الاتحاد الأوروبى: تشكيل «حكومته» والتحديات التى تواجهه - إبراهيم عوض - بوابة الشروق
الجمعة 21 يناير 2022 7:16 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما هي توقعاتك لمشوار المنتخب المصري ببطولة إفريقيا؟


الاتحاد الأوروبى: تشكيل «حكومته» والتحديات التى تواجهه

نشر فى : السبت 30 نوفمبر 2019 - 10:55 م | آخر تحديث : السبت 30 نوفمبر 2019 - 10:55 م

مصطلح «حكومة» فى عنوان هذا المقال فيه تجاوز، فالأمر يتعلق بمفوضية الاتحاد الأوروبى. الاتحاد ليس دولة وبالتالى لا يمكن أن تكون له حكومة. ومع ذلك، فللاتحاد الأوروبى نظام سياسى فيه برلمان يوافق على تعيين رئيس(ة) المفوضية وأعضائها الذين ترشحهم الدول الأعضاء، وهو يراقب عمل المفوضية، ويشترك فى التشريع مع مجلس الوزراء الممثل للدول الأعضاء؛ وفيه أيضا سلطة قضائية تتمثل فى محكمة العدل الأوروبية المنوط بها القضاء بشأن احترام الاتفاقيات المؤسسة للاتحاد وتطبيق التشريعات الصادرة عن برلمانه، وهى محكمة تحتكم أمامها الدول الأعضاء والشخصيات الاعتبارية والطبيعية والمفوضية الأوروبية؛ وهذه المفوضية هى السلطة التنفيذية تحضر لأعمال مجلس الوزراء، وتعد التشريعات لعرضها على الهيئتين التشريعيتين لاعتمادها، وتسهر على تطبيق الاتفاقيات والتشريعات. فى حالة ما إذا انتهكت الدول الأعضاء أو الشخصيات الاعتبارية أو الطبيعية هذه الاتفاقيات والتشريعات فللمفوضية أن تلجأ للقضاء الأوروبى على اعتبار أنها مسئولة عن صحة عملية التكامل الأوروبى وعن تقدمها وبحسبان أن انتهاك الاتفاقيات والتشريعات يقوض من أسس التكامل ويهدده.
فى هذه المساحة التى تفردها «الشروق» الغراء مشكورة لكاتب هذا المقال، ورد فى العدد المنشور على الموقع الإلكترونى للصحيفة فى الأول من يونيو الماضى تحليل لنتائج انتخابات البرلمان الأوروبى المنعقدة فى شهر مايو والتى على أساسها تم تشكيل المفوضية الذى وافق عليه البرلمان الأوروبى يوم الأربعاء 27 نوفمبر. مقال اليوم هو عن هذا التشكيل من جانب، وعن الاهتمامات المباشرة للنظام السياسى المبتكر للاتحاد الأوروبى الذى يكشف عنه التشكيل من جانب ثان، وهو أخيرا عن التحديات الداخلية والخارجية التى تواجه النظام السياسى للاتحاد الأوروبى برمته بل والاتحاد نفسه. وسنغتنم استعراضنا لموضوع المقال لنستخلص من آن لآخر دروسا يمكن أن تفيد بلداننا.
***
المفوضية الأوروبية الجديدة ترأسها أورسولا فون در لاين وزيرة الدفاع الألمانية السابقة، عضو الحزب الديمقراطى المسيحى الألمانى، حزب المستشارة أنجيلا ميركل، وقد حصل تشكيلها على أغلبية مريحة فلقد صوت بالموافقة عليه 461 عضوا بالبرلمان فى مقابل 157 عضوا رافضا و89 ممتنعا عن التصويت. بعد الموافقة على تشكيلها، ستتولى المفوضية الجديدة مهامها اعتبارا من اليوم، الأول من ديسمبر.
