كيف ضاعت؟! - محمد عبدالمنعم الشاذلي - بوابة الشروق
الأحد 24 يناير 2021 8:35 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع وصول منتخب مصر لنهائي كأس العالم لكرة اليد؟

كيف ضاعت؟!

نشر فى : الجمعة 27 نوفمبر 2020 - 7:55 م | آخر تحديث : الجمعة 27 نوفمبر 2020 - 7:55 م

كلها ضاعت ولكن كيف ضاعت؟ كلمات صاغها الشاعر إيليا أبوماضى عن أيام حياته. لكن أطرحها هنا عن فلسطين وكيف ضاعت. ضاعت لأننا أنكرنا الواقع ورفضنا مواجهته ولعلنا نتدارك ذلك بعد فوات الأوان وقبل مزيد من الخسارة. بدأ التفوق الإسرائيلى قبل قيام الدولة بوقت طويل بالاهتمام بالعلم وإنشاء المؤسسات العلمية مثل إنشاء معهد التخنيون العلمى عام 1912 وجامعة القدس العبرية عام 1925.
ومن جانب آخر أسست القوى العاملة اتحاد العمال الهستدروت عام 1920 وحركة الكيبوتز عام 1909 وبنك ليومى عام 1902 وحزب ماباى عام 1930 وأسست عددا من الصحف مثل هاآرتس عام 1919 ويديعوت أحرونوت عام 1939 وجيروزاليم بوست التى تصدر بالإنجليزية والفرنسية عام 1932.
عندما أعلنت بريطانيا نهاية الانتداب عام 1948 كان المكون اليهودى من شعب فلسطين معبأ تعبئة حديثة سياسيا واقتصاديا وعلميا وعماليا وإعلاميا فى حين بقى أغلبية الشعب العربى مشرذما، غير متماسك، ضعيفا، غير قادر على حماية نفسه من غلواء الأقلية اليهودية.
ثم كانت الحرب وتدخلت سبع دول عربية بجيوشها النظامية ضد ما أسميناه لسنوات طويلة العصابات الصهيونية وظللنا نرجع الهزيمة إلى الخيانة والأسلحة الفاسدة والقيادة البريطانية التى جعلت القوات العراقية تردد الكلمة التى شهرناها «ماكو أوامر» دون أن نواجه الحقيقة المرة بأن الدول السبع لم تقدر على حشد أكثر من خمسين ألف مقاتل فى حين أن إسرائيل حشدت مائة وعشرين ألف مقاتل معظمهم من يهود أوروبا الذين اكتسبوا خبرة قتالية فى الحرب العالمية الثانية ومنهم الفيلق اليهودى بالجيش البريطانى الذى تمركز فى فلسطين وسرحته بريطانيا عشية رفع الانتداب ليكون نواة للجيش الإسرائيلى.
***
اعتمدت إسرائيل حتى قبل نشأتها كدولة على دعم الدول الكبرى، بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة، ونفس الشيء بالنسبة للدول العربية التى اعتمدت على دعم الدول الكبرى، الخليج على الولايات المتحدة ومصر الناصرية على الاتحاد السوفيتى والأردن على بريطانيا مع فارق أن علاقة الدول العربية مع الدول الكبرى هى علاقة منح حسب تفضيل المانح، أما إسرائيل فقد استطاعت أن تخلق جماعات مصالح وضغط ولوبيهات تفرض شروطها على المانح. وكان لأسرة روتشيلد اليهودية دور كبير فى أوروبا ونجحت الوكالة اليهودية فى استقطاب لويد جورج، رئيس وزراء بريطانيا أثناء الحرب العالمية الأولى الذى كان محامى الوكالة قبل الحرب، ورسمت فى عهده خارطة العالم العربى حسب اتفاقية سايكس بيكو وصدر وعد بلفور، وفى الولايات المتحدة تأسست لجنة العلاقات العامة الإسرائيلية الأمريكية AIPAC التى تمثل أقوى لوبى ضاغط من أجل مصلحة إسرائيل وبذلك تمكنت إسرائيل من ضمان سياسة أمريكية تكفل التفوق النوعى للسلاح الإسرائيلى فى حين ترضى البلاد العربية بما تجود به الدول الكبرى. وعندما حاولت الدول العربية تكوين لوبى ضاغط لصالحها أوكلت الأمر إلى شركات دعاية وعلاقات عامة دون أن تدرك أن هناك فرقا بين الترويج للمياه الغازية والترويج لمصالح الدول. رغم أن المجتمع الإسرائيلى تكون من عناصر أتت من أركان العالم الأربعة من الدول العربية وروسيا وشرق أوروبا وغربها والأمريكتين وآسيا، كانوا يتحدثون لغات مختلفة ومن نظم سياسية متعارضة إلا أنها نجحت فى خلق مجتمع قوى متماسك متجانس. أما العرب فانقسموا بين مسلمين ومسيحيين، وانقسم المسلمون إلى شيعة وسنة، وانقسم السنة إلى سلفيين وصوفية وأكراد وأمازيغ، وتحاربت مصر مع السعودية بالوكالة فى اليمن، وقامت الحرب بين المغرب والجزائر، وحارب العراق إيران ثم غزا الكويت. فاستنفد العرب قوتهم فى الحروب فيما بينهم بينما بنت إسرائيل قوتها وعظمتها.
***
ولعل من أفدح الأخطاء أن القضية الفلسطينية صارت أداة للمزايدة بين العرب بحيث أن النظم باتت تستمد شرعيتها من قدر دعمها للقضية، فأطلق يد الفلسطينيين للتحرك دون ضابط أو رادع. وفى أوج أزمة العرب فى عام 1970 أرادوا فرض وصايتهم على الأردن فحدثت المواجهة الكارثية مع الجيش الأردنى فى أيلول الأسود وتكرر السيناريو فى لبنان فأدى إلى حرب أهلية أحرقت البلاد وأدت إلى اجتياح إسرائيلى تركها ممزقة بعد مرور خمسة وأربعين سنة. وانتقلوا إلى مصر فبنوا الأنفاق التى تسلل منها الإرهاب، وأهدر العرب فرصة التفاوض على السلام من موقع قوة وهم جبهة واحدة عندما انصرفوا عن مصر حينما بادرت بالسلام غير واعين بأن الحشد للسلم لا يقل أهمية عن الحشد للحرب.
***
لقد كان قرار الجامعة العربية عام 1974 باعتبار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعى الوحيد للشعب الفلسطينى فى تقديرى، وقد يختلف معى البعض وأقدر وأحترم رأيهم، خطأ كبيرا لأنه أخرج القضية من الإطار القومى العربى إلى الإطار الوطنى الفلسطينى، فأصبحت قضية فلسطينية بعد أن كانت قضية عربية. كتب الجنرال ديجول فى مذكراته أنه كان محبطا فى منفاه فى بريطانيا لاضطراره للرضوخ لإملاءات الحلفاء فى قرارات الحرب الخاصة بفرنسا إلا أن الأيام أثبتت حكمة موقف الحلفاء الذين رفضوا الانصياع لتوجهات حليف أصغر، لكن هذا هو ما حدث مع فلسطين منذ أن طالب العرب بإعادة الضفة والقطاع إلى الفلسطينيين لا إلى الأردن ومصر؛ بحيث تعود الأرض العربية إلى العرب، لكننا طالبنا من إسرائيل أن تفعل ما لم نفعله نحن العرب وتلا ذلك مدريد ــ أوسلو التى خلقت وهم السلطة منزوعة السلاح بلا حول ولا قوة والانقسام بين غزة والضفة وفتح وحماس ثم كانت سلسلة الاغتيالات التى وضعت حاجز الدم الذى نفر الناس من القضية والتى طالت يوسف السباعى وناجى العلى وعصام السرطاوى ووصفى التل والبعثة الأوليمبية الإسرائيلية فى ميونخ واحتجاز وزراء البترول لمنظمة الأوبك فى فيينا التى قادها الإرهابى كارلوس عام 1975 وعمليات خطف الطائرات المتعددة، بينما ركزنا نحن العرب على القوة الناعمة وهى لاشك عنصر هام، إلا أن إسرائيل ركزت على القوة الخشنة وبينما نحن نغنى أخى جاوز الظالمون المدى وجسر العودة استكملت إسرائيل مشروعها النووى فأصبحت من أكثر الدول تقدما فى إنتاج السلاح بواسطة شركات مثل الصناعات الجوية والفضائية الإسرائيلية Israeli Aerospace industries التى ضمنت لها التفوق فى مجال الجو، وأنتجت الصاروخ حيتز «السهم» المضاد للصواريخ وتفوقت فى مجال الإلكترونيات والاتصالات والحاسوب عصب السلاح، وأطلقت مجموعة من الأقمار الصناعية التى تكشف ما يجرى فى كل أراضى الشرق الأوسط وأرسلت مركبة فضائية إلى القمر صنعت بالكامل فى إسرائيل، كلها مع الصواريخ التى حملتها، صنعتها إسرائيل، وأخيرا وليس آخرا سلاح الردع النووى ووسائل إيصالها فى حين أجهضنا نحن العرب المشاريع التى كانت تحقق لنا القدرة مثل برنامج الصواريخ المصرى والهيئة العربية للتصنيع وغيرها.
***
لقد نجحت إسرائيل فى توفير حياة كريمة للمكون اليهودى من الشعب، زادت من تلاحمه وإيمانه بقضيته أما الشعوب العربية فقد تشققت بسبب فظائع ارتكبت ضد قطاعات كبيرة من مكوناته: الأكراد الذين قصفوا بالغازات السامة والمجازر التى ارتكبت فى سوريا والشيعة فى جنوب العراق والأفارقة فى جنوب السودان وكل معارض مهما كانت ملته أو هويته. ومنع التراكم السياسى والاجتماعى من الاكتمال وتجريفه مع كل تحول فى النظام.
هكذا ضاعت فلسطين وضاعت الجولان وهكذا انفض العرب عن القضية وهرولوا نحو إسرائيل.
أنا ما زلت أؤمن بعدالة القضية الفلسطينية ونبلها وبأن إسرائيل تمثل خطرا سرطانيا ينتشر فى الجسم العربى ولكنى على قناعة بأنه من أجل السيطرة على هذا الخطر وتلافى مزيد من الخسائر والانتكاسات علينا أن ننظر- كعرب- إلى التجربة ومواجهة أخطائنا حتى نعالجها وعلينا أن ندرك أن هناك علما اسمه إدارة الصراع Conflict management وأن العرب ضد كل قواعد هذا العلم وأنه يمكن تدريس تناولنا لقضية فلسطين تحت عنوان كيف تخسر صراعا؟!

محمد عبدالمنعم الشاذلي عضو المجلس المصرى للشئون الخارجية
التعليقات