الخميس 20 يونيو 2019 10:41 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل أنت راض عن قائمة المنتخب الوطني لكأس أمم أفريقيا؟

فتنة الحوار الوطنى

نشر فى : الإثنين 29 أبريل 2019 - 10:10 م | آخر تحديث : الإثنين 29 أبريل 2019 - 10:10 م

> فوجئت، كما فوجئ آخرون غيرى، بورود اسمى ضمن قائمة المائة المدعوين من السيد/ أيمن نور للمشاركة فى حوار وطنى هدفه ــ وفقا للبيان الصادر منه ــ «إنقاذ مصر وتشكيل بديل وطنى مقبول داخليا وخارجيا». وقد شاءت ظروف سفرى خارج القاهرة ألا أعلم بالموضوع إلا متأخرا وبعد أن كان العديد من المدعوين لهذا الحوار قد صرحوا بعدم علمهم مسبقا به ورفضهم المشاركة فيه، الأمر الذى وضع نهاية لهذه المبادرة التى ولدت ميتة.

> مع ذلك فإن الموضوع يستحق التوقف عنده والتفكير فيما دفع لإطلاق هذه الدعوة فى التوقيت الراهن، وما دعا المدعوين لها من مختلف الاتجاهات السياسية لنبذها أو على الأقل تجاهلها واعتبارها كأن لم تكن، وما ينبغى البناء عليه مستقبلا فى قضية الحوار الوطنى بشكل عام.

> توقيت الدعوة ذو دلالة لأنه يعبر عن اعتقاد المعارضة الإخوانية المهاجرة بأن المناخ العام فى مصر مؤهل لبناء رأى عام مناهض للحكم وداعم لعودة التيار الإخوانى إلى المشهد السياسى وذلك بسبب شكوى الناس من الغلاء والوضع الاقتصادى بشكل عام أولا، ثم من الانغلاق السياسى بدرجة أقل، على نحو ما عبر عنه بروز كتلة معارضة للتعديلات الدستورية وعدم الارتياح السائد فى المجتمع للأسلوب الذى أدير به إجراء هذه التعديلات.

> فما الذى جعل إذن هذه المبادرة تولد ميتة ويجرى رفضها أو تجاهلها من مختلف الأطراف المدعوين لها مع تنوع مواقفهم وانتماءاتهم السياسية؟ فى تقديرى أن هناك سببين لهذا الرفض والتجاهل.

> السبب الأول أنه على الرغم من أن البيان الداعى للحوار يبدو وطنيا وجامعا ومتسعا لكل الأطياف السياسية، فإنه فى جوهره يستهدف وضع تنظيم الإخوان المسلمين بذات قياداته السابقة فى قلب تيار معارضة جديد. وهو يسعى لأن يحيط نفسه بتشكيلة من أصحاب المواقف والانتماءات اليسارية والمدنية والليبرالية من جميع الاتجاهات السياسية كى يحظى بمصداقية بين الناس ويوحى بأنه تيار وطنى مستقل ليست جماعة الإخوان المسلمين فيه إلا فريقا من الفرق وطرفا من الأطراف مستعد لقبول الآخرين والتعامل معهم بندية. وفى تقديرى أن معظم من عبروا عن رفضهم للمشاركة فى الحوار، من خارج مصر وداخلها، قد توجسوا من هذا الجانب تحديدا من المبادرة تحسبا من المشاركة فيما يبدو فى ظاهره عملا وطنيا جماعيا بينما حقيقته وجوهره تمكين الجماعة من العودة للمشهد السياسى وتصدره على نحو ما جرى من قبل.

> أما السبب الثانى فهو أن ما لا يدركه أصحاب هذه الدعوة، وغيرها من محاولات استثارة الرأى العام وراء قيادة إخوانية جديدة، أنه على الرغم من صعوبة الوضع الاقتصادى وموجات الغلاء المتتالية، وعلى الرغم من التضييق السياسى والإعلامى، فإن الناس بوجه عام وبوعى شديد غير مستعدة للتضحية بالقدر المتاح من الأمن والاستقرار، ولا الخوض فى مغامرات جديدة، ولا الاندفاع وراء شعارات سياسية رنانة لا يوجد وراءها تصور واقعى لتقديم حلول لمشاكل الوطن وعلى رأسها المشكلات الاقتصادية الراهنة. وهذا فى تقديرى ليس تعبيرا عن خوف أو تردد كما يتصور العديد من المعلقين، بل عن حكمة وفهم للموقف واختيار واع يجب فهمه واحترامه والتعامل معه.

> مع ذلك فإن المشكلات الاقتصادية والاجتماعية حقيقية، وتجاهلها لا يعنى زوالها، ومنع الحديث عنها لن يجعل الناس تنساها. ووفاة المبادرة الإخوانية للعودة إلى المشهد السياسى، بعد إطلاقها بساعات، لا تعنى أننا لسنا بحاجة لحوار وطنى حقيقى ولا أن كل من يطالب به يستهدف مجرد إثارة الرأى العام أو التحريض على الفوضى تمهيدا لعودة التيار الإخوانى. بل العكس هو الصحيح، فما يمنح الفرصة لهذا التيار هو غياب حوار جامع ليس فقط بين الأطراف الوطنية الحريصة على مصلحة البلد والساعية لنجاحه ونهضته، وإنما أيضا مع الدولة ومؤسساتها التى لا يمكن للحوار أن يكون مفيدا ومحققا لنتائج واقعية بمعزل عنها.

> ولكى يكون الحوار مع الدولة ومؤسساتها جادا ومفيدا فلا مفر من أن يعيد التيار المدنى الديمقراطى بكل اطيافه ومكوناته تنظيم نفسه وتجاوز خلافات الماضى، ويستعيد قدرته على التفاعل مع الناس ومشاكلها وطموحاتها بعيدا عن الانشغال بالسجال على صفحات التواصل الاجتماعى، وبعيدا عن النبش فيمن كان أكثر صوابا فى هذا الموقف أو ذاك، وبعيدا عن البحث عن مكاسب سريعة، لأن المرحلة تحتاج إلى صبر وبناء وتواصل وتفاوض لبناء تيار يعبر عن حلم الدولة المدنية الديمقراطية العادلة، وهو التيار الذى لا يزال فى تقديرى واسعا ولكن غير منضبط وفاقد للاتفاق على ما يجب عمله. فدعونا نتعاون لإعادة بناء هذا التيار بدلا من انتظار المزيد من المبادرات والاكتفاء بانتقادها والتنصل منها.


مع تمنياتى للجميع بأعياد سعيدة

زياد بهاء الدين محام وخبير قانوني، وسابقاً نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير التعاون الدولي، ورئيس هيئتي الاستثمار والرقابة المالية وعضو مجلس إدارة البنك المركزي المصري.