تبرعات هيئة الرقابة المالية - مدحت نافع - بوابة الشروق
الأربعاء 3 يونيو 2020 3:11 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

تبرعات هيئة الرقابة المالية

نشر فى : الإثنين 30 مارس 2020 - 9:15 م | آخر تحديث : الإثنين 30 مارس 2020 - 9:15 م

اعتدت منذ الصغر أن أحمل الأنباء على أكثر من وجه، وألا أكتفى بالرسائل السطحية المباشرة التى يرغب «منتج» الحدث فى تصديرها إلى الرأى العام. خلال الأيام الماضية تصدرت وسائل الإعلام أنباء عن تبرعات سخية تقوم بها جهات عدة من أجل المساهمة فى مقاومة الوباء، الذى عمّ الدنيا ولم يدع فيها موطأ قدم لا يشعر بالخطر. الجهات المانحة للتبرعات والمساعدات تفاوتت بين دول، وشركات، وأفراد بينما تخصصت المؤسسات المعنية بضبط الأسواق والحفاظ على المستوى العام للأسعار (مثل البنوك المركزية) فى تقديم المحفزات وإدارة المعروض النقدى، وغير ذلك من أدوات تحقق الأغراض التى أنشئت من أجلها. قد نختلف مع سياسة نقدية يتبناها بنك مركزى فى بلد ما، لكن أحدا لا يستطيع أن يطعن فى اختصاص البنوك المركزية بتلك الشئون، وهى أمور نظمتها الدساتير والقوانين والأعراف المصرفية عبر عقود.
كل ذلك محمول على وجه حسن لا لبس فيه، إلا عندما تأتيك أنباء غريبة عن هيئة مالية «رقابية» تتبرّع بربع مليار جنيه من «فوائضها» من أجل مكافحة فيروس كورونا! أسئلة كثيرة جدا راودتنى إذ أطالع هذا النبأ العظيم. أولا: هل يمكن أن يكون صحيحا؟ إن صح النبأ الذى لم يتم نفيه حتى كتابة هذه السطور فتثور أسئلة أخرى، مثل: كم تحقق تلك الهيئة الغنية من إيرادات بسوق «متواضعة» فى حجم تعاملاتها حتى تكون الفوائض التشغيلية 250 مليون جنيه؟ ثانيا: هل يتم إعادة ضخ الأموال التى تحققت من غرامات ورسوم إلى مستحقيها المتعاملين فى الأسواق ممن تقع عليهم الأضرار سواءً كانوا بائعين أو مشترين أو وسطاء أو مصدرى أوراق مالية عبر الصناديق والقرارات التنظيمية... وإذا كانت الإجابة بنعم، فهل كانت الرسوم والغرامات قاسية ومغالى فى تقديرها فهى أكبر مما يستحقها السوق، فلم يرتد منها إليه هذا الحجم الضخم من الأموال؟ وإن كانت الإجابة بلا، فكيف تتصرف الجهة المنوط بها تحقيق العدالة فى التعاملات فى أموال لا تخصها حتى وإن كان هذا الاستخدام فى سبيل ترميم الكعبة نفسها؟!. ثالثا: هل تعمل تلك الهيئة المستحدثة وفق القواعد المحققة لأهدافها؟ وهل تحقيقها هذا القدر من الفوائض رغم كونها غير هادفة للربح يعد مقياسا لنجاح أو إخفاق يستدعى المساءلة؟ ثم يستدعى إعادة تقييم النموذج الذى تم اتباعه منذ عام 2010 لضم جهات الرقابة على أسواق المال والتأمين والتمويل العقارى فى هيئة واحدة، وهو موضوع مقال سابق أدعو القارئ العزيز إلى مطالعته فى الأرشيف الإلكترونى لمقالاتى بالشروق.
