العلاقة بين الإبداع والتاريخ - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الجمعة 30 يوليه 2021 10:11 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع أن تكسر مصر رقمها التاريخي بتحقيق أكثر من 5 ميداليات أوليمبية في أولمبياد طوكيو؟

العلاقة بين الإبداع والتاريخ

نشر فى : الجمعة 28 مايو 2021 - 12:45 ص | آخر تحديث : الجمعة 28 مايو 2021 - 12:45 ص

علّق مقال الأسبوع الماضي على تعامل مسلسل "القاهرة-كابول" مع التاريخ من زاويتين، الأولى هي تناسخ الأرواح بين زعماء التنظيمات الإرهابية بحيث يتحول زعيم أحد التنظيمات إلى تزعُم تنظيم آخر بمنتهى السهولة رغم الاختلاف الكبير بين التنظيمين إلى الحد الذي يؤدي إلى وقوع تصفيات دموية متبادلة فيما بينهما، وأضيف هنا أيضًا أن الترحال من تنظيم لآخر- إن حدث- فإن ذلك عادة ما يكون على مستوى الصف الثاني والثالث من أعضاء التنظيم وليس على مستوى القيادة. والثانية هي التلاعب بتواريخ وقائع حديثة جدًا، لها في أذهاننا سياقها التاريخي المحدد، ومحاولة خلق تاريخ آخر لتلك الوقائع وربطها بوقائع أخرى أيضًا حديثة جدًا رغم أنها لا ترتبط بها. وتعقيبًا على المقال تلقيتُ عددًا كبيرًا من التعليقات، سواء على وسائل التواصل الاجتماعي أو من خلال الاتصال الشخصي، وهذا التفاعل يعبر عن ظاهرة صحيّة دفعتني لمواصلة النقاش حول علاقة الإبداع بالتاريخ، خاصةً أن ردود الأفعال على المقال طرحت أبعادًا أخرى للموضوع تتعلق بحرية المبدع بشكل عام، وبالعلاقة بين جودة النص المكتوب وجودة الأداء التمثيلي، هذا طبعًا إضافة إلى البعد الرئيس وهو علاقة الإبداع بالتاريخ.
***
في مسألة حرية المبدع فإن العلاقة بين الإبداع والحرية لا تحتاج شرحًا، فالحرية هي روح الإبداع وهي الضمانة الكبيرة لكي يكون الإبداع غير مفتعَل ولا مُوجّه، وما من مرة كان هناك تدّخُل بين المبدع وريشته أو قلمه أو آلته.. إلخ إلا وأثّر ذلك على صدق العمل، هذا إذن واضح ومفهوم بل وبديهي. لكن الحرية المطلوبة للمبدع تقابلها حرية النقد، فمن حق متلقي العمل الإبداعي أن يرى غير ما يراه صاحبه، وعندما يتعالى المبدع على النقد ويعتبر أن كل متلقٍ لا يرى ما يراه هو إنما يجانبه الصواب، فإنه بذلك كأنما يريد احتكار الحرية لنفسه ويحجبها عن الآخرين. إن المتلقي عندما يعلّق على طريقة التناول الفني في عمل معين بالقول "ما هكذا تورد الإبل" فإن هذا يعني أنه يعرض وجهة نظره حول طرق أخرى أو زوايا أخرى للتناول الفني، وهذا أمر مشروع لأن الفن قائم في الأصل على التعدد والتنوع والاختلاف، وبالتالي يبدو مدهشًا أن يكون هناك من يرى أن صاحب العمل الفني هو وحده "صاحب الإبل والوادي والرحلة"، فإذا جاء دور المتلقي يكون عليه أن يركن على جنب ويتفرج على العمل وهو ساكت، أما إن أراد المتلقي التحرك فعليه أن يسير مع المبدع في نفس القافلة كي يكون من بين "أصحاب الفطرة والخيال الصافي في التلقّي"، والواقع إن المختلف حتى لو كان شخصًا واحدًا فقط فإن من حقه التعبير عن رأيه وفطرته، وإلا يسقط كل حديث عن الحرية.
