النفط الصخرى يعزز نفوذ شركات النفط الأمريكية وطاقاتها - صحافة عربية - بوابة الشروق
الإثنين 18 نوفمبر 2019 2:44 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعك لنتائج منتخب مصر في كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة؟

النفط الصخرى يعزز نفوذ شركات النفط الأمريكية وطاقاتها

نشر فى : الأربعاء 27 مارس 2019 - 2:15 ص | آخر تحديث : الأربعاء 27 مارس 2019 - 5:43 ص

نشرت جريدة الحياة اللندنية مقالا للكاتب وليد خدورى ــ الكاتب العراقى المتخصص فى شؤون الطاقة – تناول فيه تطور إنتاج النفط الصخرى فى الولايات المتحدة من خلال الاكتشافات الجديدة التى ستؤثر بدورها على زيادة إنتاج الولايات المتحدة للنفط وتأثير ذلك على المخزون العالمى للطاقة والصناعة النفطية العالمية.

انطلقت صناعة النفط الصخرى الأمريكية على طريق جديد، مع توصل إنتاج النفط الصخرى إلى نحو 8 ملايين برميل يوميا فى ديسمبر الماضى، ما زاد الإنتاج الأمريكى الصخرى والتقليدى إلى رقم قياسى بلغ 12.2 مليون برميل يوميا.

ورفعت الطاقة الإنتاجية العالية للولايات المتحدة، بفضل النفط والغاز الصخرى، شهية الشركات النفطية الأمريكية العملاقة للاستثمار فى هذه الصناعة الجديدة بدلا من حصرها بيد الشركات الاستثمارية الصغيرة التى بادرت بإطلاق صناعة البترول الصخرى تجاريا. وأخذت شركة «إكسون موبيل» و«شيفرون» وغيرهما من الشركات العملاقة بالاستثمار فى هذه الصناعة، مما وفر زخما قويا كانت الصناعة والشركات بحاجة لها.

***
الشركات الاستثمارية كانت بحاجة ماسة إلى التمويل الضخم لصناعة البترول الصخرى، والشركات العملاقة بحاجة إلى مصادر نفطية ضخمة جديدة ذات إمدادات كثيفة لتوسع هيمنتها على الأسواق الدولية، من دون الحاجة إلى تبنى سياسات «أوبك» وحلفائها فى توازن الأسواق، وهو ما يؤدى إلى خفض الإنتاج فى بعض الأحيان. وهذا ما هو حاصل فعلا خلال النصف الأول من هذا العام، ولربما يمتد خفض الإنتاج إلى نهاية العام الحالى، بناء على حجم المخزون النفطى التجارى. لكن تحاول «أوبك» والحلفاء خلال النصف الأول من هذا العام خفض الإنتاج 1.2 مليون برميل يوميا لتقليص الفائض النفطى التجارى الذى تغذيه زيادة الصادرات النفطية الأمريكية. فهدف «أوبك» وحلفائها منع تكرار ظاهرة تدهور الأسعار كما حصل بين عامى 2014 و2016 من خلال تقليص الإنتاج، ولكن الولايات المتحدة التى ترفض لأسباب سياسية وقانونية التعاون مع «أوبك» وتتبنى فى الوقت ذاته سياسة ثلاثية الأبعاد، وهى زيادة الحصار ومقاطعة بعض الدول النفطية لأسباب سياسية، مثل إيران وفنزويلا، ما يقلص الإمدادات العالمية ويزيد من الأسعار، فى الوقت ذاته الذى لا ينفك الرئيس دونالد ترامب التغريد أن الأسعار عالية ومضرة للاقتصاد العالمى.

وانتهزت الشركات الفرصة التى أتاحتها لها صناعة النفط الصخرى بزيادة الإنتاج والصادرات فى نفس الوقت الذى تقوم به «أوبك» وحلفائها بتقليصه، الأمر الذى أدى إلى التخمة فى المخزون العالمى مرة أخرى خلال هذا العقد. لقد أصبح من الواضح أن الإنتاج الأمريكى المتزايد يحل محل التخفيضات التى تتحمل مسئوليتها وتنفذها أكثر من غيرها كلا من الدولتين المنتجتين الكبيرتين فى التحالف، أى السعودية وروسيا. وستشكل هذه السياسات المختلفة بل المتناقضة فرصة لدول التحالف لاستقرار الأسواق بالسرعة اللازمة.

***
واستطاعت السعودية اعتماد سياسة دور المرجح من خلال الطاقة الإنتاجية العالية المتوفرة لها وزيادة الإنتاج منها إذا تطلب الأمر. وعلى رغم أن هذه الأدوات لا تزال متوفرة للسعودية، بالذات مع زيادة طاقتها الإنتاجية المستقبلية من مستواها الحالى البالغ 12 مليون برميل يوميا إلى 15 مليون برميل يوميا، وما ساعد على استمرار «أوبك» وحلفائها استمرار تبنى سياسة دور المرجح، بالذات للتعاون النفطى السعودى – الروسى بشكل وثيق وجدى منذ العام 2016.

من المعروف أن سياسة دور المرجح تتحمل نفقات عالية جدا، منها تخفيض الإنتاج من بعض الحقول والآبار لفترة طويلة. من ثم، سيشكل غياب تنسيق السياسات مع الدول الثلاث المنتجة الكبرى إلى امتداد فترة الدور المرجح لمنظمة «أوبك» وحلفائها. وبالفعل اشتكت وعارضت بعض الشركات الدولية العاملة فى أقطار «أوبك» من تبنى الدول المنتجة تخفيض الإنتاج التى تقررها «أوبك». وقد تكررت هذه الاعتراضات من قبل بعض الشركات فى روسيا نفسها، نظرا لالتزام الشركات بمواعيد كانت قد اعتمدتها لتطوير الحقول.

***
أخذت تبرز القوة الجديدة للشركات من خلال الاستثمارات الواسعة والاكتشافات الضخمة خلال العامين الماضيين. لكنها أصبحت بارزة وواضحة للعيان مع مستويات الإنتاج القياسية الأمريكية فى الآونة الاخيرة. وتدل التوقعات أن ولوج الشركات صناعة النفط الصخرى سيأخذ مدى أوسع فى المستقبل القريب. فقد ركزت الشركات العملاقة أهدافها فى تطوير حقلى «بيرمين» الضخم فى ولايتى تكساس ونيومكسيكو و«باكين» الضخم فى ولاية «نورث داكوتا». تم اكتشاف حقول ضخمة فى الحوضين. كما يتوقع المراقبون أن هذه الشركات ستستطيع، بفضل تخفيضها للنفقات والتقدم العلمى ونجاحها فى تحقيق الاكتشافات الضخمة، تحقيق الأرباح حتى فى حال انخفاض الأسعار إلى 35 دولارا للبرميل.

من المتوقع أن يبدأ الإنتاج الضخم من الحوضين «بيرمين» و«باكين» خلال النصف الأول من العقد المقبل (2020 ــ 2025). والسبب الرئيسى لتأخير الإنتاج الضخم هو انتظار الانتهاء من تشييد الأنابيب والخزانات وموانئ التصدير لاستيعاب الكميات الضخمة المتوقعة. وبدأ العمل فعلا فى البنية التحتية حيث تتوقع إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن يرتفع إنتاج الولايات المتحدة إلى 13 مليون برميل يوميا بنهاية 2020 مقارنة بنحو 12.2 مليون برميل يوميا فى الوقت الحاضر. وتتوقع إدارة معلومات الطاقة أن يبلغ مستوى الإنتاج الأمريكى نحو 24 مليون برميل يوميا بحلول 2025.

***

هناك، كما فى أى صناعة جديدة، تحديات عدة. ففى صناعة النفط الصخرى، هناك الإمدادات الإضافية المتوقعة من النفط الخفيف جدا لحقول النفط الصخرى. ومن المتوقع أن يترك هذا الإنتاج المتزايد للنفط الخفيف جدا بصماته على الصناعة النفطية الدولية، للأسباب التالية:
أولا: زيادة ضخمة مستمرة للإمدادات النفطية الأمريكية من النوع الخفيف جدا، وعدم توافر الأنواع الأخرى من النفوط (الثقيل والمتوسط والخفيف)، مما سيعنى أن المصافى العالمية، ومن ضمنها الأمريكية، ستستمر فى اللجوء إلى الاستيراد والاعتماد على إمدادات دول أخرى تستطيع أن توفر أنواعا مختلفة من النفوط.

ثانيا: هل ستنافس الشركات بدعم أو بغير دعم من الحكومة الأمريكية، أقطار «أوبك» وحلفاءها (من ضمنهم روسيا) فى الهيمنة على الأسواق، بعد قرارات «أوبك» التاريخية فى أوائل عقد السبعينيات فى نقل قرار الإنتاج إلى الدول المنتجة بدلا من الشركات. لكن هنا سيطرح سؤالا جديدا. فمع حيازة الشركات هذه الطاقة الضخمة فى الولايات المتحدة نفسها، أى خارج حلقة الدول المنتجة الأخرى (أوبك وحلفائها)، ومع سياسة أمريكية علنية لاستعمال سلاح النفط (الحصار والمقاطعة) لدعم سياستها الخارجية ضد «الدول المارقة»، بل وحتى محاولتها للضغط على أوروبا بتقليص استيرادها للغاز الروسى بحجة الأمن الطاقوى لأوروبا، بينما السبب الرئيسى هو زعزعة الاقتصاد الروسى. فهل سيتطور هذا التعاون ما بين الشركات والحكومة الأمريكية إلى استعمال سلاح النفط الأمريكى للضغط على الأسواق كما هو يستعمل للضغط على الدول «المارقة»، أم هل أن هذه سياسة مؤقتة ومحصورة بإدارة الرئيس ترامب؟ وهل ستلعب هذه السياسة دور المنتج المرجح فى الأسواق العالمية للتأثير على الأسواق والأسعار. وهل يمكن اعتماد هذه السياسة وما يتبع عليها من مسئوليات وتكاليف، وبالذات فيما يتعلق بالشركات نفسها، التى من أولوياتها توزيع أكبر عائد ممكن للمساهمين؟ وهل من المصلحة الأمريكية تخفيض الأسعار وهى بصدد بروزها كدولة مصدرة.

من المعروف أن الولايات المتحدة كانت تتطلع منذ منتصف السبعينيات إلى تغيير ميزان الطاقة الأمريكى من أكبر مستورد للطاقة عالميا، لتتحول إلى دولة مكتفية ذاتيا، وفك اعتمادها على الدول المصدرة (العربية منها بالذات) وقد حققت واشنطن هذا الأمر حاليا مع اكتشاف البترول الصخرى. طبعا، إذا تبنت الإدارات والشركات الأمريكية هذه السياسات سيعنى هذا عودة النظام النفطى العالمى إلى وضع جديد يختلف عما هو عليه منذ أوائل السبعينيات، وحيث ستتمكن الشركات أن تلعب دورا شبيها بدورها ما قبل 1970 ــ 1973، عندما قررت «أوبك» أخذ زمام المبادرة فى تقرير سياسات الإنتاج ولعب الدور المرجح فى الأسواق لاستقرار الأسعار.

التعليقات