«يوم للستات».. الفيلم الذى غرق فى حمام السباحة! - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الإثنين 16 سبتمبر 2019 5:23 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعدما أعلن الاتحاد المصري لكرة القدم عن ترشيح 5 أسماء لتدريب المنتخب .. من تختار؟



«يوم للستات».. الفيلم الذى غرق فى حمام السباحة!

نشر فى : الخميس 24 نوفمبر 2016 - 10:25 م | آخر تحديث : الخميس 24 نوفمبر 2016 - 10:25 م

شاهدتُ فى افتتاح مهرجان القاهرة السينمائى فى دورته الثامنة والثلاثين فيلم «يوم للستات»، المشارك فى المسابقة الدولية، والذى كتبته هناء عطية وأخرجته كاملة أبو ذكرى وأنتجته إلهام شاهين. رغم الجهد الواضح فى تنفيذ الفيلم، ورغم مشاركة عدد ضخم نسبيا من النجوم فى تجسيد شخصياته، فإن النتيجة لم تكن جيدة، بل لعل التوصيف الدقيق لما شاهدتُ هو أن الفيلم «غرق فى حمام السباحة»، الذى منحه لبطلاته يوم الأحد من كل أسبوع لكى تسبحن فيه. كانت الفكرة طريفة وجيدة بل ولامعة ومبشرة، ولكن ظلت هناك مشكلات خطيرة ومزعجة ومؤثرة، نقلت الفيلم من حال الطفو إلى حال الغرق.

تبدو المشكلة الأولى الواضحة فى أن السرد يتم أساسا من خلال حوارات طويلة، فى مشاهد أطول، أثقلت الفيلم، مهما كان اجتهاد الممثلين والممثلات. كل شخصية تنفرد بشخصية أخرى لكى تحكى لها قصة حياتها تقريبا، لدرجة أنك يمكن أن تغمض عينيك لتسمع حتى ينتهى المشهد، ثم يبدأ مشهد جديد. حتى مشاهد سباحة السيدات فى حمام السباحة، التى أريد بها التعبير بالصورة، لتعطينا بعض الهدنة من الثرثرة المتواصلة، حتى هذه المشاهد سرعان ما فقدت معناها بسبب التكرار، فالعوم هو مرادف لفكرة «التحرر» من الظروف القاسية، لحظات من الحرية والبهجة قبل العودة إلى دوامة الحياة. وصل المعنى فلم ينقذ التكرار الفيلم، رغم جهد التصوير تحت الماء (بيشوى روزفلت)، ورغم مساحات الأزرق الكبيرة التى جسدتها مديرة التصوير نانسى عبدالفتاح، وأعتقد أن الصورة من عناصر تميز الفيلم، مع أن النسخة التى شاهدناها لم تكن ممتازة.

المشكلة الثانية الواضحة أيضًا هى أن العلاقات بين الشخصيات مغلقة، ومنفصلة عن الحكايات الأخرى، فالسيدات تلتقين فى حمام السباحة، والرجال أيضا يجلسون ليتكلمون، ولكن كل علاقة ثنائية مغلقة على أصحابها، وقد أدى ذلك إلى افتقادنا إلى حد كبير للإحساس بعلاقات الحارة العامة، كما أدى إلى ما هو أخطر وأسوأ، وهو انفصال كل ثنائى بمشكلته، لدرجة أننا ننسى الآخرين، ولا نتذكرهم إلا عندما يظهرون من جديد. علاقة شامية (إلهام شاهين) المرأة التى احترفت أن يرسمها الفنانون مغلقة على رغبتها فى أن تستعيد حب أحمد (محمود حميدة)، الرجل الذى تركها وسافر للعمل كرجل أمن فى مستشفى، ثم عاد فاشلا بلا نقود، وعلاقة ليلى الحزينة (نيللى كريم) بسبب فقدان ابنها وزوجها فى حادث غرق العبارة، مغلقة على حكايتها مع بهجت (إياد نصار) مشرف حمام السباحة، الذى يحبها فى صمت، ويريد إعادتها إلى الحياة، وعلاقة عزة (ناهد السباعي) التى يعتبرونها عبيطة الحارة، مغلقة أيضا على علاقتها مع إبراهيم الميكانيكى (أحمد داود)، الذى يعادلها فى البساطة والفطرة، وعلاقة الرجل الذى هجرته زوجته (فاروق الفيشاوي) مغلقة أيضًا على علاقته المتوترة مع ابنه المتطرف دينيا (أحمد الفيشاوى)، والحقيقة أننا لم نعرف تفصيلات أكثر عن أسباب تطرف الابن، ولا عن أسباب هجران الزوجة لزوجها.

افتقدنا تماما شبكة العلاقات التى توجد فى الحارة، والتى تجعل الدراما وحدة متماسكة، وحتى عندما بدت ملامح إقامة جسور درامية بين الشخصيات والحكايات كما فى مسألة انزعاج والدة أحمد (رجاء حسين) من تقرب شامية لابنها العائد، فإن الصراع لم يستمر، ولم يدفع مسار الأحداث، وظلت الشخصيات مجرد وسيلة للاعترافات والفضفضة المتبادلة، مما جعل الفيلم يدور حول نفسه.

