الأحد 26 مايو 2019 5:04 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما مدى رضاك عن الدراما الرمضانية للموسم الجاري؟

قمر «بيت الحكمة» العربى

نشر فى : الجمعة 29 مارس 2019 - 9:30 م | آخر تحديث : الجمعة 29 مارس 2019 - 9:30 م

نشرت جريدة الاتحاد الإماراتية مقالا للكاتب«محمد عارف» جاء فيه:
علماء «بيت الحكمة» فى بغداد، الذين رحلوا قبل أكثر من ألف عام، لم يغادرونا، بل يتطلعون إلينا ويساعدوننا، وإلا كيف يمكن أن يقرر «مؤتمر الفضاء العالمى» المنعقد الأسبوع الماضى فى أبوظبى تأسيس «المجموعة العربية للفضاء» لإطلاق أول قمر يصنعه بالكامل علماء عرب. وقد قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبى، فى تغريدة على صفحته فى موقع تويتر: «سمينا القمر الصناعى الذى سيعمل عليه العلماء العرب (813).. وهو تاريخ بداية ازدهار بيت الحكمة فى بغداد فى عهد المأمون.. البيت الذى جمع العلماء وترجم المعارف وأطلق الطاقات العلمية لأبناء المنطقة.. منطقتنا منطقة حضارة.. وشبابنا بناة حضارات.. لا بد أن نؤمن جميعا بهذا المبدأ».
ويوجع القلب أن لا يكون بلد «بيت الحكمة» (العراق) ضمن 11 دولة عربية يساهم علماؤها فى تصميم وصنع القمر الذى تموله «وكالة الإمارات الفضائية»، ويشرف «المركز الوطنى للعلوم وتكنولوجيا الفضاء» فى «جامعة الإمارات» على تصميمه وصنعه، لرصد الأرض، وقياس مكونات المناخ والبيئة فى الدول العربية، والمساحات الخضراء، والتربة، والمعادن، وموارد المياه، والتلوث، ومستويات الغبار، والغازات «الدفيئة» المسئولة عن تغير المناخ العالمى. وتُرسَلُ معطياتُ القمر إلى محطات أرضية فى الإمارات، وبلدان عربية، مساهمة فى القمر، ومؤسساتها المعنية بالقطاع الزراعى، والتخطيط العمرانى.
و«بيت الحكمة» فى آن ثمرة الحضارة العربية الإسلامية، وصانع نهضتها العلمية، فهو دار للكتب وأكاديمية للبحث، وتعليم علوم الطبيعة، والفلك، والجغرافيا، والفقه، والفلسفة، وحتى فنون الموسيقى.. وهو مؤسسة للترجمة من لغات عدة، ولتأليف الكتب واستنساخها وتجليدها، وعقد ندوات للمناقشة والحوار والمناظرة، دون حدود. وعمل فى «بيت الحكمة» أبرز العلماء العرب والمسلمين، وبينهم «الخوارزمى»، مؤسس علم «الجبر» المستخدم حتى اليوم فى حسابات الكمبيوتر، والعالم والفيلسوف الموسوعى «يعقوب بن إسحاق الكندى» المشهور بأعماله فى الفلك والطب والرياضيات، ومن مؤلفاته رسالة «العالَمُ كله كروى الشكل»، و «لا تُنال الفلسفة إلا بعلم الرياضيات». وشارك فى «بيت الحكمة» بنو موسى، محمد وأحمد والحسن، وكان المأمون قد تولى رعايتهم بعد وفاة أبيهم العالم موسى بن شاكر، وبرزوا فى الفلك، والرياضيات، و«علم الحيل» (أى «الميكانيك»). وعقد المأمون علاقات ومراسلات واتفاقات مع أباطرة بيزنطة والروم للحصول على نسخ من كتب مكتباتهم، ونقلت قافلة من مائة بعير الكتب من إيران لبغداد.
وعلى كلِّ كتابٍ جديد عن «بيت الحكمة» الإبحار فى الثورة العلمية العربية المتلاطمة الأمواج. فعل ذلك كتابان بالإنجليزية عنوانهما «بيت الحكمة»، يتناول أحدهما «كيف غيّر العرب الحضارة الغربية»، مؤلفه الباحث الأسترالى «جوناثان ليونز»، الذى بلغ افتتانه بالعلماء العرب حد القول بأنهم «اخترعوا الغرب». ويروى الكتاب الثانى «كيف حفظ العلم العربى المعرفة القديمة وأعطانا عصر النهضة» ومؤلفه «جيم الخليلى»، عالم الفيزياء العراقى البريطانى، وأستاذ الفيزياء النووية فى «جامعة سَرِىْ » فى إنجلترا.
والكتاب الذى ينتظره العالم عن الخليفة المأمون، المسئول عن حكم أكبر وأعقد إمبراطورية عربية إسلامية فى التاريخ، وقيادة ثورتها العلمية العظمى، حيث لم يكن يكتفى بالتوجيه، بل كان يشارك مباشرة فى أعمالها، وبينها إنجاز أول مرصد فلكى عربى إسلامى سنة 829، وترجمة أهم مؤلفات الفلك الإغريقية، ومنها «كتاب المجسطى» الذى ألفه «بطليموس». وناقش «المأمون» العلماء فى توضيح رسومه، وفهم عمل آلاته، وصنع مثلها، واستخدامها فى «مرصد الشماسية» فى ضواحى بغداد، لقياس الكواكب، ومعرفة أوضاعها، وحساب مقدار سنة الشمس الرصدية. ومع ذلك كان المأمون يجد الوقت والمزاج لمناظرة الفلاسفة ومطارحة الشعراء، وحتى كتابة شعر مداعب لجاريته «عريب»: «أنا المأمون والملك الهمامُ، ولكنى بحبك مستهامُ. أتَرضى أن أموت عليكِ وجدا، ويبقى الناس ليس لهم إمامُ».

التعليقات