المجتمع المدنى.. رؤية ليست بريئة - العالم يفكر - بوابة الشروق
الثلاثاء 14 يوليه 2020 5:48 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

المجتمع المدنى.. رؤية ليست بريئة

نشر فى : الأربعاء 29 مارس 2017 - 9:20 م | آخر تحديث : الأربعاء 29 مارس 2017 - 9:20 م
نشرت مؤسسة الفكر العربى مقالا لـ «عبدالحسين شعبان» ــ الباحث والمفكر العراقي ــ حول المجتمع المدنى وأهميته والعقبات التى يواجهها وضرورة التغلب عليها ليصبح قوة فاعلة وشريكا للدولة فى جميع جوانب التنمية.

يستهل الكاتب المقال بالتأكيد على ضرورة التنسيق والتعاون فيما بين الدولة والمجتمع المدنى، وأن يوكل إلى الأخير القيام بما لا تستطيع الدولة القيام به، بحيث يؤدى كل منهما واجبه بما يعزز المسيرة الوطنية ويخدم الإنسان وحقوقه، باعتبار ذلك هدفا أساسيا لأى نظام اجتماعى أو دين أو فلسفة أو فعالية سياسية أو نشاط اقتصادى أو ثقافى. لكن ما يعرقل مثل هذه الجهود وجود حساسية من الحكومات تجاه بعض منظمات المجتمع المدنى من خلال الأسباب التالية:

أولها، أن بعض منظمات المجتمع المدنى يتلقى تمويلا أو مساعدات خارجية من جهات أجنبية، وبالتالى يمكن أن يوظف لمصلحة تلك الجهات وأجنداتها الخاصة، وثانيها، أن بعض هذه المنظمات يكون جزءا من اللعبة السياسية، أو واجهة لهذه الجماعة أو تلك، سياسيا أو عقائديا أو دينيا أو إثنيا أو طائفيا أو غير ذلك، وبالتالى تصبح منظمات غير مستقلة، وثالثها، أن بعضها منظمات غير محايدة وغير موضوعية فيما يتعلق بالصراع ما بين السلطة والمعارضة، فتراها تنحاز فى غالب الأحيان لمصلحة المعارضات، ورابعها، أنها منافس للحكومات، وتريد الوصول إلى السلطة، بعد فشل الأحزاب السياسية. وهكذا فإن الحكومات تخشى من ديناميتها الحركية، مثلما تخشى منها بعض الحركات السياسية التى تشعر أنها منافس لها أو بديل منها.

إذا كان جزء من هذه الأطروحات صحيحا ويشمل بعض المنظمات، إلا أنه لا يمكن التعميم؛ فالعبرة فى الغالب الشائع، وليس فى النادر الضائع كما يقال، ولهذا ينبغى وضع الأمور فى سياقات منطقية، أى أن وجود المجتمع المدنى ضرورة لا غنى عنها للمشاركة فى عملية التنمية، باعتباره قطاعا ثالثا مع القطاع العام «الحكومى» والقطاع الخاص «أصحاب الأعمال»، ولا يمكن بلوغ التنمية المستدامة من دون مشاركته الفاعلة.

***
يضيف «شعبان» بأن هناك ثمة اشتراطات حكومية على عمل المجتمع المدنى من خلال ضوابط قانونية ومهنية، مثلما هناك اشتراطات من جانب المجتمع المدنى هو الآخر على نفسه، من حيث مواصفاته ودوره وأهدافه ووسائله، إذ لا قيمة لغاية شريفة يتم الوصول إليها بوسيلة رذيلة؛ فالغاية والوسيلة، هما مثل الشجرة والبذرة لا يمكن فصلهما، بحسب المهاتما غاندى، فيلسوف المقاومة المدنية، السلمية، اللا عنفية.

وبقدر ما ثمة مشتركات وأهداف تجمع المجتمع المدنى العربى، من حيث الوظيفة والدور والأداء، ثمة بعض الخصوصيات لكل بلد عربى، لا بد من أخذها بنظر الاعتبار، وهى تتعلق باختلاف درجة التطور الاجتماعى والاقتصادى والثقافى والتاريخى. ومع ذلك، تجتمع مفاهيم مشتركة تحت هذا المصطلح، من قبيل أن المجتمع المدنى طَوعى وغير سياسى، حتى وإن ناقش فى أخطر القضايا السياسية، لكنه لا ينخرط فى الصراع الأيديولوجى، ويضع مسافة بينه وبين السلطات والمعارضات، كما أنه يعتمد على أساليب عمل سلمية وديمقراطية فى إدارته وتداول المسئوليات بين هيئاته بانتخابات دورية ولا يلجأ إلى العنف بتاتا أو إلى العمل السرى، وغير ذلك.