المشكلة الثالثة الواضحة أيضًا هى أن الفيلم يلعب فى ملعب ما أطلقت عليه «أفلام الواقعية المتفائلة»، ولكنه لا يصمد للمقارنة أمامها، وبعض هذه الأفلام من كلاسيكيات السينما المصرية. تقدم هذه الأفلام شريحة من الطبقات الدنيا، وترصد صراعها وكدحها اليومى من أجل الحياة، ولكنها تحتفى بحب أبناء تلك الطبقات للحياة، وتتفاعل مع أفراحهم وأحلامهم البسيطة.

فيلم «يوم للستات» يقدم نفس المعانى تقريبا ولكن دون أن يمزج التراجيدى بالكوميدى كما فعل داود عبدالسيد فى فيلم «الكيت كات» مثلا، ومن دون أن يفلح فى تكثيف حكايته والتأثير بها من خلال شخصيات محدودة مثل فيلم «أحلام هند وكاميليا»، ومن دون تلك الحيوية والتفصيلات التى تنقل الحالة العامة، بنفس القوة التى ترسم بها ملامح الشخصيات، كما هو الأمر فى فيلمى «ليه يا بنفسج» و«الساحر» للمخرج رضوان الكاشف ومن كتابة سامى السيوى، بل إنه حتى من المنظور النسوى، فإن «يوم للستات» لا يمتلك بساطة وتدفق حكايات بطلات فيلم مثل «يا دنيا يا غرامي» للمخرج مجدى أحمد على.

وتبقى المشكلة الرابعة، وهى فشل الفيلم فى توسيع مجاله المغلق فى إعطاء حكايته لمسة سياسية بالإشارة إلى أن الأحداث تدور فى شهر مارس من العام 2009. حاولت أن أكتشف طوال مشاهدة الفيلم سر هذا الاختيار الزمنى، فلم أصل إلى شيء سوى أن الفيلم يربط أحداثه بعصر مبارك، مع أن ما شهدناه من قصص يمكن أن يحدث فى أى حارة، وفى أى زمن. هذه الخلفية الزمنية لم تقدم للدراما شيئا مفيدا، فوضع المرأة السيئ مرتبط بالمجتمع الذكورى العابر للأجيال، وليس بالفترات السياسية، بل إن عصر مبارك شهد تشجيعا (مدعيا أو حقيقيا) للمشاركة السياسية والاجتماعية للمرأة، والفيلم نفسه يقول إن الحكومة خصصت يوما لسباحة النساء فى مركز الشباب تعاطفا معهن، وهكذا غاب عن الفيلم التفسير الاجتماعى السياسى العميق، الذى يربط الخاص جدا بالعام جدا، ومثاله الأنضج تجده فى فيلم المخرج عاطف حتاتة «الأبواب المغلقة»، الذى يستخدم كل شىء، بداية من العنوان، وحتى أصغر التفاصيل، بين الأم وابنها، أو بين الابن ومدْرسته، لكى يرسم ملامح مجتمع يحكمه الكبت والقمع، مما سيؤدى فى النهاية إلى الانفجار.

لا يكفى أن تضع تاريخا على الشاشة، أو تشاهد مبارك على الفضائيات لكى تقدم بعدا سياسيا، ولكن لا بد أن تقول الدراما ذلك، ومن هذه الزاوية فإن «يوم للستات» لا يقول الكثير، مكتفيا بفضفضة سيداته فوق كرسى الاعتراف.
يقتضينا الإنصاف أن نشير إلى جهد المخرجة كاملة أبو ذكرى، لقد نجحت إلى حد كبير فى قيادة ممثليها، وإن لم تستطع ضبط المشاهد الحوارية الطويلة، التى لم نعد نراها حتى فى المسلسلات. أفضل الممثلات ناهد السباعى ثم إلهام شاهين، أما هالة صدقى فى دور مشرفة حمام يوم السيدات، فلم يستفد الفيلم بدورها، واقتصر ظهورها على العنصر الكوميدى، دون أن نعرف الكثير عنها. من عناصر الفيلم المميزة أيضا صورة نانسى عبدالفتاح، وموسيقى تامر كروان التى جسدت لحظات الشجن والحزن والمرح والتحرر بآلات موسيقية مختلفة، وبجمل لا تنسى، وهناك أيضا لمسات الديكور وتنسيق المناظر بالذات فى شقة «شامية» حيث تتكدس الأشياء حولها، وتصبح هى أيضا شيئا مهملا مثلها.
«يوم للستات» فيلم صنعته نوايا طيبة محبة ومتعاطفة مع المرأة، ولكن النوايا الطيبة وحدها لا تكفى، فالمهم ليس فقط أن يكون لديك شيء تقوله، وإنما أيضا أن تعرف كيف تقوله.

 

التعليقات