نوبل تذكر الصين بحقوق الإنسان - سامح فوزي - بوابة الشروق
السبت 4 ديسمبر 2021 3:09 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار الفنان هاني شاكر نقيب المهن الموسيقية بمنع 19 من مطربي المهرجانات من الغناء؟

نوبل تذكر الصين بحقوق الإنسان

نشر فى : السبت 23 أكتوبر 2010 - 10:13 ص | آخر تحديث : السبت 23 أكتوبر 2010 - 10:13 ص

 أعلنت الأكاديمية السويدية للعلوم فوز المناضل الصينى «ليو تشياوبو» بجائزة نوبل للسلام لعام 2010 وذلك «لجهوده المستديمة وغير العنيفة فى الدفاع عن حقوق الإنسان فى الصين». ويعد «لياو» أول مواطن صينى يحصل على الجائزة الدولية الرفيعة، وهو لا يزال يعيش فى الصين، قابعا فى أحد سجونها، فقد سبقه أشخاص من أصول صينية فى الحصول على الجائزة فى تخصصات أخرى، لكنهم كانوا يعيشون خارج الصين ذاتها.

الجائزة، رغم ما واجهته من غضب حكومى عارم، سلطت الضوء على قضية حقوق الإنسان والديمقراطية فى الصين، وطرحت التساؤل الأساسى: هل يمكن أن تظل الصين قوة اقتصادية عظمى، دون أن تتخذ خطوات على طريق التحول الديمقراطى؟ هل يمكن أن يظل هذا الانفصام، ولاسيما أن النموذج الصينى فى النمو الاقتصادى والاستبداد السياسى صار مثالا، وعنوانا فى تصريحات العديد من القيادات السياسية المستبدة فى كثير من دول العالم ــ ومن بينها الدول العربية ــ الذين يجيبون عن السؤال الخاص بالاستحقاق الديمقراطى بتوجيه الانظار إلى أن النهضة الاقتصادية لا تحتاج إلى ديمقراطية لتحقيقها أو صيانتها.

«ليو تشياوبو» هو شاعر وأستاذ فى الأدب بجامعة بكين. فى عام 1989 قطع إقامته القصيرة فى جامعة كولومبيا حتى يلحق بمظاهرات الطلاب فى ميدان «السلام السماوى» فى بكين. ورغم ما يعرف عنه من الغضب، والاحتداد، والاستجابات الحادة، تحول إلى شخص قيادى يدعو إلى النضال اللاعنفى.

اندلعت احتجاجات الطلاب والعمال المطالبة بالديمقراطية والحرية السياسية، وبلغت ذروتها فى مطلع شهر يونيو 1989، وبدأت نذر المواجهة بين المتظاهرين والجيش تلوح فى الأفق خصوصا بعد أن سيطرت القيادات المحافظة، بعضها كان متقاعدا على اتخاذ القرار النهائى بتطهير الميدان من المتظاهرين. والمفاجأة، أن «ليو تشياوبو» كان أحد الأشخاص الذين قاموا بالتفاوض بين الجانبين، أى المتظاهرين والجيش، وحاول الحد من الخسائر فى المواجهة بين الطرفين. وفى النهاية حدثت المواجهات الدامية، التى حصدت مئات الأرواح، ولكن الجهود التى قام بها «ليو تشياوبو» ساهمت فى تقليل الخسائر البشرية.

اللافت أنه بعد وقوع المصادمات، تعرض «ليو تشياوبو» للنقد من الطرفين: المتظاهرين والجيش. فقد اتهمه المتظاهرون بفتح قنوات اتصال مع الجيش الصينى، والتفاوض معهم، فى الوقت الذى عاقبته فيه السلطات الصينية بالسجن عشرين شهرا. معظم النشطاء الذين قادوا المظاهرات المطالبة بالديمقراطية تركوا البلاد، إلا أن «ليو تشياوبو» ظل فى الصين، حاملا لواء المطالبة بالديمقراطية. ونتيجة استمرار انتقاداته اللاذعة للسلطات الصينية فى مجال الديمقراطية أرسل إلى «مخيم احتجاز إدارى» لمدة ثلاث سنوات بعد فترة وجيزة من زواجه عام 1996، ووضع تحت رهن الإقامة الجبرية، ورقابة الشرطة فترات أخرى. وفى ديسمبر 2008 قضت محكمة صينية بحبسه لمدة أحد عشر عاما، عقب اتهامه بتقويض سلطة الدولة، وهو اتهام مطاط. ويعد ذلك أطول فترة سجن يحكم بها على ناشط حقوقى فى الصين، وهو ما سبب صدمة امتدت صداها إلى عواصم العالم الغربى. وكان المحرك الأساسى للغضب هو دوره فى صياغة، وترويج ما يعرف ببيان أو المانفستو (08) الذى يطالب بالديمقراطية، والفصل بين السلطات، وحرية الرأى والتعبير، واستقلال القضاء.

بالطبع كشرت الحكومة الصينية عن أنيابها من خلال الإعلان الرسمى عن الرفض والاستنكار لمنح جائزة نوبل إلى «مجرم» انتهك القانون الصينى، واستدعت سفير النرويج للتنديد بذلك. وهناك قطاع عريض من الصينيين لا يعلم بأمر الجائزة، ولا الشخص الذى نالها، لأنه لا يوجد فضاء إعلامى يسمح بتداول المعلومات، وعندما وجدت زوجة «ليو تشياوبو» نفسها محاصرة فى منزلها عقب الإعلان عن الجائزة أرسلت رسالة عبر «التويتر» تعرب فيه عن فرحتها، ولكن لم تستمر الأمور كثيرا فقدت فرضت السلطات الصينية رقابة صارمة على المعلومات المتداولة على الإنترنت، ويكفى أن تلجأ إلى أى محرك صينى للبحث على الإنترنت، وتكتب اسم «ليو تشياوبو» حتى تجد فقط الروايات الرسمية التى تنتقد الرجل، وتتهمه بالضلوع فى أعمال إجرامية.

سجل الصين فى مجال حقوق الإنسان والديمقراطية سيئ، ولكن رصيدها فى النمو الاقتصادى مبهر. فى كتابه المهم «عالم ما بعد أمريكا»، يرى فريد زكريا أن الصين تقدم نموذجا غريبا، فهى دولة استطاعت أن تحقق النمو الاقتصادى، وفى الوقت نفسه تحتفظ بنظام حكم شديد الشمولية. ولا يوجد حرج عند القيادة الصينية فى التحول صوب اقتصادات السوق. فى حوار له مع مسئول صينى رفيع قال إن علاج مشكلة الفقر فى الريف هو الرأسمالية، التى تجبر الفلاحين الفقراء على ترك أراضيهم والذهاب إلى المصانع، وتدفع أهل القرى الفقراء إلى البحث عن فرص عمل فى المدن. هذا الرأى، حسب فريد زكريا، لم يكن فقط مذهلا فى جرأته الرأسمالية، لكنه من الصعب أن نجد مسئولا سياسيا فى العديد من الدول الرأسمالية يتحدث بمثل هذا التحدى.

ولكن الصين سوف تتحول سياسيا يوما ما، وهو ليس بعيدا. فالقيادات التكنوقراطية التى تحتل مقاعدها فى الحزب الشيوعى الصينى ــ الموصوف بحزب العمال والفلاحين ـــ لم تعد فى الواقع تمثل أحدا، وبات الهاجس الذى يجمع قيادة الحزب هو كيفية التعامل مع الاحتجاجات الشعبية، وضمان البقاء فى السلطة، فى حين أن النخبة السياسية فى الهند، الجارة الكبرى للصين، لا يشغلها سوى الفوز فى الانتخابات، دون أن تشعر بأى مخاوف تجاه الاستقرار السياسى.

فى عام 1978 دعا الزعيم الصينى دينج شياو بينج فى كلمته أمام اللجنة المركزية للحزب الشيوعى إلى التركيز على التنمية الاقتصادية، والاحتكام إلى الواقع وليس الأيديولوجية. هذا الاتجاه كان تاريخيا، فقد استطاعت الصين فى سنوات قليلة أن تحقق نهضة اقتصادية، تمثلت فى خروج نحو 400 مليون شخص من دائرة الفقر، وهو أكبر تطور فى مكافحة الفقر تشهده البشرية، وزيادة متوسط دخل الشخص سبعة أمثال. برجماتية الصين الاقتصادية لا تزال عصية أمام الأصوات المطالبة بالحرية السياسية.

التحول إلى الديمقراطية، أيا كانت صورها أو حدودها سيحدث فى الصين ولكن حين تصل قيادة سياسية مختلفة إلى موقع السلطة والقرار فى الحزب الشيوعى، على غرار ما حدث فى التحول الاقتصادى. ولمَ الاستغراب؟ فقد تكون الصين معجزة سياسية فى القرن الحادى والعشرين.

سامح فوزي  كاتب وناشط مدني
التعليقات