طبقات من الزمن - تمارا الرفاعي - بوابة الشروق
الأربعاء 13 نوفمبر 2019 7:06 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعك لنتائج منتخب مصر في كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة؟

طبقات من الزمن

نشر فى : الأربعاء 25 سبتمبر 2019 - 10:05 م | آخر تحديث : الأربعاء 25 سبتمبر 2019 - 10:05 م

هذا عنوان كتاب وجدته على رف فى بيتى لكنى لم أقرأه إنما أجد فيه عاملا بصريا كبيرا، أرى الطبقات والأزمنة، لكل طبقة لون مختلف عن سابقتها، أتخيل محلا لبيع السجاد فى مدينة قديمة، دمشق أو القاهرة أو القدس أو اسطنبول، مئات من القطع المزركشة فى مجموعات لا يعرف سر تصنيفها سوى من رصها عبر السنوات. تحمل كل سجادة قصص مرحلة انتهت فوضع صاحبها سجادة أخرى فوقها.
***
هى طبقات من الزمن رصها صاحبها بإحكام، هى طبقات مرحلية وليست سنوية أو شهرية، بعضها رقيقة تكاد أن تكون شفافة، وازدادت سماكة الأخريات حتى تهيأ لمن رآها أنها عدة طبقات ملتصقة فأحداثها كثيفة وأشخاصها كثيرون وقصصها متداخلة حتى بدت وكأنها أزمنة مختلفة حدثت فى وقت.
***
من منا لم يسرع به الزمن أحيانا حتى تساءل إن كانت الأحداث والتطورات فعلا من فترة واحدة؟ من منا لم يعد بذاكرته إلى زمن بدا مكتظا بالناس والقصص بشكل شكك فيه بدقة ذاكرته، إذ من الصعب تصديق إعصار أخبار تلك المرحلة وأنه تأقلم معها عند حدوثها. أم تراها، أى الأحداث، هى من تركت فى القلب تلك الطبقة السميكة من الزمن؟
***
طبقات الزمن هذه خداعة، كثيرا ما أحاول أن أتركها وشأنها فى زاوية من ذاكرتى إذ استهلك رصها هكذا بعناية منى الكثير من الصبر والتأمل. أعيد ترتيبها أحيانا فآخذ بعض الطبقات على حدة لأعيد النظر فيها كمن يحاول قراءة الماضى فى أوراق الشاى فى الفنجان. أنا أنتمى لثقافة قراءة فنجان القهوة لكنى أكتشف أخيرا أن ثمة من يقرأون أوراق الشاى أيضا بعد غليها. ها هى نظرة جديدة على الطبقات إذا بعد أن ظننت أننى فندتها وفهمت كل معانيها.
***
يحفر الزمن فى وجهى خطوطا وينقش على يدى نقطة جديدة أتساءل أحيانا عن جدوى محاولة إخفائها. أو ليس فى كل خط ضحكة وفى كل نقطة صيف تأملت فيه الأفق ثم عدت ببصرى إلى أولادى فرأيتهم وقد كبروا عاما بأكمله؟ ها هى طبقة من الزمن إذا تفرد ألوانها لحظة الغروب على أولادى فأكتشف أنهم مراهقون لم يعد يسعهم حضنى، لا أستطيع أن أحملهم بيدى، لا أجرهم فى عربة صغيرة معى كما أشاء. طبقة ألوانها بلون الشفق حين يستعد الليل لإسدال سواده وأستعد لتقبل ظلمته. تتبعثر أصوات الأولاد كما تتبعثر ألوان الكون قبل اختفائها وأسرع قبل أن يختفى اللونان الأحمر والبرتقالى أحملهما لأرصهما فوق الطبقات الأخرى.
***
طبقات من الزمن تحمل بين طياتها حيوات صادفت أصحابها فنسيت بعضهم وتمسكت ببعضهم. أتخيل وجوههم تخرج من بين النسيج وأياديهم تفك أجسادهم ليقفزوا خارج الكومة. أهلا وسهلا أين كنتم كل هذه المدة، أسألهم. يستغربون السؤال: «ألم تضعينا هناك بين الطبقات حتى ظنينا أنك نسيتينا؟»، يسألون. الزمن الجميل، كما يسميه البعض وكما تظهره الصور. هل هو جميل بحكم رحيله وحنينى إليه؟ هل كان جميلا فى وقتها أم أنه اكتسب قيمة بعد أن مضى فتصورت أن ما ذهب كان حكما أجمل مما بقى؟
***
كتب عملاق الأدب الفرنسى مارسيل بروست مجموعته «فى البحث عن الزمن الضائع» لتصبح أحد أهم المراجع الأدبية عالميا، واستخدم أسلوبا معقدا أحيانا لسرد تفاصيل تبدو صغيرة وشخصية إنما فيها فيضانات من المشاعر أحس بها معظم من قرأ النص. عبر بروست كما لم يعبر أحد عن عملية انفلات الزمن من بين يديه، واختار أن يخلد مواقف يومية عادية لينصب منها تذكارا أبديا وأدبيا يتعرف عليه كل من يراه، كل على طريقته، إذ يتوقف الزمن بنا جميعا على ما أظن أمام حلوى كنا نحبها فى صغرنا ولم نرها منذ عقود، تماما كما حدث للكاتب الفرنسى، وتعود بنا الدنيا إلى موقف كنا قد نسيناه بمجرد سماع إيقاع أغنية رافقت طبقة من الزمن اندست منذ سنوات تحت طبقات أخرى دون أن نشعر.
***
يحضر الماضى إذا بلحظة ليربك توازن الحاضر، تدخل تفاصيله على «الآن» فتختل معادلة أخذت من الجهد سنوات حتى تماسكت مكوناتها. أغنية قديمة بإيقاع مألوف تعيد أمواتا إلى الحياة، كعكة تجتاح رائحتها المكان فتظهر معها تحضيرات أعياد كثيرة مضت، ها أنا أقشر من الزمن طبقاته وأرفعها واحدة تلو الأخرى فتعود وجوه رحلت وأسمع ماء ينقط من حنفية قطرة بعد قطرة. نجح الكاتب الفرنسى فى تغيير مسار الزمن وفى تحديد تراتبية طبقاته، على الأقل على صفحات الكتب التى أنتجها، وفى ذلك الكثير من السيطرة على ما حوله. هى سيطرة أغار منه لامتلاكها، فأنا أيضا أريد تغيير مسار الزمن وإعادة ترتيب ما حدث تماما كما يفعل بائع السجاد فى السوق القديمة. أرفع طبقة من أسفل الكومة وأخرجها إلى الشمس حتى أتصالح معها. أخبئ طبقة أسفل الكومة لأننى لست فى وضع يسمح لى بمجاراة أحداثها. وهكذا، كمن تنظف البيت بين فصلى الصيف والشتاء، أتذكر تفاصيل وأدفن أخرى، أعيد محتوى الرفوف إلى أماكنها أو أضعها فى أماكن جديدة. أخفى بعض المحتويات فى الرفين السفلى والخلفى، فحتى بائع السجاد لديه قطع يفضلها عن أخرى، أليس كذلك؟

تمارا الرفاعي كاتبة سورية
التعليقات