كان المفترض أن تبدأ فترة المفوضية الجديدة فى الأول من نوفمبر إلا أن صعوبات عدة أدت إلى تأخير توليها لمسئولياتها لفترة شهر كامل. من ضمن هذه الصعوبات العثور على بدلاء لمرشحين ثلاثة لعضوية المفوضية كان البرلمان الأوروبى قد رفضهم لأسباب مختلفة فى شهر سبتمبر الماضى. يذكر أن كل دولة عضو تتقدم بمرشح واحد لا غير لعضوية المفوضية ويقوم البرلمان الأوروبى بقبول هؤلاء الأعضاء السبعة والعشرين كل على حدة. ولأن الدول الأعضاء تقدم مرشحيها دون تحديد حقيبة معينة لأى منهم فإن أول مهام الرئاسة الجديدة للمفوضية هو أن تجد حقائب كافية لهم كلهم وأن توزعها عليهم. من حيث اللون السياسى، الأعضاء السبعة والعشرون فى المفوضية الجديدة موزعون كالآتى: تسعة محافظين، وتسعة اشتراكيين ديمقراطيين، وأربعة ليبراليين، وأربعة ينتمون إلى أحزاب أخرى أو بلا أحزاب. هذا التوزيع يتفق مع الائتلاف المفترض الثانى فى مقال الأول من يونيو. أما عن التوزيع حسب الجنس، فيلاحظ أن فى التشكيل الجديد 12 امرأة فى مقابل سبع فى المفوضية السابقة.
كثير من مجالات السياسات تبقى ضمن اختصاص الدول الوطنية الأعضاء، لا يمسها الاتحاد الأوروبى أو هو يتناولها بشكل جزئى فقط. بعبارة أخرى، مجالات عمل الاتحاد ومسئوليات المفوضين عنها لا تدل على كل ما يشغل هذه المجموعة من الدول المتقدمة فى العقد الثالث من القرن الحادى والعشرين. ومع ذلك فإن هذه المسئوليات تكشف عن عدد من هذه الاهتمامات وهى بالتالى لا بد أن تكون مفيدة لنا ونحن نعد لمستقبلنا. لرئيسة المفوضية ثلاثة نواب تنفيذيين، واحد عن كل من التيارات السياسية الثلاثة المشاركة فى الائتلاف. تكشف أسماء قطاعاتهم عن موضوعات تشغل بال الاتحاد. فرانس تيمرمان، الاشتراكى الديمقراطى، وزير الخارجية الهولندية الأسبق، عن الحزب الاشتراكى الأوروبى، الذى كان هو نفسه مرشحا قويا لرئاسة المفوضية، أصبح نائبا تنفيذيا للرئيسة «للصفقة الخضراء» الأوروبية مسئولا عن تحقيق أهداف الاتحاد فى مجال المناخ بهدف الوصول إلى ما سمى «الحياد الكربونى» أى الصفر كصافى انبعاثات ثانى أكسيد الكربون فى سنة 2050. مارجريت فستاجر، الليبرالية الدانماركية، وزيرة المالية فى بلادها فيما سبق، عن الليبراليين فى «تجديد أوروبا»، هى نائبة الرئيسة التنفيذية المسئولة عن التحول الرقمى، تشمل اختصاصاتها سياسة المنافسة، أو بعبارة أخرى ضمان المساواة فى السوق الأوروبية الموحدة ومكافحة التداخل فى آليات السوق والاحتكارات، والسياسة الصناعية طويلة الأجل، والضرائب الرقمية. نائب الرئيسة التنفيذى الثالث هو فالديس دومبروفسكيس، رئيس وزراء لاتفيا الأسبق، عن اليمين التقليدى لحزب الشعب الأوروبى، مسئول عن قطاع الاقتصاد وتشمل اختصاصاته الانتهاء من تحقيق الاتحاد الاقتصادى والنقدى، والتنسيق لتنفيذ خطة للاستثمارات المستدامة، وتحقيق الوعد الذى قطعته الرئيسة الجديدة على المفوضية بتحديد حد أدنى للأجور على مستوى كل الاتحاد الأوروبى. يجدر بالمهتمين