***
من جهة أخرى يقول «شعبان» بأن النظرة السلبية للحكومات العربية إلى المجتمع المدنى لا تزال مستمرة، وأن هناك الكثير من التحفظات على بعض أنشطته، بل إن بعض منظماته غير مرخص لها لممارسة العمل القانونى، وعلى أحسن الأحوال، فإن الحكومات لا تأخذ المجتمع المدنى على محمل الجد، الأمر الذى يعنى أنها غير مقدرة للدور الذى يمكن أن يلعبه على الصعيدين الداخلى والخارجى، مما ضاعف من التباعد بينهما. ولكن، للاحتكام بشكل موضوعى إلى بعض الأدوار والمواقف التى قام بها، يسلط الكاتب الضوء على ثلاث مبادرات كبرى لها امتدادات دولية لعب فيها المجتمع المدنى العربى دورا رياديا وذلك فيما يلى:

المبادرة الأولى: تتمثل فى الوساطة التى قام بها المجتمع المدنى التونسى ممثلا بالاتحاد العام التونسى للشغل، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، والاتحاد التونسى للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، والهيئة الوطنية للمحامين التونسيين، وبعد جهد جهيد وصبر ودأب وإقناع، تم نزع فتيل الأزمة، عبر الحوار والتفاهم بعدما كادت البلاد تغرق بفوضى وعنف غير محمود العواقب، ونال المجتمع المدنى التونسى بسبب تلك المبادرة الناجحة جائزة نوبل فى العام 2015، وهى تُمنح لهذا القطاع للمرة الأولى فى تاريخها.

المبادرة الثانية: تتمثل فى مساهمة المجتمع المدنى العربى فى تحفيز المطالبة العالمية للمجتمع المدنى الدولى برفض الحرب على العراق والتضامن مع الشعب العربى الفلسطينى وانتفاضته الثانية التى انطلقت فى العام 2000 واستمرت حتى عشية الحرب على العراق فى العام 2003، حيث اندلعت تظاهرات بنحو 400 مدينة كبرى فى العالم. وعلى الرغم من أنها لم تتمكن من وقف الحرب على العراق أو إجبار «إسرائيل» على الاعتراف بحقوق الشعب العربى الفلسطينى، إلا أنها أسست لأرضية تضامن عالمى جديد بخصوص قضايا الشعوب العادلة.

أما المبادرة الثالثة، فتتمثل فى نشاط المجتمع المدنى فى مؤتمر ديربن (أغسطس– سبتمبر 2001)، الذى حضرته نحو 3000 منظمة دولية، حيث تمكن بقرار من غالبيتها الساحقة إدانة دولة «إسرائيل» وممارساتها العنصرية ضد عرب فلسطين.

وإذا كان هذا بعضا من مبادرات المجتمع المدنى العربى، فإن ما ينتظره اليوم، وأكثر من أى وقت مضى، هو وضع استراتيجيات لمكافحة التعصب والتطرف اللذين يشكلان الخلفية النظرية للإرهاب، وخصوصا بانتقالهما من الفكرة إلى الممارسة؛ وبالطبع، فإن هذه الظاهرة استفحلت فى ظل الاستلابات الخارجية ومحاولات فرض الاستتباع من جهة، وتفشى الطائفية والانقسامات التى سببتها فى المجتمعات العربية والإسلامية من جهة أخرى، نتيجة شح الوعى بشكل عام، والوعى الدينى والحقوقى بشكل خاص.

***
يختتم الكاتب بالتأكيد على أن الأمر يحتاج إلى مراجعة جادة وقراءة انتقادية ومسئولة لتقديم رؤية جديدة للمجتمع المدنى العربى من الداخل، ليس بالرضا عن النفس والتقديس والتأييد، وليس بجلد الذات أو التدنيس أو التنديد، بل من خلال رؤية تحاول مقاربة الواقع لمعرفته ودراسته والتوصل إلى حلول ومعالجات تساعد فى إطفاء الحرائق المشتعلة، وإخماد الفتن النائمة والمستيقظة التى تنذر بأوخم العواقب، ولاسيما بتقسيم البلاد وتفتيت العباد.

النص الأصلى:

 

التعليقات