أزمة اختيارات الشعوب الحرة - محمد المنشاوي - بوابة الشروق
الأحد 16 يونيو 2024 9:07 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

أزمة اختيارات الشعوب الحرة

نشر فى : الخميس 30 يونيو 2016 - 10:00 م | آخر تحديث : الخميس 30 يونيو 2016 - 10:00 م
ما الذى يجرى فى العالم الديمقراطى منذ البدايات؟ هل فشلت نظم الحكم المتعارف عليها، والتى تتغنى بديمقراطيتها وحرية انتخاباتها وشفافيتها؟ كيف تختار أغلبية الشعب البريطانى الانسحاب من الاتحاد الأوروبى رغم ارتفاع التكلفة وتهديدها وحدة بريطانيا؟ وكيف اختار الجمهوريون الأمريكيون شخصا مثل دونالد ترامب ليمثلهم على بطاقة الحزب الساعية للفوز بالبيت الأبيض؟ وكيف اختارت أغلبية الشعب الفلبينى رئيسا يعدهم بالاستبداد والفاشية؟ وكيف انتخب الهنود رئيسا عنصريا فاشيا ذا خطاب طائفى متعصب تحريضى؟ وكيف اقتربت النمسا، تلك الدولة الرقيقة فى وسط أوروبا، من انتخاب زعيم حزبها اليمينى المتطرف رئيسا لها؟ أسئلة وأمثلة عديدة تثير تساؤلات، أراها وجودية، فيما يتعلق بمستقبل منظومة الحكم، ومستقبل علاقة النخب الحاكمة بالمحكومين فى الدول التى تمارس الديمقراطية.


جوهر العملية الديمقراطية المتعارف عليه عالميا يتلخص فى اختيار غالبية المحكومين لحكام يمثلونهم (التمثيل هو الأساس) ويعبرون عن تفضيلاتهم فى الشئون والسياسيات العامة بما تعكسه ثقة التصويت لهم. ويشترط لنجاح هذه المعادلة البسيطة تكرارها وحريتها وحياديتها. إلا أن التجارب من حولنا تشير بوضوح إلى وجود فجوة واسعة discontent بين النخب الحاكمة وقطاعات عريضة من المواطنين غاب معها جوهر عملية التمثيل التى هى بالأساس لب العملية الانتخابية الديمقراطية. ومن أجل التمتع بديمقراطية حقيقية عانت الكثير من الدول، ودفعت الكثير من الدماء كى تستمتع شعوبها فى النهاية بحق سياسى بسيط وهو اختيار من يحكمها من خلال صناديق الاقتراع، أو اختيار مباشر للسياسات المصيرية من خلال الاستفتاءات.

وعلى الرغم من صعوبة التيقن من الأسباب الدافعة كى يفضل شخص ما مرشحا على مرشح آخر فى ظل ما تشهده المجتمعات السياسية المتقدمة من تشابك كبير بين السياسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأيديولوجية، لكن ما أدركه يقينا أن هنا فى الولايات المتحدة يوافق ما يقرب من مائة مليون مواطن (أقل قليلا من ثلث الأمريكيين) على سياسات وتوجهات المرشح دونالد ترامب. وعلى الرغم من إيمان ثلثى الشعب الأمريكى أن ترامب لا يعد مرشحا مؤهلا للجلوس على مقعد البيت الأبيض، إلا أنه اكتسح الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهورى على الرغم من غياب أى خبرة سياسية. ولم يثن عزم ملايين الجمهوريين ما سمعوه من عبارات خارجة وخطاب فاشى عنصرى متعصب ضد المسلمين والمكسيكيين والمهاجرين والنساء والمعاقين وغيرهم عن التصويت له.


