ضربة فى قلب لبنان أم للتعددية فى المشرق العربى؟ - من الفضاء الإلكتروني «مدونات» - بوابة الشروق
الأربعاء 21 أكتوبر 2020 6:38 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

ضربة فى قلب لبنان أم للتعددية فى المشرق العربى؟

نشر فى : الأحد 26 يوليه 2020 - 7:55 م | آخر تحديث : الأحد 26 يوليه 2020 - 7:55 م

نشرت مدونة الديوان التابعة لمركز كارنيجى مقالا للكاتب مروان المعشر تناول فيه الأزمة التى تواجهها لبنان الآن، ويصفها بأنه أزمة أعمق من تلك التى أدت إلى الحرب الأهلية، فسوء استخدام التعددية فى لبنان ستضر بمستقبل التعددية فى الشرق الأوسط... نعرض منه ما يلى:

يصف الكاتب ما رآه فى لبنان عندما عرفه للمرة الأولى يوم التحاقه بالجامعة الأمريكية فى بيروت عام ١٩٧٢. وكيف عرف هناك، للمرة الأولى أيضا، قيم التعددية والتفكير الناقد. كما اكتشف أن الحقائق عادة ما تكون نسبية، وأن هناك تعددية فكرية يحتاج المرء إلى أن يحترمها ويتقبلها. هذه التعددية مهددة فى لبنان اليوم، ما قد يفقد الشرق أحد أهم معاقلها.
فى الجامعة الأمريكية، درس الكاتب التاريخ العربى للمرة الأولى ليس من الزاوية الرسمية، بل من زاوية مثقفيه وأدبائه وفلاسفته من أمثال الغزالى وابن خلدون وابن رشد وابراهيم اليازجى وقسطنطين زريق ووليد الخالدى ومى زيادة وغيرهم. والتقى فى لبنان بالشيعى والسنى والمسيحى والدرزى والخليجى والإيرانى وبأشخاص من مختلف الجنسيات والمعتقدات، جميعهم أغنوا تجربته وعلموه كيف أننا نعيش فى مجتمع تعددى. كما تعلم فى بيروت أهمية الفكر الحر فى تطوير المجتمعات وتجديدها.
حين كفر اللبنانيون أنفسهم بالتعددية التى هى مصدر قوتهم الأساسية، واندلعت الحرب الأهلية عام ١٩٧٥، غادر الكاتب البلاد وهو يشعر بأن تجربته تم اجهاضها قبل أن تتاح له فرصة نهل المزيد من التجارب التى ساهمت فى صقل شخصيته وفى ايمانه الراسخ بأهمية التعددية السياسية والثقافية والجندرية والفكرية فى بناء الأفراد والأوطان. يوضح الكاتب حزنه من مغادرته للبنان وهو يشعر بأن جزءا من تكوينه لم يكتمل، وأن سكينا زُرع فى قلبه كما فى قلب التعددية التى أغنت المشرق لقرون عدة.
***
يحكى الكاتب أنه غاب عن لبنان ستة وعشرين عاما، ليعود إليه عام ٢٠٠٢ وزيرا لخارجية الأردن لحضور القمة العربية التى عقدت فيه. انتعشت آماله مرة أخرى بأن لبنان قد استوعب الدروس القاسية من حرب أهلية دامت لخمسة عشر عاما، وبأنه أدرك أن عليه حماية تعددية المشرق ليس فقط بوقف الحرب واحترام مكوناته الدينية والثقافية والفكرية، ولكن أيضا ببناء دولة المؤسسات والقانون وضمان عدم تغول فئة على أخرى، وبمكافحة فساد القوى السياسية.
لكن هذا لم يحدث، ففى حين عادت التعددية الثقافية والدينية إلى الواجهة، لم تُرافقها ممارسة للحوكمة الرشيدة، فقد تفشى الفساد لدى جميع القوى، ونصب البعض نفسه فوق الدولة التى تم نهبها على مدى عقود ومن جميع القوى السياسية. وبدلا من أن ترفع التعددية فى هذا البلد العظيم من شأن لبنان، أوصلته القوى السياسية والطائفية التى أساءت استعمال هذه التعددية إلى شفير الهاوية اليوم.
يقول الكاتب أن قلبه يدمى مرة أخرى اليوم حين يستمع إلى شهادات العديد من المثقفين والإعلاميين والأكاديميين والمسرحيين ومختلف شرائح المجتمع تتحدث عن نيتها الهجرة، فهذا البلد الذى صمدوا فيه وأعطوه كل حياتهم لم يعد يشبههم، فقد تم نهبه وإفقارهم حد كفرهم بماضيهم واستعدادهم للبدء من جديد خارج وطنهم.
***
يتعرض لبنان اليوم إلى أزمة أكبر من تلك التى أدت إلى الحرب الأهلية عام ١٩٧٥، ففى الوقت الذى ساهمت التعددية فيه إلى التطوير والتجديد الثقافى وإلى جعله منارة للفكر الحر ومقرا لحركة مسرحية وفنية وثقافية عالية المستوى ومركزا للتأليف والنشر، أصرت أحزابه السياسية والطائفية على ممارسة الفساد والسرقة ما جرد شعبه من لقمة عيشه.
ما يُقتل فى لبنان اليوم مرة أخرى هو تعددية المشرق بكل غناها. قُتلت قبلها فى العراق وفى سوريا، وتُقتل اليوم فى واحد من آخر معاقلها فى هذه البقعة من الأرض، كل ذلك لأننا لا نريد أن نفهم أن تغول فئة على فئة لا يبنى بلدا، وأن احتكار السلطة لا يصنع الازدهار، وأن الجشع والفساد يأتى بالدمار على كل البلاد، بما فى ذلك على من يمارسه.
***
يتساءل الكاتب.. كم من بلد سنسمح بتدميره قبل أن نصحو؟ كم من مثال حى أمامنا من التراجع والتقهقر والخروج خارج الدائرة الإنسانية نحتاج قبل أن ندرك أن الأوطان لا تُبنى دون مؤسسات راسخة وأنظمة من الفصل والتوازن، ودون محاسبة تسرى على كل الناس، ومتى نفهم أن الاستقرار والازدهار تحميه التعددية والحوكمة الرشيدة لا السلطوية.
لكن شيئا من هذا لا يحدث. تحسرنا على وضع العراق دون أن نعتبر، وتأسفنا على سوريا ووضعنا اللوم على الجهات الخارجية باعتبار أننا دوما أبرياء، وها نحن نراقب ما يجرى فى لبنان دون أن نحرك ساكنا. ولما لا، فالمصائب دوما عند الجيران، والنار التى تفتك بالغابات التى حولنا لن تصلنا.
متى ندرك أن خلاصنا يكمن باحترام تعدديتنا واحتفائنا بها وإقرانها بالحوكمة الرشيدة؟ عدا ذلك، لن ترحمنا الأجيال القادمة إن بقينا على نهج يُصر على احتكار الحقيقة والسلطة والموارد ويعتقد بإمكانية استمرار ذلك إلى أبد الآبدين.

النص الأصلى
https://bit.ly/32V8fFU

التعليقات