العَلَم.. لا دهشة ولا حرج - بسمة عبد العزيز - بوابة الشروق
الإثنين 18 أكتوبر 2021 3:38 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح التبرع بالأعضاء بعد الوفاة؟

العَلَم.. لا دهشة ولا حرج

نشر فى : الجمعة 26 أغسطس 2016 - 9:10 م | آخر تحديث : الجمعة 26 أغسطس 2016 - 9:10 م
حين رفعت رأسى عن الأوراق فى لحظة عابرة، لمحتهما يمران بين الرفوف الكثيرة التى تكتظُّ بها المكتبة. امرأةٌ مُنتقبة تتَّشح بالسواد مِن قمة الرأس إلى أصابع القدمين، ورجلٌ فى منتصف العمر له لحية سوداء أيضا وكثيفة، تغطى مِنه العنق وتصلُ إلى الصدر. كان يرتدى بنطالا قصيرا وفانلة قطنية بيضاء تحمل رسما وحيدا لعَلَم. العَلَمُ لا تخطئه عينٌ بخطوطه الحمراء العريضة والنجوم ذات الخلفية الزرقاء. لا أعرف لمَ أورثنى مرآهما شعورا بالتناقُض. تناقضٌ بين هُوية العَلَمِ الصريحة وملامح الرجل المصرية التى لا لبس فيها وانتمائه العقائدى الواضح.

تذكرت على الفور شعورا مماثلا، انتابنى حين طالعت خبرا نشرته صحيفة رسمية منذ شهور خلت، عن استشهاد مُجَنَّدٍ شاب. نعته الصحيفة فى عبارات مؤثرة وركزت بطبيعة الحال على آيات الوطنية فى سيرته وعلى التضحية التى بذلها فى سبيل حماية مصر مِن الأعداء. قالت إنه قدم روحه الغالية ودماءه الطاهرة دفاعا عن سلامة أراضيها. احتلت صورة المجند الركن الأيمن مِن الخبر.
صورة طولية لشابٍ أسمر فى مُقتَبَلِ العُمر، ينتمى إلى قرية فى الوجه البحرى، يجلس على كتلة حجرية ويستند براحة يده إلى سطحها. كان يرتدى بنطالا أسود وفانلة يغطيها عَلَمٌ، والعَلَمُ لا تخطئه عينٌ، بخطوطه الحمراء العريضة ونجومه ذات الخلفية الزرقاء. شكَّلت ملامحُ الشاب المصرية المألوفة ونبتاتُ شعره الأسود الخشن وصفةُ «الشهيد» المنقوشة أسفل صورته، تناقضا مؤرقا مع ألوان الَعَلمِ الذى ارتداه. بدا العَلَمُ نفسه مُتنافرا مع السياق ومع مَوقِف الاستشهاد المهيب. طردت الصورةَ مِن خيالى ودسست رأسى فى الأوراق مِن جديد.

***

عائدة مِن المكتبة إلى المنزل، مررت بأحد ميادين مصر الجديدة. انتبهت لحضور العَلَمِ المصرى بوفرة. دقَّقت النظر فرأيت العشرات، كلُّ عَلَمٍ له عصا خشبية، وكلَّ عصا مربوطة فى عنق عمود مِن أعمدة النور، وملفوفة بأسلاك وكأن العَلَمَ مَشنوقٌ. عَبَرت مِن المكان نفسه عددا مِن المرات فى أيام تالية، كان المشهد على حاله لا يزال، وقد انتبهت إلى وجود أعلامٍ أخرى أكبر حجما، مُتدلية على أسوار وواجهات المبانى الُمشرفة على الميدان. وسط الصينية التى انكمش قطرها أخيرا بفعل عمليات التطوير، انتصب العَلَمُ مرفوعا على خازوق. شاهدت خازوقا أطول فى ميدان التحرير، الميدان الذى أُريد له الحرمان مِن ذكريات الثائرين ومِن أثرهم، فكان ما كان مِن تبديل وتغيير.

الخازوقُ فى كلا الميدانين شديدُ الابتذالِ، لا يحملُ مَلمَحا مِن ملامح الجمال والاعتناء ولا يُراعى علاقات الكُتلة والفراغ، ولا مُعطيات المكان والتاريخ، إنما هو شاهد على ذوقٍ مُتدنٍّ ومسعًى خائب؛ إذ لا يستثير الحماسة التى غابت ولا يعيد التعاطف مع واضعيه، مثله مثل الإفراط فى توزيع الأعلام؛ لا يؤكد مَشاعِرَ الوطنية ولا يؤججها، ولا يمكنه صرف انتباه المواطنين عن الجوع والعجز وقلة الحيلة. لا يمكن للأعلام الصغيرة والكبيرة والخوازيق كلها مجتمعة، صرف انتباه الناس وتشتيتهم عن فسادِ الرؤية التى تُفقِر الأغلبيةَ وتُعطى الأقليةَ وتُدلِّل النُدرةَ وتوفر لها أسبابَ الرفاهية المستفزة والرخاء الأبدى.

***

الأعلامُ المُهانةُ قُبحا فى صُررِ الميادين والمنثورةُ هباء هنا وهناك، لم يعد لها فى وجدان السائرين طعم أو لون أو رائحة. لا يستحى اليومَ أحدٌ أن يتدثر بعلمٍ غريب عنه، لا يستحى أحدٌ أن يرفع علما غير علمه. لا دهشة ولا حرج إن رُفِعَ العلمُ السعوديّ فى طابور العرضِ المصريّ خلال أوليمبياد ريو، لا دهشة ولا حرج إن رُفِعَ قبلا فى ميدانِ التحرير. لا دهشة ولا حرج فقد تبدل الإحساس بالعَلَمِ فى الفترة الأخيرة، وبعد أن تعززت مِن خلاله الكبرياء وتشبثت به السواعد فى حِراك يناير الثورى، انقلب الأمر؛ تبعثرت الكرامة وتوارت الأحلام وخذلته الأيادى التى باتت مُحبطة ضعيفة. انحنت الأعناق وانكسرت الظهور وصارت الأعلام سواء.
بسمة عبد العزيز طبيبة وكاتبة
التعليقات