كنت طفلا قبطيا في المنيا - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الأربعاء 20 يناير 2021 5:35 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع وصول منتخب مصر لنهائي كأس العالم لكرة اليد؟

كنت طفلا قبطيا في المنيا

نشر فى : الخميس 26 نوفمبر 2020 - 9:25 م | آخر تحديث : الخميس 26 نوفمبر 2020 - 9:25 م

هذا هو المقال السادس الذي أكتبه في إطار سلسلة الشخصية القبطية في الأدب المصري، والمقال يتناول كتاب "كنت طفلاً قبطياً في المنيا" للأديب الشاب مينا عادل جيد، والصادر في عام ٢٠٢٠ عن مؤسسة مجاز الثقافية. بدرجة معقولة من الثقة يمكن القول إن العمل الذي بين أيدينا يختلف في كثير من الجوانب عن السير الذاتية القبطية السابقة فنحن أولاً إزاء عنوان هو عبارة عن بطاقة تعريف كاملة بالمؤلف، فمن حيث السن نحن إزاء طفل يحكي عن نفسه خلال الفترة ما بين ٣ إلى ٩ سنوات (من ١٩٩٣ وحتي ١٩٩٩)، ومن حيث محل الإقامة فإنه في محافظة المنيا، ومثل هذا التحديد الدقيق في العنوان لبيانات المؤلف غير شائع في حدود ما أعلم. ونحن ثانياً إزاء عمل يقع في منطقة بينية ما بين السيرة الذاتية والثقافة الشعبية أو النص الأنثروبولوجي، فالمؤلف لا يكتفي بأن يحكي لنا عن الطقوس التي مارسها بوصفه طفلاً قبطياً لكنه يشرح لنا معني هذه الطقوس ويبحث عن جذورها في الديانات القديمة حتي ما قبل عصر الفراعنة ويتابع تطورها حتى انتهت إلى وضعها الحالي. إنه يحاول أن يزيل الغموض الذي يكتنف المجتمع القبطي بعاداته وتقاليده وموروثاته وحين يفعل سيكتشف من لا يعرف أن هناك مشتركات كثيرة بل وكثيرة جدا بين المسلمين والمسيحيين المصريين، كما أنه يحاول أن يغيّر الصورة المسبقة عن الشخصية القبطية في ذهنية المسلم والتي تتراوح ما بين المثالية الشديدة إلى حد افتراض أن المسيحي لا يدخن، والسلبية الشديدة إلى حد تصور أن المسيحي تنقصه النظافة الشخصية. كل هذا سيأتي الحديث عنه في أثناء المقال لكن قبل أن أترك هذه النقطة لي سؤال: إلى أي حد يمكن القول إن بناء الغموض حول العالم القبطي فيه جزء هو من صميم العقيدة المسيحية نفسها؟ أسأل ذلك وفِي ذهني "أسرار الكنيسة" من أول سر المعمودية التي تُدخل المولود إلى دين المسيح بشكل رسمي وحتى سر الاعتراف الذي يتخفف به المسيحي من بعض خطاياه يوم يقوم الحساب. وأخيراً يوجد وجه ثالث من وجوه اختلاف هذا العمل عن غيره، وذلك أن المؤلف انتقل دون سابق إنذار للكتابة عن المجتمع القبطي بعدما كانت إسهاماته السابقة في غير هذا المجال، وكان سبب انتقاله المفاجئ من إحدى ضفاف الكتابة إلى الضفة الأخرى هو الصدمة المروعة التي عاشها كمراسل لقناة سات سڤن المسيحية بينما كان يغطي الجريمة الإرهابية التي وقعت عند دير الأنبا صمويل عام ٢٠١٧ (وقد تلتها جريمة ثانية في نفس الموقع عام ٢٠١٨)، وهكذا بدا كما لو أن الكتابة عن الذات القبطية فيها شيء من رد الاعتبار لأصحاب الدم المسفوك لا لشيء إلا لأن لهم دين مختلف .
*
يأخذنا هذا العمل الجميل إلى داخل المجتمع القبطي بأعياده وموالده ونذوره وعلاقاته اليومية مع المجتمع المسلم، وهي علاقات فيها مجاملات ومصالح وانطباعات وفيها أيضاً قدر لا بأس به من الخرافات والتقاليد المشتركة. عند عودة أسرة مينا من مولد العدرا في جبل الطير (قرية صغيرة في مركز سمالوط بمحافظة المنيا)، كانت جدة مينا لأمه تجامل جيرانها- وفيهم مسلمون- ببعض الهدايا، وكان يحتج حفيدها بأنه أولى بهذه الهدايا من المسلمين الذين "لا يحبوننا" لكنها لم تكن تستمع إليه، ولا هي أبداً كانت تقصرّ في واجب العزاء حتي إذا نادى شيخ الجامع في الميكروفون معلناً وفاة أحد أبناء المنطقة قالت لمينا باهتمام "اسطنت كده شوف مين مات"، وبمرور الوقت أدرك مينا أثر هذه المجاملات في النفوس فعندما ماتت الجدة ترحم عليها حتى أكثر المسلمين تعصباً. يبدو للقارئ تماماً مدى تأثر المؤلف بهذه الجدة الحكيمة فحكاياتها متناثرة بين صفحات العمل، وهي كما رسم مينا شخصيتها امرأة قوية وعلى سجيتها لا تجد غضاضة حين تستمع للآذان من أن تردد "الله أكبر على كل ظالم ومعتدي"، وحين يتوفى زوجها تطلب من مينا أن يضع له في القبر زجاجة مياه وكسرة خبز حتى إذا جاع أكل، وهكذا بدون أن تدري الجدة أنها كانت تستوحي طقساً فرعونياً أصيلاً من طقوس الموت فإنها كانت تفعل بكل سلاسة. وفِي علاقة مسلمي المنيا بمسيحييها أيضا مصلحة، فمعظم الألعاب الموجودة في مولد العدرا من نيشان ومراجيح ووابور حديد يملكه مسلمون، والمسيحيون أنفسهم من أهالي قرية جبل الطير كانوا يؤجرون مساكنهم للأسر التي تأتي للمولد، ومن يدري فلعل بعض المستأجرين كانوا مسلمين ممن اعتادوا التردد سنوياً على المولد من أجل التبرك بالعدرا. أما عن الخرافات المشتركة فحدّث ولا حرج، يحكي مينا عن ذلك الشيخ المسلم الذي جاء ليفك العمل عن عمه حتى ينجب، فإذا به يطلب سكيناً ويقرأ عليه بعض التعاويذ ثم يحرقه وبعد ذلك يطلب من العم أن يبول عليه فيمتثل الرجل، والعجيب أن هذه الخزعبلات تنفع ويُرزَق العم بثلاثة أبناء!. وكما يطلب المسلمون البركة من أولياء الله الصالحين ويراسلون الإمام الشافعي يطلب المسيحيون شفاعة القديسين ويراسلون مارمينا، وعندما يكون الطلب عويصاً ويحتاج تدخلاً روحانياً من النوع الشديد فلا مانع من إشراك أكثر من قديس واحد لتعزيز الشفاعة، هذا علماً بأن هناك تخصصاً في الشفاعة فالبابا كيرلس مسؤول عن النجاح في مقرر التاريخ والأنبا صمويل مطلوب للنجاح في مادة الأحياء، فأي خصوبة يتحلى بها خيالنا الشعبي؟. لكن الخصوبة ليست كل ما نخلص إليه من هذا الحكي، الأهم هو الجذع المشترك للعادات والتقاليد الشعبية، أخذ المسيحيون صلاة الطشت للمولود يوم السبوع من قدماء المصريين الذين كانوا يغسلون المولود في النيل حتى يباركه الإله حابي، ثم أخذوا من المسلمين وضع المولود في غربال لتمر عليه الأم سبع مرات: الأولى باسم الله والتانية والتالتة و...السابعة باسم محمد ابن عبد الله، وهذا هو التاريخ الذي لا يلغي فيه الواقع الماضي ولا يسيطر فيه الأمس على الغد، إنما هو عبارة عن عدة حلقات متواليات ومتصلات، وبائس هو الشعب الذي يحاول أن يفك هذا التواصل أو يتنكر له .
*
أدين لهذا العمل الممتع بأمرين، الأول أنه أطلعني على تفاصيل كنت أجهلها عن المجتمع المسيحي وقد كنت أزعم أني قريبة من هذا المجتمع تنشئةً ودراسةً وصداقات وقراءةً، فمثلاً لم أكن أعلم أن وشم الصليب في الرسغ من خواص أبناء المدينة بينما أن وشمه في ظهر الكف من صفات أبناء الريف، ولا كنت أعرف أن هناك حداً زمنياً أقصى لتعميد المولود هو ٤٠ يوماً للصبي و٨٠ يوماً للصبية (ولعلها أول مرة تتمتع فيها الأنثى بميزة عند الميلاد!)، ولا إن هناك صلاة لصرف روح المتوفي من منزله يؤديها الكاهن في اليوم الثالث من الوفاة، ولا كانت لديّ كل هذه المعلومات عن الأسباب الدينية لتناول مأكولات معينة في المناسبات المختلفة: القصب والقلقاس في عيد الغطاس وورق العنب والطعمية في الجمعة العظيمة والخيار والجبنة البيضاء عند زيارة المقابر (وهذه العادة تحديداً تسببت لمينا في عقدة نفسية فكره أكل الخيار مع الجبنة لارتباطهما معاً بالموت). نحتاج نحن المصريين أن يعرف بعضنا البعض أكثر وأن ينفتح بعضنا على البعض أكثر فالاغتراب داخل الوطن مؤلم وما فعله مينا هو عبارة عن محاولة لتبديد هذا الشعور. ثم جاء دور أستاذ الاجتماع القدير دكتور سعيد المصري الذي كتب مقدمة العمل ووصفه بأنه يدخل في مصاف "النصوص الإثنوجرافية الدقيقة"، ولذلك رأى أن يقرره على دبلوم التنمية الثقافية في كلية الآداب، وهذه هي مسؤولية المثقف الحقيقي الذي يعي دوره المجتمعي في عملية التغيير والتنوير. أما ثاني ما أدين به لمينا فهو أنه مر- وإن يكن مرور الكرام- على التغير الذي طرأ على عادات وتقاليد المجتمع القبطي، وقد تمثل هذا التغير في التخلي عن بعض الأقوال والممارسات التي كانت تتغافل عنها الكنيسة، ثم إذا بالصحوة المسيحية تلي الصحوة الإسلامية ويحدث التغير (مثلاً لم تعد هناك غوازي في الموالد المسيحية وفِي الحقيقة لم تعد هناك غوازي بشكل عام إلا في استثناءات قليلة)، ولعل مينا يطور لنا فكرة التغير وتأثيراته الأوسع على علاقة المسلمين بالأقباط في مسقط رأسه: المنيا، وقد فهمت أنه يستعد لإصدار عمل جديد في معرض الكتاب المقبل.

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات