ظاهرة مصرية.. «باقى صدقة» عاشق أسيوط - إكرام لمعي - بوابة الشروق
الخميس 25 فبراير 2021 7:06 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد السماح بعدم حضور الطلاب في المدارس.. كولي أمر:

ظاهرة مصرية.. «باقى صدقة» عاشق أسيوط

نشر فى : الجمعة 25 ديسمبر 2020 - 8:15 م | آخر تحديث : الجمعة 25 ديسمبر 2020 - 8:15 م

فى ١٢ ديسمبر ٢٠٢٠م ودَعت أسيوط باقى صدقة (١٩٢٩– ٢٠٢٠م)، وهو رمز من رموز مصر الطيبة، رجل دين مسيحى بروتستانتى من أقلية الأقلية المسيحية، بدأ تعليمه فى معهد فؤاد الأول الأزهرى بأسيوط وكان المسيحى الوحيد، وقد حَصُلت على هذه المعلومة من صديقه ناجح إبراهيم الذى صار من قيادات الجماعات الإسلامية المتطرفة العنيفة، وكان اسمه يُدخل الرعب فى قلوب المسيحيين والمسلمين المعتدلين فى السبعينيات من القرن الماضى، لكنه أصبح اليوم من مُثقَفى مصر، وصديقا حميما لطيب الذكر القس باقى صدقة، وقد تَعرفت على ناجح فى مكتبة الإسكندرية ضمن نشاط المكتبة الثقافى بقيادة د. إسماعيل سراج الدين مدير المكتبة حينذاك، وكان د. عادل أبو زهرة صاحب فكرة دعوة مثقفى مصر من كل التخصصات وقاموا بتقسيمهم إلى لجان طبقا لتخصصاتهم، وكانت اللجنة التى ضمونى إليها هى لجنة الفلسفة والدين، وهذه اللجان كانت تحتوى على الأدب والقانون والسياسة والاقتصاد... إلخ، وتجتمع أربع مرات سنويا، وقد استطاعت هذه اللجان أن تصنع حراكا ثقافيا فى ربوع مصر على مدى أكثر من عشر سنوات، وجاءت المفاجأة فى إحدى الجلسات عندما اقترب منى ناجح إبراهيم، وهمس فى أذنى قائلا :أرجو أن تَحمل سلامى إلى القس باقى صدقة، اندهشت ولكن من هنا بدأت معى حكايات باقى وناجح، وذلك عندما تحدث ناجح عن مرحلة المعهد الدينى بأسيوط، وقال كان كل واحد منا يعبد الله بطريقته، ونذهب جميعا مسيحيين ومسلمين أصدقاء «نمص القصب» فى الشتاء فى فناء الكنيسة ونأكل البطيخ عند الجامع الكبير فى الصيف، كان أصدقاؤه محمود وعلى وعمر وجرجس وعبدالمسيح. كان باقى يخرج مع طلاب المعهد الأزهرى فى المظاهرات يهتفون ضد الإنجليز «يسقط الاستعمار»، «تسقط إنجلترا» قال: كنا لا نعرف المسلم من المسيحى، كان باقى يحفظ أشعار البارودى وشوقى وحافظ إبراهيم، كان يقرأ القصيدة أربع مرات فقط فيحفظها كلها عن ظهر قلب. بدأ مدرسا للغة الإنجليزية فى الوقت الذى كان فيه بليغا فى اللغة العربية.(انتهى حديث ناجح).
***
بعد فترة من الوقت طلبت منه كنيسته الإنجيلية العريقة بأسيوط أن يتفرغ كرجل دين ليرعى الكنيسة، وبعد تردد وافق والتحق بكلية اللاهوت، وكان طالبا متميزا وكان هناك من أساتذته من هم أصغر منه سنا، وأقل منه ثقافة وقدرة على استخدام اللغة العربية والإنجليزية، بعد تخرجه عُين قسا راعيا لكنيسته بأسيوط.
انطلق إلى العالمية بعقد مؤتمرات فى لندن وهاواى هدفها العلاقات المسيحية الإسلامية. من هنا بدأت صداقتنا تتعمق حيث كنت أشاركه مثل هذه المؤتمرات بانتظام لأكثر من خمسة عشر عاما، واستمرت صداقتنا حتى بعد توقف هذه المؤتمرات إلى أن فارقنى. ومن هنا يمكن أن أقول انطباعاتى عن شخصه بحكم قربى له، من أهم هذه الانطباعات هى علاقته بالمكان، خاصة أسيوط. لقد كان عاشقا لأسيوط يردد دائما فى ارتحالنا معا ونحن فى لندن أو قبرص أو هاواى «اشتقت إلى أسيوط»، أقول له تمتع بما تراه، يقول: أنا أستمتع فعلا لكن شوقى وحبى لأسيوط لا حدود له، ولقد ذكَرنى موقفه هذا، بأن العظماء دائما يرتبطون بالمكان ويتفاعلون معه وكأنه كائن حى، ففى كتب جمال حمدان «عبقرية الزمان والمكان» تحدث عن العلاقة بين الإنسان المصرى والمكان، مصر، وجميع الرجالات العباقرة كان لديهم عشق لأماكن بعينها، فلا يمكنك فهم نجيب محفوظ دون القاهرة القديمة، والتى صاغها فى رواياته بين القصرين، وقصر الشوق، والسكرية وأولاد حارتنا، ولا تستطيع أن تفصل الأخوان وانلى الفنانَيْن التشكيليَين أو نتصورهما بدون الإسكندرية، وكذلك أسامة أنور عكاشة، وتوفيق الحكيم والقهوة التى كان يجلس عليها ويتحاور مع روادها، ولا يمكنك أن تفصل بين السيد المسيح وأورشليم، وهكذا لا يمكنك أن تفصل بين باقى صدقة وأسيوط. إنها عبقرية الإنسان والمكان، أما علاقته بالزمان، فقد كان يسبق الزمن دائما فقد نشأ عصاميا محافظا رافضا أن تأخذ المرأة مكانها فى القيادة سواء فى البيت أو المجتمع أو الكنيسة، لكنه انتهى باصطحاب زوجته إلى الخارج فى معظم سفرياته وتقديمها بصورة تليق بها، وكانت المفاجأة الكبرى عند مناقشة الجمعية العمومية للكنيسة الإنجيلية أمر رسامة المرأة شيخا فى الكنيسة، ووظيفة الشيخ فى الكنيسة هى الدرجة التى تلى القسيس مباشرة، وهو كان ضد هذا الفكر لسنوات، لكنه وعد أن يدرس الأمر أكثر، وجاء بعد عام ليدافع عن رسامة المرأة شيخا فى الكنيسة، رغم أن الأكثرية رفضت ذلك، لكنه قام برسامة امرأة فى كنيسته المحلية، رغم عدم الاعتراف بها على المستوى العام للكنيسة، لكن بعد عدة سنوات، قامت الكنيسة العامة بالتصريح برسامة المرأة شيخا، وكانت هناك ومازالت معركة لرسامة المرأة رجل دين «قس» فى الكنيسة، لكن للآن ترفض الكنيسة هذه الخطوة، إلا أنه كان مؤيدا تماما لهذه الخطوة وعن اقتناع كامل أن المرأة والرجل متساويان أمام الله، وأن الله لا يضع إنسانا فوق إنسان لاختلافه فى الجنس أو العرق أو اللون.
***
بحكم موقعه فى أسيوط وثقله الشخصى كان لابد وأن يصطدم مع الدولة عدة مرات فى حقبة السبعينات من القرن الماضى، وذلك عندما سمح أنور السادات لمحافظ أسيوط أن يُطلق الجماعات الإسلامية فى الجامعة لضرب طلاب اليسار، والذين قاموا بثورة أو انتفاضة الخبز عام ١٩٧٧م. فى هذه الفترة الظلامية ولأجل مواقف القس باقى المعلنة ضد هذا التوجه، استولت جماعة إسلامية على قطعة أرض تابعة لكنيسته، وذلك كنوع من قمعه، لكنه أقام الدنيا ولم يقعدها، حتى حدثت ترضية له، فى تلك الأثناء كان يجمع الشباب ويعطيهم دروسا كيف يتعاملون مع السلطة المنحازة ضدهم، وكان الدرس الذى يُقدمه لهم ويدربهم عليه ‏كالتالى: «عندما تقف أمام سلطة ما منحازة لا تنس ثلاث قواعد: أولا لا تخف ولا تهتز من أى سلطة تقف أمامها، لأنها تعلم أنها تقف ضد القانون والحق وحقوق الإنسان، وأن هذه مجرد أوامر فوقية مؤقتة من المستحيل أن تستمر، لذلك تمسك بحقك. ثانيا لا تُخطئ أى لا تتفوه بأى ألفاظ وأنت منفعل لأن هذه هى لعبتهم إذ يثيرونك بأى أسلوب خارج حتى يجعلوك تخطئ، وحينئذ يتركون الموضوع الأصلى، ويتمسكون بخطأك، إذا نجحت فى الخطوتين الأوليتين، طالب بحقك بصوت عالٍ بدون خجل، ارفع صوتك لأنهم هم الذين يقفون ضد القانون والحرية ولست أنت، هم المذنبون ضد كل القوانين الوضعية، ومواثيق حقوق الإنسان».
كان يلخص الأمر هكذا: (أ) لا تخف من السلطة. (ب) لا تخطئ أمام سلطة. (جـ) لا تتراجع، ارفع صوتك فهم يخافون من الحق.
***
لقد كانت شخصية باقى صدقة تجمع بين الماضى والمستقبل، الجدية والمرح، البساطة والمهابة، الشيخوخة والشباب، خصوصية الهوية وعمومية الانتماء، كان زعيما يحمل قلب طفل وقائدا يحمل حس راعٍ.
***
من كلماته المأثورة:
لنعمل عمل الله بطريقة الله.
لا تغتر بتقديم المعروف لأحد، وأشكر من تساعده لأنه أعطاك الفرصة للعطاء.
كلمة طيبة تقولها لإنسان على قيد الحياة أعظم من باقة ورد تضعها على قبره.
قوة النفوذ بالحب أقوى وأبقى من نفوذ القوة بالعنف، لأن الله محبة والمحبة خالدة.
أطرد الغربان لتُعطى فرصة لتغريد البلابل.
أنت لا تُنفِق من حسابك، لكنك تنفق مما سبق وأعطاك الله إياه.
إذا حرص الناس على احترام القانون فإنهم سينعمون بالحرية التى يغذيها الشعور بالمسئولية.
إن العبادة المسيحية أمر يجب أن نمارسه مع الآخرين كجماعة وطنية، كما ينبغى أن تكون موضع الاهتمام والمشغولية الشخصية والعائلية.
مصر ليست أرضا نعيش فوقها، ولا سماء نستظل تحتها فحسب، إنما هى عاطفة أصيلة فى كياننا يشدنا الحنين إليها.

إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات