شجرة تين - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الأربعاء 21 أكتوبر 2020 12:39 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

شجرة تين

نشر فى : الخميس 27 أغسطس 2020 - 10:45 م | آخر تحديث : الخميس 27 أغسطس 2020 - 10:45 م

أخذت أوراق شجرة التين المدلاة تشد حيلها وتستوي قليلا، راقبَت هدى هذا التطور السعيد ولم تسمح لنفسها أن تحتفل كما ينبغي بهذا الإنجاز، بينها وبين نفسها كانت تخشى على زرعتها من الحسد حتى من عينها هي، قديماً كانت تقول لها أمها إن الأطفال كالزرع الأخضر تؤثر فيهم العين فوضعت هذه الحكمة حلقة في أذنها، وعاشت تداري على طفلتها الوحيدة وتخشى على زروعها. مضت أيام طويلة وهذه الشجرة الحبيبة تذبل وتتساقط أوراقها الصفراء واحدة تلو الأخرى فتُحدث صوتاً لا يمكن لها أن تخطئه، فأوراق شجرة التين ضخمة على شكل أذني الفيل. ومع كل ورقة تصفّر كانت تشعر هدى أن لونها هي الذي يشحب هكذا وبدون مبالغة، ليس فقط لأنها اعتادت أن ترتبط جداً بأشيائها وتكره فراقها، لكن أيضاً لأن شجرة التين بالنسبة لها لم تكن مجرد ديكور تزين به أحد أركان شقتها الفسيحة، فهذه الشجرة التي عاشرتها لمدة سنة كاملة لعبت أدواراً كثيرة، وكل أدوارها كانت محببة. عندما اختارت صاحبتنا استضافة شجرة التين في بيتها كانت قد قرأت عنها قراءة وافية، وعرفت عنها بين ما عرفت أنها ضخمة وسامقة وأنها لا تُثمر حين تتم زراعتها داخل البيوت، لم تأبه كثيراً لأن تكون شجرة التين غير مثمرة، هي أصلاً لا تحب التين في كل أحواله لا الطازج منه ولا المجفف فمن باب أولى ألا تفكر في ثماره، كل ما يعنيها أن تورق الشجرة وأن تكون أوراقها خضراء وكبيرة كي تكون بهجتها كبيرة مثلها، وبالفعل كانت شجرة التين كذلك. وهكذا في عصر أحد أيام عطلة نهاية الأسبوع قصدَت هدى مشتلاً قريباً منها كانت سمعتُهُ طيبة، تجولَت بين دروبه وتفحَصَت نباتاته ثم أشارَت إلى إحدى شجرتّي تين وقالت: هذه هي .
***
في كل الصباحات التي تناولَت هدى فنجان قهوتها باللبن على الأريكة الرمادية المريحة كانت شجرة التين تظلل عليها، إنه وضع مناسب جداً لالتقاط الصور، هي تمسك بجريدتها وتطالعها والأوراق العريضة لشجرة التين تقرأ معها من عل، شجرتها ليست أقل رمزية من شجرة توفيق الحكيم في مسرحيته الشهيرة "يا طالع الشجرة" وربما حتى يكون العبث واحداً في الحالتين. لكن عندما يتعلق الأمر بقراءة رسالة على الموبايل تتعلق بأسرار العمل أو بفضفضة من صديقة عمرها عن مشاكلها الزوجية التي لا تنتهي ستجاهد هدى وتعمل كل ما في وسعها من أجل التخفي عن أوراق التين، هذه الأيام يحسن ألا تعطي الأمان لأحد حتى لو كان هذا الأحد شجرة تين. عموماً رافقتهَا الشجرة الكبيرة في الكثير من الصور التي ملأت ألبوماتها، وأسرّت لنفسها بأنها باتت تشعر في أي صورة تخلو منها كما لو كانت الخلفية بلا روح .
***
لكن هذا ليس كل شيء، ففي بعض الصباحات كان لا يخلو الأمر من مفاجأة صغيرة تعدّها لها طفلتها الوحيدة عندما تبزغ من وراء الشجرة بينما تكون هدى غارقة حتى أذنيها في قراءة الأخبار والتحليلات السياسية العميقة، في واقع الأمر فإنها قليلاً ما كانت تُفَاجأ فعلاً لكنها دائماً كانت تصطنع الدهشة، ينتشي الأطفال كثيراً بمشاعر التغرير بالكبار والضحك عليهم ولا يصح حرمانهم من هذه المتعة. تتساقط الصغيرة بين ذراعيها وتدخل الأم وابنتها في موجة من البهجة الخالصة، لفظ تتساقط مقصود تماماً لأن الصغيرة الآتية من وراء الأريكة