د-جامع.. شاهدا على عصره (2ــ2) - ناجح إبراهيم - بوابة الشروق
الخميس 24 أكتوبر 2019 12:19 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في منع القانون المصري إعدام القاتل الأصغر من 18 عاما؟


د-جامع.. شاهدا على عصره (2ــ2)

نشر فى : السبت 26 يناير 2019 - 1:10 ص | آخر تحديث : السبت 26 يناير 2019 - 1:13 ص

قصة د/محمود جامع وشهادته على عصره عجيبة وغريبة ومثيرة فى الوقت نفسه فقد عاش فى ظل أربعة من الحكام مختلفين اختلافا جذريا، واليوم نستكمل مشهدا مهما من مشاهده، فقد انضوى جامع للإخوان بعد سماعه للشيخ البنا فى مسجد المنشاوى بطنطا فى الأربعينيات، وأصبح بعدها من كوادرهم القوية فى طب قصر العينى، وشهد اليوم الذى اغتيل فيه حكمدار العاصمة اللواء/سليم زكى حيث اندلعت المظاهرات فى كلية الطب فدخل اللواء سليم بقوات الشرطة حرم الكلية، ونزل من مدرعته يحث الجنود على مواجهة المظاهرة، ومن فوق مبنى الفسيولوجى قام بعض الطلبة بإلقاء القنابل اليدوية والديناميت فوق وأمام الحكمدار فانفجرت على الفور وقتلته، وترجح راوية د/جامع أن قتل الحكمدار لم يكن مخططا له ولكن دخول المتفجرات من أناس من خارج الكلية كان مخططا له.
وقد كان جامع مثل كل الإخوان وقتها مبهورا ومؤيدا لثورة يوليه، لأنها أزالت الملك فاروق الذى قتل البنا وحاكمت قتلته ورموز الملكية.
وكان والد د/جامع قاضيا وصديقا لوزير الزراعة فى العهد الملكى أحمد باشا عبدالغفار الذى قبضت عليه الثورة وسجنته شهرا.
فذهب جامع وهو طالب فى قصر العينى لتهنئته بالخروج من السجن، وظل يمدح ثورة يوليه أمامه فاغتاظ الباشا وقال له: يا محمود يا بنى ضباط الثورة لا يفهمون لا فى السياسة ولا القانون، وسترى البلاد معهم المرارة والأهوال.
فقال له جامع: الوضع كان فى البلاد سيئا والشرطة كانت تضرب المظاهرات، والمهم مصلحة البلد، والوطن لا يتأثر باعتقال أحد.
فقال له الباشا: يا بنى كنا نضربكم بالعصى، لكن الثوار الجدد سيضربونكم بالرصاص وسترون التعذيب على أصوله.
وبعد أن انتهى شهر العسل بين عبدالناصر والإخوان عامة والهضيبى الأب خاصة، بدأ الجو المصرى يتكهرب سياسيا، وكان الإخوان قد ظهروا للجميع بعد ثورة يوليه كما ظهروا بعد ثورة 25 يناير وعرفهم القاصى والدانى.
وبعد محاضرة للدكتور/ مصطفى قناوى أستاذ الباطنة بقصر العينى والطبيب الخاص لعبدالناصر استدعى عشرة من قادة الإخوان بقصر العينى منهم جامع وسالم نجم وقال لهم بحزم: أنتم شباب ممتاز وناصر ناقم نقمة كبيرة على الإخوان، ويكره الهضيبى ويشتمه وهو يتوعد الإخوان بالذبح، ويطلب التفاهم مع شباب الإخوان على أمرين لحل المشكلة.
الأمر الأول: حل التنظيمات المسلحة لدى الإخوان وتسليم الأسلحة.
الأمر الثانى: تعيين بديل عن الهضيبى «الأب».
ونصحهم د/قناوى بعمل شىء بسرعة لإنقاذ الموقف، كان جامع جريئا فذهب مع صديق عمره سالم نجم وكانا وقتها فى بكالوريوس الطب عام 1954 إلى مكتب الإرشاد ولكن نجم خاف الذهاب للاستئذان للطلبة العشرة قائلا له: يا جامع انت شاطر وسلكاوى، اذهب وحدك، فذهب فلم يجد سوى وكيل جماعة الإخوان/ خميس حميدة الذى رفض الفكرة قائلا: يا محمود ابعد عن هذا الموضوع وأنا أحبكم، وهناك خطر عليكم أنتم العشرة.
فعاد خائبا ليفاجأ بفصله من النظام الخاص والجماعة معا، وأصبح منبوذا تماما من كل رفاق عمره من الإخوان. لا سلام ولا كلام ، والبعض يسلم عليه بحياء، والبعض يقول له: أنت هكذا أفضل.
فلما وقع حادث المنشية وبدأ القبض على الإخوان، أصبح جامع فى حيرة من أمره، فبماذا ستصنفه الحكومة، هل هو إخوان أم مفصول.
وزاد أمره سوءا تقاطر الإخوان الهاربين على شقته بعد استضافته لصديقه نجم المطلوب القبض عليه، وأكثرهم لم يكن لديه أى حس أمنى يحمى شقته من الاقتحام، وبعضهم يعطى عنوانها لهاربين آخرين فتكالبت عليه الهموم، وهوجمت الشقة فعلا، وتعلق هو وسالم نجم بالمواسير بين خطر القبض عليهم أو السقوط قتلى، ولكن الله مد فى عمرهما.