رابع أسئلتى الحائرة: كيف تثرى جهة الرقابة فى أسواق تحقق جميعها خسائر لمتعامليها؟ أو فى القليل لا تعمل بالكفاءة التى تضعها فى مقارنة مع الأسواق العالمية بل والإقليمية المتطورة؟! وهل كان هذا الثراء سببا فى إفقار بعض المتعاملين وتثبيط آليات السوق؟ تلك أسئلة حائرة أتركها لك عزيزى القارئ للتفكّر، ريثما يصدر عن الهيئة العامة للرقابة المالية من الرد ما تقر به حيرتها، حينها سأكون أول المباركين للتبرع، وأحرص الناس على توضيح وجهة نظر الهيئة، والتى تبرعت أيضا منذ أشهر قليلة بنحو 50 مليون جنيه لعدد من الصناديق!
***
مناط الحيرة فى هذا الأمر ترجع جذوره إلى ما قبل ذلك بكثير، ففى 3 أغسطس 2017 نشرت لى جريدة البورصة مقالا بعنوان: «تكديس الفوائض فى كيانات غير هادفة للربح» وكان سياق صدور المقال مشابه لسياقنا الحالى فى عدد من القَسَمات. فقد جاء على خلفية إعلان البورصة المصرية (غير الهادفة للربح) فوائض بالملايين كأحد أهم منجزاتها عن العام المنصرم!. كذلك كان يترأس البورصة فى هذا العام الرئيس الحالى للهيئة موضوع المقال، وهو رجل أكاديمى تجمعنى به علاقة عمل طيبة طويلة، حتى إننى كتبت مقال عام 2017 وأنا تحت رئاسته، وجاء فيه: «الجدل الدائر حول تحقيق فوائض واحتياطيات كبيرة فى الكيانات غير الهادفة للربح لا يكاد ينتهى. من حيث المبدأ فليس من غايات وأهداف تلك الكيانات تكديس أى فوائض هى بالطبع لا تتحقق بشكل كبير (وسريع) إلا عن طريق جمع أرباح، وهو ما يتعارض بشكل صريح مع مسمّى ومهمة تلك الكيانات، سواء أكانت منظمات أو جمعيات أو أى مؤسسات أخرى. لكن البعض يذهب إلى أن اتفاق مجلس الإدارة بالمؤسسة غير الهادفة إلى تحقيق الربح على جمع قدر «معقول» من الاحتياطيات لضمان تأمين استمرار واستدامة تلك المؤسسة هو أمر «مقبول»، فالكيانات غير الهادفة للربح شأنها شأن الشركات الأخرى تحتاج إلى فوائض لتأمين تدفقاتها النقدية والاستعداد لمواجهة الطوارئ. لكن يظل شروط قبول هذا التوجه معقودا على ضرورة تعريف مقدار ذلك الاحتياطى «المعقول».
كما ترى عزيزى القارئ فما قلته حينها عن الكيانات غير الهادفة للربح مازلت أراه منطبقا على موضوع مقال اليوم، وقد أشرت عندئذ إلى مصطلحات عدة تختفى بها فوائض الكيانات غير الهادفة للربح وشرحت كيفية التعامل معها من قبل مؤسسات دولية مشابهة ومن ذلك مصطلح «احتياطى التشغيل operating reserve» والذى يشير إلى النقدية غير المشروطة التى يحتفظ بها الكيان بغرض تحقيق استدامته المستقبلية، وعادة ما يحدد مجلس إدارة ذلك الكيان الفترة التى ينبغى على ذلك الاحتياطى التشغيلى تغطيتها، سواءً فى صورة مطلقة أو كنسبة من الدخل السنوى للكيان المذكور.
***
جاء فى مقال 2017 أيضا: «الاحتياطى يستخدم إذن لحماية الكيان ضد الصدمات المالية غير المتوقعة مثل تأخّر المدفوعات المستحقة، صيانة غير متوقعة للمنشآت والمبانى، أو أى ظروف اقتصادية سلبية مؤثرة. من المهم أيضا أن يضع هذا الكيان المؤسسى فى الحسبان لدى تحديد الاحتياطيات المطلوبة الاحتياجات النقدية، والاستراتيجيات طويلة الأجل للمؤسسة وخطط العمل والضوابط المطلوبة لإدارة المخاطر المؤسسية ومنها ما يتعلق بهامش التسامح مع المخاطر الذى تقبله المؤسسة». ولتوضيح المستوى الذى يمكن معه اعتبار الفوائض المحققة بالجهة غير الهادفة للربح مغالى فيها وتضر بالغاية من نشأتها وأهداف بقائها واستدامتها، تطرقت إلى مبادرة فى الولايات المتحدة الأمريكية نشأ عنها معهد لوضع معايير التميّز والحوكمة والمسئولية وأخلاقيات العمل بالمؤسسات غير الهادفة للربح ويطلق عليه The Standards for Excellence Institute والذى حدد نطاقا بين ثلاثة وستة أشهر من رأس المال العامل على سبيل الاسترشاد بالحجم المقبول من الاحتياطى فى تلك المؤسسات، مؤكدا أن عملها هو أداء الخدمات التى أنشئت من أجلها وليس تكديس الثروات! فإذا ما رأى مجلس إدارة الكيان غير الهادف للربح أن يراكم من الاحتياطيات ما يزيد عن قيمة ستة أشهر من رأس المال العامل، فلا بد أن يكون ذلك مبررا ومدعوما بسياسات واضحة معتمدة من قبل مجلس الإدارة.
اختتمت مقالى القديم بما أؤكد عليه اليوم: «الفوائض المكدّسة فى مؤسسات غير هادفة للربح عادة ما تعدّ مؤشرا على عدم قدرة تلك المؤسسات على الاضطلاع بوظائفها التى نشأت من أجلها على الوجه الأكمل. فهناك احتمال أنها تقصّر فى تحسين جودة الخدمات بتوظيف تلك الفوائض، أو تحسين ظروف وبيئة العمل بالمؤسسة، أو مراعاة التنمية البشرية والتدريب، أو توفير البنية التحتية والتكنولوجية المناسبة للوفاء باحتياجات المستفيدين من خدمات تلك المؤسسة.. فإذا كانت إدارة المؤسسة قد نجحت فى تحسين كل تلك المؤشرات ومع ذلك استطاعت أن تحقق فوائض كبيرة خلال فترة وجيزة، فربما كان ذلك مؤشرا على عدم امتثال المؤسسة إلى هدف عدم تحقيق الأرباح! وكان مدعاة إلى مراجعة مصادر تمويلها، وربما تسبب مستقبلا فى تراجع تلك المصادر ونكوصها عن تمويل المؤسسة، سواءً أكانت تلك المصادر من التبرعات أو المنح أو العطايا أو الرسوم أو الغرامات... وربما تسبب ذلك فى عدم استدامة المؤسسة أو تحويلها إلى شكل آخر هادف للربح».
«البعض يذهب إلى ضرورة معاقبة المؤسسات غير الهادفة للربح إذا ما تراكمت لديها الفوائض، سواء بفرض الضرائب والرسوم والإتاوات على أنشطتها أو بمحاسبة مديرى تلك المؤسسات التنفيذيين على تحقيق فوائض كبيرة ومبالغ فيها من أنشطة لا ينبغى أن تحقق أو تهدف إلى تحقيق الربح، خاصة إذا سعى المدير المسئول لزيادة الإيرادات ولم يستخدمها لصالح الغرض من المؤسسة وأدائها لمهامها ووظائفها».
عند هذا ينتهى الاقتباس من مقال قديم، وتبقى أسباب الدهشة ماثلة أمامك عزيزى القارئ الذى يدرك أن الغاية لا تبرر الوسيلة، وأن الطريق إلى جهنم محفوف بالنوايا الحسنة.

مدحت نافع خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل
التعليقات