حيث تقبع شجرة التين الوارفة كانت تنزل في حضن أمها زرع بصل كما يقولون. أما الدور الآخر الذي كانت تلعبه الشجرة فكان هو دور الخزنة، في أسفار صاحبتنا المتعددة للخارج كانت الشجرة تلوح لها كمخبأ مثالي لحليها وبعض الأوراق النقدية، ومع أن سرقات متعددة وقعت في الحي الذي تسكنه كانت تبيّن لها بكل وضوح أن اللصوص ينبشون ويفتشون ويبعثرون ويعبثون بكل شيء إلا أن صاحبتنا لم تفقد ثقتها أبداً في جدارة قيام الشجرة بدور الخزنة، لم تفقد ثقتها لأن هذه الثقة في الحقيقة لم تُختَبَر أبداً حتى تاريخه فلازال لصوص الجوار بعيدين عن بيتها والحمد لله.
***
بمرور الوقت ومع العِشرة بدت شجرة التين كما لو أنها فرد رابع من أفراد الأسرة، هدى وزوجها وابنتها والشجرة. صحيح أن الشقة كلها كانت أشبه ما تكون بواحة خضراء، لكن شجرة التين كانت وارفة أكثر وزاهية أكثر ومبهجة أكثر وأكثر، ولذلك لم يكن أسعد الأيام التي مرت على صاحبتنا ذلك اليوم الذي سقطت فيه على كتفها ورقة صفراء كبيرة من أحد فروع الشجرة، ولا بالتأكيد كان ذلك اليوم الذي يليه والذي من بعده والأوراق الذابلة تتساقط عليها تباعاً، ماذا أصاب شجرتها؟ لعله ضعف الإضاءة، سلَطَت نوراً كاشفاً على الأغصان وقد لاح جفافها لكن شيئا لم يتغير وسقطت ورقة. لعل الشجرة محشورة هناك في الزاوية فلنجرب مكاناً أوسع ترفرف فيه الأوراق على راحتها، جرَبَت وظل الوضع على حاله. لعله نظام الري.. لعله ولعله، لم تترك صاحبتنا احتمالاً إلا أوردته وأخطأت في كل احتمالاتها. وفي الأثناء كانت شجرة التين تذبل وتصفّر، لكنها لن تسمح لها أبداً أن تموت .
***
أعادت هدى اكتشاف قدراتها وهي تحمل المهمة المقدسة على كتفيها وتنطلق تبحث وتستشير وتقرأ وتجرب، إنقاذ حياة أمر يستحق المحاولة حتى لو تعلق الأمر بحياة شجرة. انهالت عليها النصائح والخبرات بمجرد أن وجهت نداء لأصحابها على الفيسبوك، وكانت تلك هي المرة الأولى التي تجرب فيها ذلك ولم لا، الكل يطلب الدعاء والمساعدة عبر وسائل التواصل وهي ليست استثناء. أتت بإصيص أكبر من الإصيص القديم وملأته بكمية ضخمة من الطين المُغّذَي بكل أنواع المقويات، احتضنَت شجرتها الضخمة بين ذراعيها واحتملَت بألم سقوط ورقة صفراء ضخمة في حجرها، لكنها قالت فيما يشبه التمني من يدري لعله يكون السقوط الأخير. راحت تُخلّص الجذور من آثار الطين القديم ولم تنتبه إلى أنها في لهفتها نست ارتداء قفازها المصنوع من الكاوتش.. والأرجح أنها أرادت أن تحتفظ لأصابعها بحاسة اللمس في تمامها. أخذَت تغسل الجذور المتشعبة الممتدة كأنها العمر الطويل برفق شديد. وأخيراً غرسَت الشجرة في الإصيص الجديد وأحاطتها بالطين المقوي من كل اتجاه وراحت تسويه بحرص. أخذَت نفساً عميقاً امتزجت فيه كل الروائح وراهنت على تفاؤلها .
***
أظنه آن الأوان لأتأكد أن هذه الحيوية التي دبت في شجرة التين ليست عارضة ولا زائفة ولا جزئية وأن الشجرة بُعثت فيها الروح من جديد، قالت هدى لنفسها وهي تتابع انتصاب الأوراق الخضراء القديمة مع إيناع أوراق أخرى جديدة، بسملَت وحوقلَت خوفاً من عينيها مع أن أحدًا من قبل لم يسبق له اتهامها بالحسد. استرخت على أريكتها الرمادية المريحة وفي الخلفية شجرة التين بعد أن عادت إلى مكانها الطبيعي، تساقطَت صغيرتها في حجرها زرع بصل بينما هي تمسك بالجريدة الصباحية، احتضنتها بقوة كالعادة وبيدها الأخرى أمسكَت بالموبايل لتلتقط صورة سلفي لثلاثتهم.

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات