المشاهد الأخيرة قبل الواقعة الأمريكية - عبد الله السناوي - بوابة الشروق
السبت 5 ديسمبر 2020 5:02 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

مع أم ضد استمرار التعليم عن بُعد إذا انتهت أزمة كورونا؟

المشاهد الأخيرة قبل الواقعة الأمريكية

نشر فى : الأحد 25 أكتوبر 2020 - 9:20 م | آخر تحديث : الأحد 25 أكتوبر 2020 - 9:20 م

عند لحظة تحول حرجة فى النظام العالمى تكتسب الانتخابات الرئاسية الأمريكية، التى توشك أن تحسم نتائجها فى صناديق الاقتراع بعد أيام، أهمية استثنائية فى تاريخ الإمبراطورية، التى أخذت مداها بعد الحرب العالمية الثانية، حتى بدأت ضربات جائحة «كورونا» تعرى ما هو كامن من أوجه ضعف وخلل فى بنيتها الداخلية، وتبرز ما هو محتمل من تراجع فى أوزانها الدولية.
بقدر الأسئلة الوجودية، التى تطرح نفسها بإلحاح على المستقبل المنظور، فإن السباق الحالى إلى البيت الأبيض يتجاوز أية تصورات عن الانتخابات والفوارق بين الرجال والسياسات والأولويات إلى قدرة المؤسسات الأمريكية على ضمان سلامة الانتخابات والتسليم بنتائجها.
نحن أمام واقعة حاسمة لا محض انتخابات اعتيادية.
هناك أصوات أكاديمية وصحفية عديدة فى الولايات المتحدة تحذر من الانفلات إلى الفوضى واحتمالات الانجراف إلى حرب أهلية ثانية.
الانقسام الفادح هو العنوان الأخطر للانتخابات الرئاسية وقد توالت مشاهده الأخيرة منذرة بما بعدها.
على بعد أيام من الحسم الانتخابى فى (3) نوفمبر المقبل طلب الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» من مجلس الشيوخ، الذى يسيطر عليه الجمهوريون بأغلبية بسيطة، تعيين القاضية المحافظة «إيمى باريت» فى المحكمة العليا.
كان ذلك داعيا لانسحاب الأعضاء الديمقراطيين من اللجنة القضائية عند نظر ذلك التعيين قبل عرضه على مجلس الشيوخ مجتمعا.
هناك احتمال ماثل بتأخر إعلان نتائج الانتخابات، واللجوء إلى المحكمة العليا، التى يحيط تشكيلها تساؤلات وشكوك حول نزاهتها هى نفسها فى حسم أية منازعات فى شأن من يتولى رئاسة الدولة.
منذ فترة طويلة نسبيا دأب «ترامب» على التشكيك فى نزاهة الانتخابات والتصويت بالبريد متوقعا أن يحدث تزويرا يخرجه من البيت الأبيض ملوحا مرة بعد أخرى بأنه لن يقبل النتائج بتسليم السلطة.
هذه أزمة شرعية مؤكدة.
قد لا يحدث مثل هذا السيناريو بتداعياته الخطرة، إذا ما تمكن منافسه الديمقراطى «جو بايدن» من حسم التصويت الشعبى باكتساح لا يسمح بأية منازعة، ونيل ثقة الولايات المتأرجحة.
لا يمكن لرجل بمواصفات «ترامب»، الذى يستند إلى قاعدة صلبة من الأمريكيين البيض تصل إلى (40%) وفق التقديرات المتداولة، أن يتقبل بسهولة خسارته الانتخابية.
هو مستعد أن يفعل أى شىء وكل شىء كى يبقى على مقعده الرئاسى فى البيت الأبيض.
آخر ما يمكن أن يتقبله أن يكون الرئيس الحادى عشر، الذى لم يتمكن من الحصول على ولاية ثانية، وكان آخرهم «جورج بوش ــ الأب»، الذى خسر عام (1992) أمام المرشح الديمقراطى «بيل كلينتون».
فى المناظرة الرئاسية الثانية والأخيرة بدا «ترامب» أكثر استعدادا وانضباطا من الأولى، التى أفرط خلالها فى مقاطعة منافسه حتى بدت فقرة مقتطعة من أعمال السيرك.
كان لافتا فى أداء «ترامب» قدر التركيز المدروس على مساحات الصراع والخلاف مع إدارة «باراك أوباما»، كأن الرئيس السابق هو الذى يناظره.
لهذا السبب أمر بالإفصاح عن الرسائل الإلكترونية لوزير الخارجية السابقة «هيلارى كلينتون» فى محاولة لاستدعاء هزيمتها فى انتخابات (2016) والتعريض فى نفس الوقت بكل سياسات ورموز إدارة «أوباما».
«ماذا فعلتم.. أنت وأوباما عندما كنتما فى السلطة؟».
هكذا خاطب «بايدن» لمرات عديدة أثناء المناظرة الثانية بقصد صد أى هجوم متوقع على سياساته، فإذا كان ممكنا النيل من تجربة حكمه فإن الأمر نفسه جائز على منافسه.
استغرقت الملفات الداخلية المناظرة دون تطرق يعتد به إلى أية أزمات دولية، إلا بقدر ما تدخل فى الاتهامات المتبادلة عن شبهات فساد منسوبه إليهما.
أخطر ما هو منسوب لـ«ترامب» سوء إدارته لجائحة «كورونا»، فـ«المسئول عن العدد الكبير من الوفيات لا يصح أن يصبح رئيسا».
كانت تلك نقطة قوة فى أوراق «بايدن»، الذى حاول أن يبدو طوال المناظرة الأخيرة رجل دولة رصينا ومقنعا.
لم يكن لدى «ترامب» فى مسألة أزمة «كورونا» ما يقوله مقنعا أمام رجل سياسى محنك يعرف ما يقول.. وكيف تكون رسالته واضحة؟
«لا يمكن البقاء فى قبو كما يفعل بايدن».
كانت تلك واحدة من الجمل التى استخدمها «ترامب» للدفاع عن نفسه مدركا هشاشة موقفه فى تلك القضية، حاول أن يركز أكثر على تخويف الأمريكى العادى من احتمالات أن يضرب الكساد البلاد إذا ما أصبح «بايدن» رئيسا وتخويف قطاعات متمركزة فى بعض الولايات من سياسة «بايدن» فى الطاقة والبيئة وإثارة الشكوك مجددا حول المشروع الصحى «أوباما كير».
قبل المناظرة استلفتت الخبرة السياسية لنائب الرئيس السابق انتباه فريق «ترامب»، نصحوه الاعتراف بها «أنا لست سياسيا مثلك»، بقصد أن يقول للرأى العام إن منافسه ينتمى للطبقة السياسية الفاسدة، الذى انتخب المرة السابقة على أساس أنه نقيضها.
الأزمات الأمريكية الأخرى، التى تدخل فى شواغل المواطن الأمريكى العادى، أخذت مساحات واسعة من المناظرة، ولم يكن فى المحصلة الأخيرة كاسب وخاسر.
إذا لم تحدث معجزة ما تنقذ فرص «ترامب» فى الأمتار الأخيرة فإن «جو بايدن» هو الرئيس السادس والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية.
العالم كله فى لحظة ترقب ما قد يحدث قبل تسليم السلطة وما بعدها، ومدى التصدعات المحتملة فى بنية المؤسسات الأمريكية وتأثيراتها على العالم كله وموازين القوى والمصالح فيه.
لمن قيادة النظام الدولى، الذى يكاد يولد من تحت ركام جائحة «كورونا»؟
هناك شروخ عميقة فى بنية حلف «الناتو» وفى التحالف الغربى الذى قادته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية.
هذه أزمة قيادة وأوزان وأدوار.
الأوروبيون أقرب إلى «بايدن».
حسابات القوى لا تعرف الأهواء، قد يفضل الروس «ترامب»، وقد يلجأ الصينيون إلى تحسب الخطوات على طريقتهم المعتادة، دون أن يخسروا بوصلاتهم التى تحكم حركتهم وفق مصالحهم واستراتيجياتهم.
إذا ما فاز «ترامب» بمعجزة ما فإن تراجع الدور الأمريكى شبه مؤكد.
وإذا ما فاز «بايدن» فإن الأمر كله يتوقف على الطريقة التى يتصرف بها فى الملفات الملغمة، ومدى إدراك إدارته لمتغيرات القوة فى العالم.
أين نحن من ذلك كله؟
أسوأ خيار ممكن تغليب الأهواء دون تحسب للعواقب.