فى بلداننا البحث والتفحص فى أهمية الملفات المذكورة لمستقبل البلدان والشعوب كلها، المتقدمة والنامية معا، حتى نتمكن من وضع أقدامنا بثقة على طريق المستقبل. يوجد أربعة نواب تقنيون آخرون للرئيسة، ذوو اختصاصات أكثر ألفة وإن كانت فى كثير من الأحيان غير معتادة فى الأنظمة السياسية للدول الوطنية. ما يهمنا بعد ذلك من تشكيل المفوضية هو الممثل الأعلى للشئون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد، الاشتراكى جوزيب بوريل، وزير الخارجية الإسبانية حتى انتقاله اليوم إلى المفوضية الأوروبية. بوريل، الذى كان رئيسا للبرلمان الأوروبى فيما بين سنتى 2004 و2007، سيكون مسئولا عن التنسيق بين السياسات الخارجية للدول الأعضاء، وهى مهمة عسيرة نظرا لصعوبة تحقيق التفاهم بين الدول الأعضاء فى الشئون الدولية. بوريل معروف بصراحته التى تكاد تجافى الدبلوماسية أحيانا، غير أنها صراحة كثيرا ما تكون فى محلها مثلما فعل بدفاعه منذ شهور عن المهاجرين فى أوروبا وبتفنيده لأسباب الانزعاج الذى يروج له اليمين وخصوصا أقصى اليمين. الممثل الأعلى للشئون الخارجية لا يصيغ السياسة الخارجية للاتحاد ولكنه يؤثر فيها برأيه وباختصاصه بتنفيذ ما تتفق عليه الدول الأعضاء. يذكر فى هذا الصدد انزعاج إسرائيل عندما أعلن عن ترشيح بوريل لمنصبه فى المفوضية الأوروبية لما هو معروف عنه من تفهمه للقضية الفلسطينية ولمطالب الشعب الفلسطينى. فى الشئون الخارجية سيعمل بوريل بالتنسيق مع لوى ميشيل، رئيس وزراء بلجيكا حتى اليوم، والذى وافق عليه البرلمان الأوروبى كرئيس للمجلس الأوروبى، أى المجلس الذى يجمع رؤساء الدول والحكومات.
***
عدد كبير من التحديات يواجه المفوضية الأوروبية الجديدة بل والنظام السياسى للاتحاد الأوروبى برمته على كل من المستوى الداخلى للاتحاد والمستوى الدولى، نكتفى باستعراض بعض منها. على المستوى الداخلى، يشار إلى الانتهاء من قضية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى، وإلى اعتماد ميزانية الاتحاد للفترة 2021ــ2027، حيث أن الميزانية تعتمد لفترة ست سنوات ثم يجرى الإنفاق وفقا لميزانيات سنوية. يذكر أن ميزانية 2014ــ2020 تبلغ 1,082 مليار دولار تمثل 1,02 فى المائة من الدخل القومى الإجمالى للاتحاد ونصيب ميزانية سنة 2019 الجارية منها 165,8 مليار يورو تمثل 1 فى المائة من الدخل القومى الإجمالى للاتحاد لهذا العام. الخلاف نشأ على ميزانية الفترة 2021ــ2027 التى قدمت المفوضية مشروعها فى سنة 2018. بعض الدول الأعضاء ترفض أن تصل الميزانية إلى أكثر من 1 فى المائة من الدخل القومى الإجمالى بعد خروج بريطانيا من الاتحاد وهو ما يعنى ضرورة تخفيض الإنفاق وما يصل بالتالى من مساعدات إلى بعض الدول التى تستفيد استفادة صافية من هذا الإنفاق. المحصلة هو أن ثمة خلافا ولكنه خلاف مشروع يجرى التصدى له بالتفاوض وهو من مسئولية رئيس المجلس الأوروبى. ربما يكون فى الخلاف والتصدى له درس لدعاة التكامل العربى. على