لم يقتصر الأمر على أمريكا، ففى الفلبين، وبعد ثلاثة عقود على إسقاط ثورة شعبية لنظام الرئيس الديكتاتور «فرديناند ماركوس»، نجح المرشح الشعبوى «رودريجو دوترتى» فى الانتخابات الرئاسية الشهر الماضى. ونجح دوترتى من فرض نفسه خلافا لكل التوقعات، مجتذبا الملايين بنبرته الحادة ووصفاته غير الواقعية للمشكلات الجذرية التى تواجهها بلاده من فقر وجريمة. ووعد دوترتى بالسماح لفرق الإعدام بقتل الآلاف من المتهمين جنائيا، وهو ما قام به فى السابق عندما كان حاكما لمدينة دافاو. ويعتقد الكثير من خبراء الشأن الفلبينى أن بلادهم بدأت عهدا جديدا من الديكتاتورية والاضطرابات. وفى النمسا اقترب مرشح اليمين المتطرف «نوربرت هوفر» من الوصول إلى أعلى منصب فى الدولة بلعبه على وتر الإسلاموفوبيا والعداء للأجانب والمهاجرين ودعوته للانسحاب من الاتحاد الأوروبى، واتباع سياسات يمينية متطرفة. فى الهند فاز بالحكم «ناريندا مودى»، وهو رئيس وزراء يمينى متعصب لا يتوانى عن ممارسة القمع ضد قوى اجتماعية وحركات طلابية وشبابية ومنظمات مجتمع مدنى ترفض الفكرة الأصولية التى تحملها حكومته المتطرفة التى تحابى فقط الأغلبية الهندوسية.

لم يفاجأ الكثيرون بما شهدته تلك الدول وغيرها، فقد كان هناك الكثير من الإرهاصات والإشارات المؤيدة لهذه التوجهات الشعبية الرافضة لتوجهات النخب التقليدية الحاكمة خاصة فى أوروبا أو أمريكا. ظهور حركة حزب الشاى اليمينية فى أمريكا وإيصالها لعدد كبير من النواب لمجلسى الكونجرس بخطابها المتطرف كان علامة تحذير واضحة، كذلك مثل النجاح المتوالى للأحزاب اليمينية فى الانتخابات المحلية الأوروبية علامة واضحة على أن تغييرا ما يجرى فى العقل الجمعى للأوربيين يناقض ما تؤمن به النخب التقليدية الحاكمة.

لكن كيف يمكن تفهم معنى هذه الإرهاصات والإشارات؟ هل هى إحدى صور التصويت الاحتجاجى على أوضاع مستجدة لا ترضى فئات واسعة من المواطنين؟ هل هى ترجمة عملية لمقولة إن هذه الطبقة الحاكمة لا تمثلنى؟ هل هى دعوة للإصلاح والتجديد؟ أم دعوة للخضوع لنزوات قطاعات شعبية عريضة رغم خطورتها؟

لقد جاءت نتائج الاستفتاء البريطانى والذى اختارت فيه 52% من الأصوات ترك الاتحاد الأوروبى لتبرز أزمة غير مسبوقة تنتشر كالنار فى الهشيم ملتهمة أسسا وقناعات ومعادلات ارتضتها مجتمعات مختلفة لعقود وقرون طويلة فيما يتعلق بمنظومة الحكم والعلاقة بين الحاكم والمحكوم. ولا تختلف فى ذلك المجتمعات المتقدمة والراسخة ديمقراطيا مثل بريطانيا وأمريكا والنمسا، عن مجتمعات أقل تقدما ديمقراطيا كالهند والفلبين. تقليديا تكون الاستجابة الطبيعية فى أى نظام ديمقراطى مفادها استبدال صانعى القرار عن طريق انتخابات حرة جديدة، إلا أنه وبدون إدراك النخب التقليدية للتغييرات المزاجية للشعوب، قد لا يكون البديل الجديد أفضل، بل سيكون فى الأغلب أكثر سوءا.

فى مواجهة تحديات سياسية غير تقليدية، ظنى أن أمام الديمقراطيات الراسخة طريقان متوازيان للتعامل مع هذه المعضلات الجديدة. أولا أن تكون أكثر استيعابا للأصوات الشعبية، بما فيها تلك الأصوات المتطرفة سياسيا، ويجب عليها تهذيب هذه الأصوات ودمجها وتنقيحها بدلا من إهمالها ونبذها. ثانيا أن تتم مراجعة شاملة للأيديولوجيات الحاكمة (أغلبها رأسمالية بدرجات وطبائع مختلفة)، خاصة بعد حالة التوحش التى وصلت إليه بسبب الهزيمة الذاتية للبدائل اليسارية المختلفة.

اقتباس
مثل النجاح المتوالى للأحزاب اليمينية فى الانتخابات المحلية الأوروبية علامة واضحة على أن تغييرا ما يجرى فى العقل الجمعى للأوربيين يناقض ما تؤمن به النخب التقليدية الحاكمة.
محمد المنشاوي كاتب صحفي متخصص في الشئون الأمريكية، يكتب من واشنطن - للتواصل مع الكاتب: mensh70@gmail.com
التعليقات