رَتابَة - بسمة عبد العزيز - بوابة الشروق
السبت 7 ديسمبر 2019 1:42 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

رَتابَة

نشر فى : الجمعة 25 أكتوبر 2019 - 9:30 م | آخر تحديث : الجمعة 25 أكتوبر 2019 - 9:30 م

بعضُ الناس يملِكون حياةً رتيبةً؛ يتحركون فيها على وتيرةٍ واحدة. يتنقَّلون بين رَتابةِ العقلٍ الذي يُفكِّر داخلَ حدودٍ لا يتخطَّاها، ورَتابةِ الأداءِ الذي يتبع نمطًا واحدًا لا يتبدَّل، ثم رَتابة الروح التي تعيش سأمًا متواصلًا؛ لا تتُوق لمشاعرٍ جديدة، ولا تبحث عن خبرةٍ أو تجربةٍ مغايرة.
***
الرَتابةُ في مَعاجم اللغةِ العربيةِ هي حالٌ مِن التَّعب؛ تُصيبُ الإنسانَ نتيجة تعرُّضِه لمؤثِّر له خاصية التواتر المُنتظِم؛ كدقَّات مُتتالية تفصلُ بينها مَسافات زمنيَّة شِبه مُتساوية. رتَب المَوقفُ أو الشَّيءُ أي؛ ثبَت ولم يتحرّك، ورَتَبَ الرَّجُلُ أي؛ اِستقرَّ فِي مكانِه، وإذا قِيل رَتَب بالمَدينةِ؛ فالمعنى أنه أقامَ بها. ترتيبُ الأغراضِ هو تنظيمُها وتنسيقُها، وترَتيب الأُمُورِ يعادل إقرارَها وتسويتَها، وإذا صِيغ مِعيارٌ لتصنيفِ جَمعٍ مُتباينِ مِن الناس؛ احتلوا وِفقًا لخصائِصهم وقدراتِهم مَراتِبَ مُختلفة عليه.
***
بعضُ الأنهارِ رتيبٌ في سَرَيانه رائقُ الطَّبع، فيما البعضُ الآخر فائرٌ غليظ، يُنافِس في جَرَيانِه وعنفوانِه بِحارًا هائِجة. يتهادى النيلُ إذ يقتربُ مِن المَصَبِّ، لا يُشبه قوَّتَه عِند المَنبَع ولا يُماثِل في نهايةِ رِحلتِه أنهارًا أخرى ثائرة. مِن الناس مَن يعشقُ حَمَاسةَ النهر، ومِنهم مَن يُحبُّ السريانَ المُتأنّي؛ تيارٌ خفيفٌ باعثٌ على التأمُّل، حاضِنٌ للشُرود. على كُلّ حال؛ مع ازدياد المَوَانع التي تعوق المَسارَ وتُعرقِل الاندفاعَ، وتختزن الفيضَ الغزير؛ قد يصبح المَجرى عما قريب مُوحشًا كسولًا.
***
مِن المعاني ما يُوصَفُ بالرَتابةِ؛ عباراتٌ تُكتَبُ أو تُقال لا تحملُ جَديدًا ولا تُضيفُ وصفًا أو مَعلومَةً؛ وكأنها لم تُوجَد. بعضُ البَرامِج الحِوارية رَتيبٌ؛ لا يجذبُ إليه المُتابعينَ، ولا يشدُّ الآذانَ أو يُثير الفُضولَ، وأكثرها فظّ مُتدنّي المُحتوى والقالب، يُنفِّر المُشاهدين ويبعدهم عن الشاشة. المُحصِّلةُ النهائِيةُ غيابُ ما يُشجِّع على التفاعُل ويَفرِضُ الاحترامَ، ويُحرِّض على التَّفكير.
***
رَتيبةُ اسمُ فاعلٍ مِن رَتَبَ؛ لا تحمِله فيمَن نعرف إلا نساءٌ قليلات، مِنهن الرائعة رتيبة الحفني التي تآلَّقت بفنِّها، وأعطت مِن شغفِها وحبِّها وعِلمها للنغماتِ ما شحَّ وجوده في وقتنا هذا. ثمَّة لحنٌ رَتيبٌ فاقد للروح، لا يمَسَّ الوِجدانَ ولا يُشجِيه، ولحنٌ هادئٌ يترقرقُ في الأجواءِ، ويتغلغلُ بصفائِه في القلوب ويُوقظ بريقًا مَدفونًا؛ سوناتا ضوء القمر ومقطوعة قصة حب وفالس الدانوب الأزرق؛ كلها وأضعاف مثلها؛ مقطوعات تميَّزت برهافة حسٍّ لا تُضَاهى، ولا يُغادر الأروقةَ صداها ما قرأها العازفون. راتبٌ اسمُ فاعلٍ هو الآخر لكنه أقلَّ نُدرة مِن مَثيله؛ هناك أحمد راتب وجميل راتب، وكلاهما مِن أعظم الفنانين وأقدرهم، وأعلاهم حساسيةً في الأداء، هناك أيضًا عقيلة راتب التي بدأت حياتَها مُغنِّية ذات صوتٍ جميل، ثم قدَّمت أعمالًا درامية مُتعدِّدة ما بين السينما والمسرح.
***
الرَاتبُ؛ هو القيمةُ المَاديةُ التي يتقاضاها المَرءُ مُقابِلَ عَمَله المُنتظِم، وربما كان مَبعثُ التسمِية هنا هو الاستقرار والدوام؛ فمُهِمَّات مُحدَّدة يتكرَّر إنجازُها، ومَبلغٌ ثابتٌ يُعطى لقاءها. تزداد الأسعار ويتضاءل الرَاتبُ؛ وبتضاؤلِه تُصبِح الحياةُ مُوجِعةً ورَتيبة، فأقل وسيلةِ ترفيهٍ تُكلِّف عائلةً صغيرةً مَبلغًا طائلًا.
***
اتسمَت الحياةُ قبل عقدٍ تقريبًا برَتابةٍ مَلحوظةٍ، صباحاتٌ مُتشابهةٌ وأُمسياتٌ سَقيمةٌ، كلماتٌ مُعادةٌ، وساعاتٌ تمضي بلا حَدَثٍ يجعل لها طعمًا أو رحيقًا. انقَضَت الرَتابةُ إذ فجأة واستحالت نشاطًا عنيفًا؛ فِعلٌ يندفع وراءَ آخر حتى لا يجد المَرءُ فُرصةً للتأمُل أو حتى للإلمامِ بالتفاصيل. انتقالٌ مِن حالِ الوَخم والخُمول إلى حالِ الفوران المُتواصِل الذي يُخفي الفائتَ لصالح الآني، ويُخفي الآني لصالح التالي، ويَمحو مَفهومَ الرتابةِ مِن الوُجود.
***
ثمَّة شَخصٌ "مُرتَّب" يضع فردتيّ الحذاءِ مُتوازيتين والجوربَ في مكانه، ويعلم جيدًا مكانَ أدواته، ويجد ملابسَه بسهولة في الصوان. يظُن الناسُ في ذاك الشخص أنه سعيدٌ مُسترخٍ، رغم أنه يعيش في العادة متوترًا مُرهَق الأعصاب؛ وكأنه كائنٌ قادمٌ مِن مَجرَّة أخرى، إذ مِن حوله الفَوضى ضاربةٌ، عميقةُ الجُذور.
***
قد يَجلبُ الإيقاعُ الرتيبُ سأمًا ومَلَلًا؛ لكنه بعض الأحيان يَقود إلى الجُنون؛ فقطرةُ مياهٍ يُفلِتها صُنبور مَعطوب لتطرُقَ سطحًا صلبًا، وتُحدِثَ صَوتًا مُحايدًا لَحوحًا بلا نهاية؛ تُصبِح وسيلةَ تعذيبٍ مؤثرة، قد تدفع للانهيار.
***
في الأفلام القديمة؛ يُداوي الطبيبُ النفسيُّ زبائنَه بالتنويم المَغناطيسيّ؛ يُمسِك ببندولٍ مُتأرجِح ذي حركةٍ ثقيلةٍ ورتيبة؛ دقائق قليلة ثم تسقط الجفونُ مُغلقَة، ويغرق العقلُ في سُبات. ليس المشهدُ بكامِلِه هزلًا ففيه بعضُ الحقيقة؛ رتابةُ الأداة التي تروح وتجيء كأنها أبديةَ الوُجود؛ قد تعبث بمُستوى اليقظةِ وتبعثُ الخِدرَ في تلافيف الجسد المُنتبِه لها.
***
تَراتُب الطبَقَاتِ الاجتماعية تعبيرٌ شائع؛ يشير إلى اصطفافِ الناسِ في درجاتٍ تعلو بعضَها البعض؛ فطبقةٌ دنيا ووسطى ثم عليا، الأولى تقع تحت خطوطِ الحياة، والأخيرةُ ترفل في مَباهِجها. كما جَرَت العادةُ، يسعى قاطنوا الأولى لاستبقاء التراتُبيةِ المَقيتة، فيما ينسَحِق الآخرون.

بسمة عبد العزيز طبيبة وكاتبة
التعليقات