المستوى الداخلى تبقى مسألتان مرتبطان بشكل ما، الأولى التباعد الثقافى والفكرى بين دول غرب وشمال أوروبا، من جانب، ودول وسط وشرقى أوروبا، المنتمين حتى سنة 1989 إلى المعسكر الاشتراكى، من جانب آخر. الأحزاب الحاكمة فى هذه الدول الأخيرة إما هى من أقصى اليمين أو من الشعبويين المرتبطين به، وهو ما يمد الحبل بينهم وبين الشعبويين وأقصى اليمين فى غرب وشمال أوروبا. أقصى اليمين القومى مناهض أصلا للتكامل الأوروبى وهو الشىء الطبيعى لأن التكامل الأوروبى نشأ فى الأساس لإبطال مفعوله المدمر للتعايش والسلام فى أوروبا وفى العالم. ألم يكن هو المسئول عن الحرب العالمية الثانية التى سقط فيها 55 مليونا من البشر؟
على المستوى الدولى، توجد القضايا الآنية والمحددة للعلاقات مع روسيا، والاتفاق النووى مع إيران الذى انسحبت الولايات المتحدة منه، والتحديات المتعددة فى منطقة البحر المتوسط، من سوريا إلى ليبيا إلى تركيا، إلى «بعبع» الهجرة، ناهيك عن القضية الفلسطينية التى لا يمكن لحريص على السلام والأمن فى المنطقة الممتدة من أوروبا إلى الشرق الأوسط إلا أن يوليها الاهتمام الذى تستحقه. غير أن ثمة قضية أعمق سيحدد التصدى لها قدرة القارة الأوروبية على مواجهة القضايا المحددة. القضية الأعمق هى موقع أوروبا فى العالم. الدول الأوروبية تشيخ والدخل القومى الإجمالى لدول عديدة فى آسيا تخطاها أو هو فى سبيله إلى ذلك، وما هى إلا عقود قليلة ويطال متوسط الدخل الفردى فى هذه الدول الآسيوية نظيره فى دول أوروبية. ثم هناك المسألة العظمى الخاصة بموقف الاتحاد الأوروبى ليس فقط من الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين وتحمله صاغرا لتكلفة هذه الحرب من نموه الاقتصادى، وإنما والأهم من ذلك الصراع الأمريكى الصينى الأشمل على زعامة العالم وتحديد وجهته وطبيعة الأنظمة الاقتصادية والسياسية فيه. لوى ميشيل، الرئيس الجديد للمجلس الأوروبى لا يعتقد أنه على أوروبا أن تكتفى بدور الشريك الأصغر فى العالم. هو يعتقد أن أوروبا بمكن أن تحتفظ بمكانتها بأن تنشط فى مجالات التجارة فى إطار منظمة التجارة العالمية، والمناخ ببناء اقتصاد أكثر قوة، والأمن بالدفاع عن مصالحها.
***
فى تشكيل المفوضية الجديدة للاتحاد الأوروبى وفى الموافقة عليه، وفى المجالات التى تنشط فيها المفوضية، وفى ميزانيتها، ثم فى أسلوب التصدى للاختلافات بين الدول الأعضاء عِبَرٌ للمهتمين بالتكامل الإقليمى فى منطقتنا العربية.
وفى التحديات التى تهدد التكامل الأوروبى داخليا وتلك التى تتعلق بموقع القارة الأوروبية فى العالم الأوسع فى العقود القادمة دروس للمعنيين بالتطور السياسى وبالتاريخ منظورا إليه فى «فتراته الطويلة»، المفهوم الأثير للمؤرخ الفرنسى فرنان بروديل.
أوروبا اعتادت التربع على سقف العالم فى القرنين الماضيين، وهى تجتهد للبقاء فى موقعها!

إبراهيم عوض أستاذ السياسات العامة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة
التعليقات