخمسينيات، فقد اختار أن يرسم البسطاء الذين من فرط بؤسهم سيثورون لا محالة، كما أشار فى إحدى لوحاته «شعب باريس سوف يخرج بمظاهرة».

•••

حياة حامد عبدالله ولوحاته تروى التاريخ، بعيدا عن الصيغ الرسمية.. ولد قبل عامين من ثورة 1919، ثم كان من المتحمسين لناصر وثورة يوليو 1952، وأيضا بشكل أو بآخر من المتضررين منها، إذ اضطر إلى مغادرة القاهرة بعدها بسنوات قليلة، نظرا لرفضه القمع والديكتاتورية. وكُتب عليه أن يعيش العدوان الثلاثى على مصر وهو فى باريس، بكل ما يعنيه ذلك من ألم وشعور بالغبن، فى وقت كان ناصر يشبه فيه بهتلر عبر الإعلام الغربى. أعماله تروى الأحداث بشكل متفرد وشخصى: الهزيمة والحرب والثورة والثوار والمناضلات وفترة الستينيات والمساواة بين الرجل والمرأة.. كل ذلك يجد صداه فى أعمال حامد عبدالله، معه يجب وضع اللوحة فى سياقها التاريخى، لنحل طلاسمها ونفهم كيف كانت ردا من الرسام على حدث ما.. وهو من الناس الذين قدر لهم أن يعيشوا على الهامش أو خارج الدائرة: فنان موهوب بشدة، لا يقلد أحدا، فى صدام مع السلطة، يقف ضد قوانين السوق والشوفينية، فخور بمصريته وإرثه الثقافى. وعلى الرغم من كل الأدبيات التى تتحدث عن عولمة الثقافات وخلافه فإنه من الصعب إلى يومنا هذا أن تتسع المساحة لتقبل مثل هؤلاء الأشخاص الذين يمثلون نمطا مختلفا من التعبير يضع الشرق والغرب على قدم المساواة، بل يبرهن دوما على فضل الفن العربى والفرعونى على الفن التشكيلى الغربى، وأن التأثيرات كانت متبادلة. وكان يؤكد المعنى نفسه فى كل مرة يسأل مثلا عن تفرده أو خصوصية ألوانه: «مصر هى معلمى الأكبر، بطبيعتها الجغرافية، بشمسها، بفلاحيها، بسمائها، بنيلها. إن ألوان وضياء بلدى عذبتنى بجمالها المراوغ».

•••

هذا فى الوقت الذى لا يعرف الجمهور العريض فى مصر الكثير عن أعماله، بخلاف بعض الأصدقاء والمريدين والمتخصصين.. ما تسعى عائلته إلى تغييره من خلال جهد دؤوب يقوم به ولداه (سمير ومؤنس) وابنته (أنيسة) وزوجته الدنماركية (كريستن) التى احتفظت بأرشيفه على نحو رائع ساعد على تقديم كتاب مصور متكامل عنه، صدر أخيرا بالعربية والفرنسية والإنجليزية، وقامت بتحريره رلى الزين، بعنوان «الرسام عبدالله». ويتزامن طرح الكتاب بالأسواق مع عرض بعض لوحاته بمتحف الفن الحديث فى القاهرة، إضافة إلى آخر أعماله «غيبوبة» فى المركز الثقافى الفرنسى بالإسكندرية.. وهى فرصة لإعادة اكتشاف حامد عبدالله، الصعيدى الذى نشأ فى منيل الروضة، ثم عاش بين القاهرة وباريس وكوبنهاجن، واكتشاف روح العائلة التى طالما رسمها فى لوحاته، عائلة متماسكة، محبة، يحفظ أفرادها عن غيب ذكريات الأب وما تلاه عليهم من قصص.. يروون كيف جمعهم لقراءة الفاتحة على روح عبدالناصر عندما علم بوفاته، وكيف منعوا من تشغيل التليفزيون فى منزلهم بفرنسا لمدة عشر سنوات فى أعقاب هزيمة 1967، اعتراضا من والدهم على الصور المضللة التى كانت تبث حول مصر.. سود الشاشة، احتجاجا.. وظل يحكى لأولاده عن بطولات ثورة 19 وما سبقها من ثورات وانتفاضات مصرية، كان أهله هو قد نقلوا تراثها الشفهى إليه.. حكى لهم مثلا قصة السيدة العجوز التى صفعت نابليون بونابرت أمام أهرامات الجيزة، لأنها استاءت من زهوه وخيلائه.. حكايات فهموا منها رفضه الدائم للإذعان وتنامى اعتزازهم به.. رأوا كيف تحسر على حال البلد عندما عاد إليها بعد طول غياب سنة 1971.. لم يكن سعيدا بما سماه « الانفشاخ» فى إشارة إلى سياسات الانفتاح الاقتصادى التى باعدت من حلم العدالة الاجتماعية الذى شارك الناس فيه، وتساءل عبر لوحاته «إلى أين؟». ولم يكن سعيدا بأشياء أخرى عديدة حتى وفاته فى منتصف الثمانينيات، لكن وجود أمثاله فى حياتنا يعطونا أملا.. حتى بعد رحيلهم، فقراءة سيرته وتصفح أعماله تعطى طاقة إيجابية نحن بحاجة ماسة إليها.. درجة من الصدق والموهبة والنقاء والثقافة والرقى نفتقدها، نقارن بين هذه النخبة وتلك.. بين من شبوا فى أجواء ثورة 19 وما سواها.. والمقارنة لا تكون أبدا فى صالح الحاليين.

التعليقات