التحقا بعمال التراحيل للكسب بعد أن ضاقت بهم الدنيا، وجدا المأوى الآمن مع الفول والطعمية يأكلانهما بجوار القصعة يوميا، كان كل منهما يتقاضى ريالا يوميا.
فى يوم من الأيام جاء ضابط من مكافحة السرقة مع مخبريه وجنوده لفحص العمال ليلا، ومن حظ جامع العاثر كان الضابط زميله فى الثانوية العامة، نظر إلى بطاقة جامع المزورة فى دهشة قائلا: ألست أنت محمود جامع من الإخوان؟! قال وهو لا يدرى ما يفعل: نعم.. ولكن الظروف حكمت، فقال الضابط: خلاص خليك مفيش مشكلة، ولكن رئيسه قال: هذا من الإخوان نحن نريده.
قبض على جامع بتهمة الانضمام للإخوان رغم فصلهم له، فاجتمعت عليه كل المصائب، عذب بشدة لأنه كان محسوبا على النظام الخاص حتى أنقذه السادات بعد أن رجته والدته بإنقاذه.
أما عن شهادته عن الإخوان والنظام الخاص فى الأربعينيات والخمسينيات فيقول: «الإخوان كانوا وقتها تنظيميين فى داخل بعضهما، أحدهما الجماعة العلنية المعروفة التى قادها البنا بطريقته الدعوية المعروفة، والثانى مختلف عنه تماما يقوده السندى الحاصل على مؤهل متوسط ومريض بالقلب ويقود فى نفسه العمل العسكرى، ويعتمد على الطاعة العمياء والسرية المطلقة وقوة التحمل، وإلغاء فكر الإنسان وعقله، فضلا عن الكبر على باقى الإخوان والعوام، أما فرد الإخوان العادى فكان ينظر بإعجاب وانبهار إلى فرد النظام الخاص.
وقد استقل السندى بالنظام الخاص استقلالا كاملا بعد فترة بسيطة من قيادته، ومعظم عملياته كانت دون إذن قيادة الإخوان.
وسرد بعضا من عمليات النظام الخاص ومنها قتل واغتيال الخازندار والنقراشى ومحاولة اغتيال إبراهيم عبدالهادى وزير الداخلية فأصابوا بالخطأ رئيس مجلس النواب حامد جودة، وكأن التاريخ يعيد نفسه فى محاولة اغتيال اللواء عبدالحليم موسى التى تشابهت سيارته مع د/رفعت المحجوب فاغتيل الأخير مكانه، أما عن رأيه فى التنظيمات الخاصة فيقول إنها سبب كل مصائب الإسلاميين وهى التى أغلقت عليهم كل أبواب الخير وفتحت عليهم كل أبواب الجحيم ولوثت ثوب الدعوة الأبيض بالدماء، وأوقعت الصدام المروع بينهم وبين الحكومات وزرعت العنف فى الأجيال المقبلة.
أما لماذا أبقى الشيخ البنا على السندى فلم يجد لها جامع إجابة شافية، والغريب فى الأمر أن عبدالناصر استقطب السندى إلى جواره فى مواجهة القاضى الهضيبى، وكان الأخير يكره السندى والعنف والتنظيمات الخاصة وحاول مرارا حل النظام الخاص بعد عزل السندى الذى اغتال سيد فايز القيادى بالنظام الخاص بعلبة حلوى متفجرة لتبعيته للهضيبى عدو الجناح الخاص.
وقال جامع: لقد تدرب معظم شباب الإخوان الجامعى فى صحراء المقطم من أجل التطوع لفلسطين وكان يدربهم وللغرابة جمال عبدالناصر وكمال الدين حسين وعبدالمنعم عبدالرءوف وكلهم كانوا ضباطا وقتها، وأصبحوا أعضاء فى مجلس قيادة ثورة 23 يوليه.
وأردف قائلا: واستطاع ناصر التغلب على الإخوان وهزيمتهم فى أوائل الخمسينيات باستقطابه لمعظم قادتهم على أساس أنه الحاكم وهو من الإخوان وهذا صراع داخلى فى الإخوان، وقد فضله أكثرهم على الهضيبى الأب الذى كان البعض يرونه مثالا للجمود والتحجر ومنهم الغزالى والباقورى وسيد سابق وعبدالعزيز كامل وغيرهم.
وقد ذكر د/جامع أن د/نوال السعداوى كانت المسئولة عن دعوة الأخوات فى طب قصر العينى، وهى من دفعته وهى أول من خصصت مصلى للفتيات فى الكلية، وكان لها نشاط دعوى قوى جدا، وأنشط طالبة فى الأخوات فى الطب، ووالدها كان رجل دين وشريعة من خريجى دار العلوم، وله تفسيرات مقنعة فى تحولها 180 درجة عما بدأت به يضيق المقال عن شرحها.
وكان فى دفعته أ. د/حسين كامل بهاء الدين «أستاذ طب الأطفال» ووزير التعليم الأسبق وكان لا يحب السياسة فى بداية حياته ويقول لجامع: يا محمود أبعد عن السياسة، دى ها توديك فى داهية، وإذا به هو يسير سياسيا كبيرا.

التعليقات