***
وفي مسألة علاقة الإبداع بالتاريخ، فهي علاقة موضع جدل سواء في الأعمال التأريخية كمثل مسلسل "الجماعة ١و٢" للعظيم وحيد حامد، أو في الأعمال التي توظّف التاريخ وتتناوله بشكل غير مباشر كما هو حال مسلسل "القاهرة -كابول". وحول هذا الجدل المستمر ورد في أحد التعليقات على المقال ما نصه "ذكّرني بالمحاضرات التي كنت أستمع إليها في الكلية في مادة الدراما حينما كنّا نقوم بتحليل مسرحيات شكسبير التاريخية ونناقش الأحداث من منظور تاريخي ونتجادل حول حق المبدع في عرض التاريخ من وجهة نظره في حدود معينة ". ولقد طمأنني هذا التعليق على أن مناقشة تناول التاريخ في مسلسل "القاهرة -كابول" لم تكن أمرًا إدًا، فلنغتنم الفرصة إذن. إن أمامنا في تحليل طريقة المسلسل في التعاطي مع التاريخ وجهتا نظر، الأولى هي أن المؤلف كما جاء في أحد التعليقات إنما "يستخرج رموزًا ما من التاريخ وينسجها في عمله الفني دون مراعاة لترتيب أو لتسلسل منطقي وكأنه يرسم لوحة سريالية"، وذهب هذا التعليق إلى اعتبار أن اسم البطل رمزي مقصود بذاته. أما وجهة النظر الثانية فهي أن "التعامل مع التاريخ الحاضر الذي يعايشُه الناس يصعب فيه خلط التواريخ بالتقديم والتأخير، أو عرض مشاهد معاصرة واعتبارها من نسج الخيال، لأن الذاكرة الجمعية تحتفظ بالتفاصيل". في العمق تنطلق وجهتا النظر من أن المبدع يمكنه توظيف التاريخ لتوصيل رسالة معينة إلى المتلقي، والرسالة المقصودة في المسلسل هي أن الجماعات الإرهابية ذات جذور مشتركة، لكن الاختلاف هو حدود هذا التوظيف خصوصًا إن تعلق الأمر بالتاريخ الحاضر. وفي واقع الأمر فإن أعمال كبار الأدباء كثيرًا ما زخرت بالترميز التاريخي لتوصيل رسائل مقصودة للمتلقي، لكن هذه الأعمال لم تعطِ لأحداث تاريخية كبرى كخطاب عبد الناصر عند تأميم القناة أو كخطاب السادات في الكنيست تواريخ أخرى غير تواريخها، ولقد كان احتلال الموصل وتجوُل دبابات داعش في شوارعها هو واحد من الأحداث التاريخية الكبرى.
***
نأتي لمسألة العلاقة بين جودة النص وجودة الأداء التمثيلي، إذ تلقيتُ تعليقًا كان جوهره مع بعض التصرف هو "إن الأداء العظيم للممثلين في مسلسل "القاهرة-كابول" يستند إلى مَشَاهِد عظيمة كُتِبَت لهم"، وأنا ممن يتصورون أن المسألة أعقد من ذلك بعض الشيء وأنه لا صلة لهذا التصور بوجود "قصور وتناقض مرعب في الوعي"، فلا توجد علاقة شرطية بين جودة النص وبراعة الممثل، فقد يكون النص ممتازًا والممثل محدود الموهبة، وقد يكون النص ضعيفًا والممثل كبير الموهبة، وهناك احتمالات أخرى كثيرة، وكم من ممثلين ترشحوا لجوائز مهمة بسبب أدائهم الرفيع بغض النظر عن طبيعة النص، وعلى سبيل المثال لا الحصر كان هذا هو حال Sean Penn الذي ترشح لجائزة أوسكار أحسن ممثل عن دوره فيلم "I’m Sam" رغم الانتقادات الموجهة للفيلم، فهذا شيء وذاك شيء آخر تمامًا. بطبيعة الحال فإن الحالة المثالية هي أن تتوفر "العظمة" لكل عناصر العمل الدرامي: النص والتمثيل والإخراج والتصوير.. إلخ لكن هذا لا يعني بالضرورة أن توجد كل هذه العناصر معًا وأن تختفي معًا.
***
لقد استفدتُ من هذا النقاش لأنه سمح لي بأن أستمع إلى آراء مختلفة في تحليل مسلسل انتظرته وتابعته وتفاعلت معه، وأنا ممن يعتقدون أن كل اختلاف في الرأي على قاعدة الاحترام المتبادل إنما يُغني ويُفيد.

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات